- - فــقه الســـنة المكتبة الرئيسية المكتبة الإسلامية الفــقه
فــقه الســـنة
السَّيّد سَابق رَحمَهُ الله
( 1 ) تعريفه : الطلاق : مأخوذ من الاطلاق ، وهو الارسال والترك . تقول : أطلقت الاسير ، إذا حللت قيده وأرسلته . وفي الشرع : حل رابطة الزواج ، وإنهاء العلاقة الزوجية .

( 2 ) كراهته : إن استقرار الحياة الزوجية غاية من الغايات التي يحرص عليها الاسلام . وعقد الزواج إنما يعقد للدوام والتأبيد إلى أن تنتهي الحياة ، ليتسنى للزوجين أن يجعلا من البيت مهدا يأويان إليه ، وينعمان في ظلاله الوارفة ، وليتمكنا من تنشئة أولادهما تنشئة صالحة . ومن أجل هذا كانت الصلة بين الزوجين من أقدس الصلات وأوثقها . وليس أدل على قدسيتها من أن الله سبحانه سمى العهد بين الزوج وزوجته بالميثاق الغليظ ، فقال : " وأخذن منكم ميثاقا غليظا ( 1 ) " . وإذا كانت العلاقة بين الزوجين هكذا موثقة مؤكدة ، فإنه لا ينبغي الاخلال بها ، ولاالتهوين من شأنها . وكل أمر من شأنه أن يوهن من هذه الصلة ، ويضعف من شأنها ، فهو بغيض إلى الاسلام ، لفوات المنافع وذهاب مصالح كل من الزوجين . فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أبغض الحلال إلى الله - عزوجل - الطلاق ( 2 ) . " وأي إنسان أراد أن يفسد ما بين الزوجين من علاقة فهو في نظر الاسلام خارج عنه ، وليس له شرف الانتساب إليه .

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من خبب ( 1 ) امرأة على زوجها ( 2 ) " . وقد يحدث أن بعض النسوة يحاول أن يستأثر بالزوج ويحل محل زوجته ، والاسلام ينهى عن ذلك أشد النهي . فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ( 3 ) ولتنكح ، فإنما لها ما قدر لها " . والزوجة التي تطلب الطلاق من غر سبب ولا مقتض ، حرام عليها رائحة الجنة . فعن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس ، فحرام عليها رائحة الجنة ( 4 ) " .

( 3 ) حكمه : اختلفت آراء الفقهاء في حكم ( 5 ) الطلاق ، والاصح من هذه الآراء ، رأي الذين ذهبوا إلى حظره إلا لحاجة ، وهم الاحناف والحنابلة . واستدلوا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لعن الله كل ذواق ، مطلاق " . ولان في الطلاق كفرا لنعمة الله ، فإن الزواج نعمة من نعمه ، وكفران النعمة حرام . فلا يحل إلا لضرورة . ومن هذه الضرورة التي تبيحه أن يرتاب الرجل في سلوك زوجته . أو أن يستقر في قلبه عدم اشتهائها ، فإن الله مقلب القلوب ، فإن لم تكن هناك حاجة تدعو إلى الطلاق يكون حينئذ محض كفران نعمة الله ، وسوء أدب من الزوج ، فيكون مكروها محظورا . وللحنابلة تفصيل حسن ، نجمله فيما يلي :

( 1 ) خبب : أفسد . ( 2 ) رواه أبو داود والنسائي . ( 3 ) أي لتخلي عصمة أختها من الزواج ولتحظى بزوجها . ولها أن تتزوج زوجا آخر . ( 4 ) رواه أصحاب السنن وحسنه الترمذي . ( 5 ) أي الوصف الشرعي له

فعندهم قد يكون الطلاق واجبا ، وقد يكون محرما ، وقد يكون مباحا ، وقد يكون مندوبا إليه . فأما الطلاق الواجب : فهو طلاق الحكمين في الشقاق بين الزوجين ، إذا رأيا أن الطلاق هو الوسيلة لقطع الشقاق . وكذلك طلاق المولي بعد التربص ، مدة أربعة أشهر لقول الله تعالى : " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم . وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ( 1 ) " .

