- - قصص قصيرة المكتبة الرئيسية المكتبة العامة الرواية والقصة
قصص قصيرة
عبد الباقي يوسـف
كأنه استيقظ للتو مـن نوم عميـــق

منذ ثلاث ساعات وهو يتقلب في الفراش , لا يعرف أي حالة غريبة هذه التي تسيطر على جملته العصبية وتفقده توازنه , تضرم الروح بحريق لا ينطفئ 0 تشير عقارب الساعة إلى الثانية ليلا , يسود صمت هائل في خيمة الظلام الحالك وليس من شيء غير النواصة الهادئة التي تحاول أن تهدئ من لهيب الاضطراب في روحه وتفشل مرة تلو المرة 0 كأنه يستلقي على قنبلة موقوتة قابلة للانفجار بعد لحظات , يحاول نسيان كل شيء يمت له بالحياة ليستغرق في النوم , لكنه بعد ساعة أخرى يدرك فشله في الحصول على إغفاءة ولو لهنيهة 0 لا توجد مشكلة تؤرقه ليعالجها , هكذا بدون أي مقدمات ولا تمهيد ركبه قلق مجهول وبات يشرد علّه يعثر على سبب ما 00 هل الوحدة هي السبب , ورمى الفكرة لأنها ليست المرة الأولى التي ينام فيها وحيدا , فهو منذ سنوات طويلة اعتاد على هذه الوحدة , وهو منسجم مع هذه الوحدة التي يعيشها , ومادام المرء يحب شيئا ويمارسه فلا توجد مشكلة , إذن ليست الوحدة 0 هل هو الخوف من الموت ؟ رغم كل حبه للحياة وتعلقه بها فقد استطاع أن يتغلب على أي إحساس بالخوف من الموت , ويظن بأن الوحدة ساعدته في تعزيز هذا الشعور لأن الذين يعيشون حياة اجتماعية حافلة يكونون أكثر عرضة للإحساس بالخوف من الموت الذي سوف يأخذهم من وقائع الحياة الثرية التي يعيشونها , أما هو فعلاقته محدودة بالحياة , ولا توجد لديه علاقات عميقة وحميمة تجعله يخاف على خسرانها 0 ينهض من الفراش , يشعر بوخزات في جبهته , فكر في أن يتناول قرصا منوما , لكنه تراجع عن الفكرة قائلا في نفسه : إن لم يأت النوم بشكل طبيعي فلا أريده أن يأتي بشكل غير طبيعي 0 يشعر بتعرق شديد 00 لم يعد يحتمل وبغتة يهرع إلى الشارع 0 يطبق الصمت على الطرقات والناس في بيوتهم الخافتة الأضواء يرقدون بأمان , كان عليه أن يكون نائما الآن وهل يسهر ليحرس النائمين وما معنى استيقاظه وخروجه إلى الشارع في هكذا وقت غير مناسب 0 يعود إلى حجرة نومه , يرتشف رشفة ماء ويتمتم في نفسه : سأنام 00 لابد أنني سأنام الآن 00 الحالة الهذيانية ولّت من غير رجعة , تشير الساعة إلى الرابعة والنصف وعلي أن أستفيق في الثامنة لأذهب إلى عملي 0 استلقى في الفراش وأغمض عينيه 00 مضى الوقت دون أن يتمكن من النوم , مضت ساعة أخرى دون أن يغفو لحظة واحدة 0 لم يعد الأمر يُحتمل , انتفض مرة أخرى , ذهب إلى المطبخ تناول كأسا من اللبن , وعاد إلى غرفة النوم دون أن يجرؤ على الدخول في الفراش 0 ثم ما لبث أن تمتم : إنني معتوه 00 الآن اكتشفت بأنني معتوه وأيضا أريد أن أقمع نفسي وأرغم عليها النوم بالقوة 0 أليس من حق النفس أن ترفض النوم ولو ليلة واحدة في السنة , أليس من حقها أن تتمرد على نوم الليل وتضجره لتقرر مرة واحدة النوم في النهار مثلا : في مقر العمل 00 في حافلة 00 في حديقة 00 في أي مكان , وأن ترفض النوم في الليل 0 ما لذي حدث 00 منذ ست ساعات وكأنني أريد أن أتسول لحظة واحدة من النوم , أشعر بأنني لست بحاجة إلى النوم وأستطيع أن أخرج الآن أدور في الطرقات إلى أن يحين وقت العمل فأعمل حتى المساء 00 عندما أشعر بنعاس سيكون النوم ممتعا لأن النوم عند ذاك هو الذي يأتي ويأخذني إلى عالمه 0 أجمل ساعات النوم هي تلك التي تكون في غفلة , مثلا وأنا أسهر على التلفاز ومستغرق في عالم برنامج جديد وفجأة أغرق في نوم عميق لمدة ثلاث ساعات متواصلة , وعندما أستفيق أرى بأن البرنامج انتهى ولحقه برنامجان آخران , فأضع رأسي وأكمل النوم على الكنبة حتى الصباح 0 تذكر للتو بأنه كاد أن يرتكب حماقة عندما فكر بأخذ أقراص منومة ليرغم النوم على نفسه 0 أجل عليه أن يستمتع باليقظة مادم لا يشعر برغبة في النوم , وكل تلك الحركات التي بدرت منه ما كانت إلا هراء في هراء 0

نهض من جديد , وقعد 00 لقد فاته أمر هام وهو أن يسهر ليلة واحدة في السنة , يكون فيها يقظا والناس نيام , ألا يحدث أن يكون نائما ويكون غيره يقظا 0 وكم تمنى فيما لو عاد الليل من أوله ليستمتع بكل لحظة من لحظاته الذاهبة تلك ، وعند ذاك أتى عليه وقت صلاة الصبح ، فقام ، توضأ وصلى ، ثم قرأ ما تيسر له من القرآن الكريم وخرج إلى عمله كأنه استيقظ للتو من نوم عميق .



الفهرس
الصفحة السابقة - 11 - الصفحة التالية
1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20 - 21