وأما الطلاق المحرم : فهو الطلاق من غير حاجة إليه ، وإنما كان حراما ، لانه ضرر بنفس الزوج ، وضرر بزوجته ، وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه . فكان حراما ، مثل إتلاف المال ، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا ضرر ولا ضرار " . وفي رواية أخرى أن هذا النوع من الطلاق مكروه لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " . وفي لفظ : " ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق " ( 2 ) وإنما يكون مبغوضا من غير حاجة إليه - وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم حلالا - ولانه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها ، فيكون مكروها . وأما الطلاق المباح : فإنما يكون عند الحاجة إليه ، لسوء خلق المرأة ، وسوء عشرتها ، والتضرر بها ، من غير حصول الغرض منها . وأم المندوب إليه : فهو الطلاق يكون عند تفريط المرأة في حقوق الله الواجبة عليها ، مثل الصلاة ونحوها ، ولا يمكنه إجبارها عليها ، أو تكون غير عفيفة . قال الامام أحمد رضي الله عنه لا ينبغي له إمساكها ، وذلك لان فيه نقصأ لدينه ، ولا يأمن إفساد ه‍ لفراشه ، وإلحاقها به ولدا ليس هو منه ، ولا بأس بالتضييق عليها في هذه الحال ، لتفتدي منه ، قال الله تعالى : " ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ( 1 ) " . قال ابن قدامه : ويحتمل أن الطلاق في هذين الموضعين واجب . قال : ومن المندوب إليه ، الطلاق في حال الشقاق . وفي الحال التي تخرج المرأة إلى المخالعة لتزيل عنها الضرر . قال ابن سينا في كتاب الشفاء : " ينبغي أن يكون إلى الفرقة سبيل ما ، وألا يسد ذلك من كل وجه ، لان حسم أسباب التوصل إلى الفرقة بالكلية يقتضي وجوها من الضرر والخلل . منها : أن من الطبائع ما لا يألف بعض الطبائع ، فكلما اجتهد في الجمع بينهما زاد الشر ، والنبو ( أي الخلاف ) وتنغصت المعايش . ومنها : أن من الناس من يمنى ( أي يصاب ) بزوج غير كف ء . ولا حسن المذاهب في العشرة ، أو بغيض تعافه الطبيعة ، فيصير ذلك داعية إلى الرغبة في غيره ، إذ الشهوة طبيعة ، ربما أدى ذلك إلى وجوه من الفساد ، وربما كان المتزاوجان لا يتعاونان على النسل ، فإذا بدلا بزوجين آخرين تعاونا فيه ، فيجب أن يكون إلى المفارقة سبيل ، ولكنه يجب أن يكون مشددا فيه " .

الطلاق عند اليهود ( 2 ) : الذي دون في الشريعة عند اليهود وجرى عليه العمل أن الطلاق يباح بغير عذر ، كرغبة الرجل بالتزوج بأجمل من امرأته ، ولكنه لا يحسن بدون عذر ، والاعذار عندهم قسمان : ( الاول ) عيوب الخلقة ، ومنها : العمش ، والحول ، والبخر ، والحدب ، والعرج ، والعقم . ( الثاني ) وعيوب الاخلاق . ! وذكروا منها : الوقاحة ، والثرثرة ، والوساخة ، والشكاسة ، والعناد ، والاسراف ، والنهمة ، والبطنة ، والتأنق في المطاعم ، والفخفخة ، والزنا أقوى الاعذار عندهم ، فيكفي فيه الاشاعة ، وإن لم تثبت ، إلا أن المسيح عليه السلام لم يقر منها إلا علة الزنا ،

( هامش ) ( 1 ) النساء الآية 19 : أي لا تمسكوهن لتضيقوا عليهن . ( 2 ) من كتاب " نداء للجنس اللطيف " . وأما المرأة فليس لها أن تطلب الطلاق مهما تكن عيوب زوجها ، ولو ثبت عليه الزنا ثبوتا .

الطلاق في المذاهب المسيحية : ترجع جميع المذاهب المسيحية التي تعنقها أمم الغرب المسيحي إلى ثلاثة مذاهب : 1 - المذهب الكاثوليكي . 2 - " الارثوذكسي . 3 - " البروتوستنتي . فالمذهب الكاثوليكي ، يحرم الطلاق تحريما باتا ، ولا يبيح فصم الزواج لاي سبب مهما عظم شأنه ، وحتى الخيانة الزوجية نفسها لاتعد في نظره مبررا للطلاق ، وكل ما يبيحه في حالة الخيانة الزوجية ، هو التفرقة الجسمية ، بين شخصي الزوجين ، مع اعتبار الزوجية قائمة بينهما من الناحية الشرعية ، فلا يجوز لواحد منهما في أثناء هذه الفرقة أن يعقد زواجه على شخص آخر ، لان ذلك يعتبر تعددا للزوجات ، والديانة المسيحية لا تبيح التعدد بحال . وتعتمد الكاثوليكية في مذهبها هذا على ما جاء في إنجيل مرقص على لسان المسيح ، إذ يقول : . . . " 8 ويكون الاثنان جسدا واحدا ، إذن ليسا بعد اثنين ، بل جسد واحد ، 9 فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان ( 1 ) " . والمذهبان المسيحيان الآخران ، الارثوذكسي ، والبروتوستنتي ، يبيحان الطلاق في بعض حالات محدودة ، من أهمها الخيانة الزوجية ، ولكنهما يحرمان على الرجل والمرأة كليهما أن يتزوجا بعد ذلك ، وتعتمد المذاهب المسيحية التي تبيح الطلاق في حالة الخيانة الزوجية على ما ورد في إنجيل متى ، على لسان المسيح ، إذ يقول : " من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني ( 2 ) " .

/ وتعتمد المذاهب المسيحية في تحريمها الزواج على المطلق والمطلقة على ما ورد في إنجيل مرقص إذ يقول : ( من طلق امرأته ، وتزوج بأخرى يزني عليها ، وإن طلقت امرأة زوجها ، وتزوجت بآخر تزني ) .

الطلاق في الجاهلية : قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : " كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها ، وهي امرأته إذا راجعها وهي في العدة ، وإن طلقها مائة مرة ، أو أكثر ، حتى قال رجل لامرأته : والله لا أطلقك فتبيني مني ، ولا آويك أبدا ، قالت : وكيف ذلك ؟ قال : أطلقك ، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك ، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة ، فأخبرتها ، فسكتت حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل القرآن : " الطلاق مرتان . فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ( 1 ) " . قالت عائشة : فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا ، من كان طلق ، ومن لم يكن طلق " . رواه الترمذي . الطلاق من حق الرجل وحده جعل الاسلام الطلاق من حق الرجل وحده ( 2 ) ، لانه أحرص على بقاء الزوجية التي أنفق في سبيلها من المال ، ما يحتاج إلى انفاق مثله ، أو أكثر منه ، إذا طلق وأراد عقد زواج آخر . وعليه أن يعطي المطلقة مؤخر المهر ، ومتعة الطلاق ، وأن ينفق عليها في مدة العدة . ولانه بذلك ، وبمقتضى عقله ومزاجه يكون أصبر على ما يكره من المرأة ، فلا يسارع إلى الطلاق لكل غضبة يغضبها ، أو سيئة منها يشق عليه احتمالها ، والمرأة أسرع منه غضبا ، وأقل احتمالا ، وليس عليها من تبعات الطلاق ونفقاته مثل ما عليه ، فهي أجدر بالمبادرة إلى حل عقدة الزوجية ، لادنى الاسباب ، أو لما لا يعد سببا صحيحا إن أعطي لها هذا الحق . والدليل على صحة هذا التعليل الاخير ، أن الافرنج لما جعلوا طلب الطلاق حقا للرجال والنساء على السواء ، كثر الطلاق عندهم ، فصار أضعاف ما عند المسلمين .

من يقع منه الطلاق . اتفق العلماء على أن الزوج ، العاقل ، البالغ ، المختار هو الذي يجوز له أن يطلق ، وأن طلاقه يقع . فإذا كان مجنونا ، أو صبيا أو مكرها ، فإن طلاقه يعتبر لغوا لو صدر منه ، لان الطلاق تصرف من التصرفات التي لها آثارها ونتائجها في حياة الزوجين ، ولابد من أن يكون المطلق كامل الاهلية ، حتى تصح تصرفاته . وإنما تكمل الاهلية بالعقل والبلوغ ، والاختيار ، وفي هذا يروي أصحاب السنن ، عن علي كرم الله وجهه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ( 1 ) ، وعن المجنون حتى يعقل " . وعن أبي هريرة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " كل طلاق جائز ، إلا طلاق المغلوب على عقله " . رواه الترمذي والبخاري موقوفا . وقال ابن عباس رضي الله عنه - فيمن يكرهه اللصوص فيطلق - فليس بشئ ، رواه البخاري . وللعلماء آراء مختلفة في المسائل الآتية نجملها فيما يلي : 1 - طلاق المكره . 2 - طلاق السكران . 3 - طلاق الهازل . 4 - طلاق الغضبان . 5 - طلاق الغافل والساهي . 6 - طلاق المدهوش .

( 1 ) طلاق المكره : المكره لا إرادة له ولا اختيار ، والارادة والاختيار هي أساس التكليف ، فإذا انتفيا ، انتفى التكليف ، واعتبر المكره غير مسؤول عن تصرفاته ، لانه مسلوب الارادة ، وهوفي الواقع ينفذ إرادة المكره . فمن أكره على النطق بكلمة الكفر ، لا يكفر بذلك لقول الله تعالى : " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ( 1 ) " . ومن أكره على الاسلام لا يصبح مسلما ، ومن أكره على الطلاق لا يقع طلاقه . روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " . أخرجه ابن ماجه ، وابن حبان ، والدارقطني ، والطبراني ، والحاكم ، وحسنه النووي . وإلى هذا ذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وداود من فقهاء الامصار ، وبه قال عمربن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عباس . وقال أبو حنيفة وأصحابه : طلاق المكره واقع ، ولا حجة لهم فيما ذهبوا إليه ، فضلا عن مخالفتهم لجمهور الصحابة .

( 2 ) طلاق السكران : ذهب جمهور الفقهاء إلى أن طلاق السكران يقع ، لانه المتسبب بإدخال الفساد على عقله بإرادته . وقال قوم : لا يقع وإنه لغو لا عبرة به ، لانه هو والمجنون سواء ، إذ أن كلامنهما فاقد العقل الذي هو مناط التكليف ، ولان الله سبحانه يقول : " يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ( 2 ) " . فجعل سبحانه قول السكران غيرمعتدبه ، لانه لا يعلم ما يقول . وثبت عن عثمان أنه كان لا يرى طلاق السكران وذهب بعض أهل العلم أنه لا يخالف عثمان في ذلك احد من الصحابة . وهو مذهب يحيى بن سعيد الانصاري ، وحميد بن عبد الرحمن وربيعة ، والليث بن سعد ، وعبد الله بن الحسين ، وإسحاق بن راهويه ، وأبي ثور ، والشافعي في أحد فوليه واختاره المزني من الشافعية وهو إحدى الروايات عن أحمد ، وهي التي استقر عليها مذهبه ، وهو مذهب أهل الظاهر كلهم ، واختاره من الحنفية أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن الكرخي . قال الشوكاني : إن السكران الذي لا يعقل لاحكم لطلاقه لعدم المناط الذي تدور عليه الاحكام ، وقد عين الشارع عقوبته فليس لنا أن نجاوزها برأينا ، ونقول يقع طلاقه عقوبة له ، فيجمع له بين غرمين . وقد جرى العمل أخيرا في المحاكم بهذا المذهب ، فقد جاء في المرسوم بقانون برقم 25 / لسنة 1929 في المادة الاولى منه : ( لا يقع طلاق السكران والمكره ) .

( 3 ) طلاق الغضبان : والغضبان الذي لا يتصور ما يقول ، ولا يدري ما يصدر عنه ، لا يقع طلاقه لانه مسلوب الارادة . روى أحمد وأبو داود ، وابن ماجه ، والحاكم وصححه ، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " . وفسر الاغلاق بالغضب ، وفسر بالاكراه ، وفسربالجنون . وقال ابن تيمية كما في زاد المعاد : حقيقة الاغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته . قال : ويدخل في ذلك طلاق المكره ، والمجنون ، ومن زال عقله بسكر أو غضب ، وكل ما لاقصد له ، ولا معرفة له بما قال ،

والغضب على ثلاثة أقسام : 1 - ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال ، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع . 2 - ما يكون في مبادئه بحيث لايمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده ، فهذا يقع طلاقه . 3 - أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية ، ولكنه يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زاد ، فهذا محل نظر . وعدم الوقوع في هذه الحالة قوي متجه .

( 4 ) طلاق الهازل ( 1 ) والمخطئ : يرى جمهور الفقهاء أن طلاق الهازل يقع ، كما أن نكاحه يصح ، لما رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي وحسنه ، والحاكم وصححه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاث جدهن جد ، وهزلهن جد : النكاح والطلاق والرجعة " . وهذا الحديث وإن كان في إسناده عبد الله بن حبيب ، وهو مختلف فيه ، فإنه قد تقوى بأحاديث أخرى . وذهب بعض أهل العلم إلى عدم وقوع طلاق الهازل . منهم : الباقر ، والصادق ، والناصر . وهو قول في مذهب أحمد ومالك ، إذ أن هؤلاء يشترطون لوقوع الطلاق الرضا بالنطق اللساني ، والعلم بمعناه ، وإرادة مقتضاه ، فإذا انتفت النية والقصد ، اعتبر اليمين لغوا ، لقول الله تعالى : " وإن عزموا الطلاق ، فإن الله سميع عليم ( 2 ) " . وإنما العزم ما عزم العازم على فعله ، ويقتضي ذلك إرادة جازمة بفعل المعزوم عليه ، أو تركه ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إنما الاعمال بالنيات " . والطلاق عمل مفتقر إلى النية ، والهازل لا عزم له ولانية . وروى البخاري عن ابن عباس : " " إنما الطلاق عن وطر ( 3 ) " . أما طلاق المخطئ ، وهو من أراد التكلم بغير الطلاق فسبق لسانه إليه .

( هامش ) ( 1 ) الهازل : هو الذي يتكلم من غير قصد للحقيقة ، بل على وجه اللعب ونقيضه الجاد ، مأخوذ من الجسد . ( 2 ) سورة البقرة آية : 27 . ( 3 ) قال الحافظ : أي أنه لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته إلا عند الحاجة كالنشوز . وقال ابن القيم : أي عن غرض من المطلق في وقوعه - رسالة الطلاق : ص 57 .

فقد رأى فقهاء الاحناف : أنه يعامل به قضاء ، وأما ديانة فيما بينه وبين ربه فلا يقع عليه طلاقه وزوجته حلال له .

( 5 ) طلاق الغافل والساهي : ومثل المخطئ ، والهازل ، الغافل ، والساهي ، والفرق بين المخطئ والهازل ، أن طلاق الهازل يقع قضاء وديانة ، عند من يرى ذلك ، وطلاق المخطئ يقع قضاء فقط ، وذلك أن الطلاق ليس محلا للهزل ولا للعب .

( 6 ) طلاق المدهوش : المدهوش الذي لا يدري ما يقول ، بسبب صدمة أصابته فأذهبت عقله وأطاحت بنفكيره ، لا يقع طلاقه ، كما لا يقع طلاق المجنون ، والمعتوه ، والمغمى عليه ، ومن اختل عقله لكبر أو مرض ، أو مصيبة فاجأته .

من يقع عليها الطلاق لا يقع الطلاق على المرأة إلا إذا كان محلا له ، وإنما تكون محلا له في الصور الآتية : 1 - إذا كانت الزوجية قائمة بينها وبين زوجها حقيقة . 2 - إذا كانت معتدة من طلاق رجعي ، أو معتدة من طلاق بائن بينونة صغرى ، لان الزوجية فيها تين الحالتين تعتبر قائمة حكما حتى تنتهي العدة . 3 - إذا كانت المرأة في العدة الحاصلة بالفرقة التي تعتبر طلاقا . كأن تكون الفرقة بسبب إباء الزوج الاسلام إذا أسلمت زوجته . أو كانت بسبب الايلاء فإن الفرقة في هاتين الصورتين تعتبر طلاقا عند الاحناف . 4 - إذا كانت المرأة معتدة من فرقة اعتبرت فسخا لم ينقض العقد من أساسه ولم يزل الحل . كالفرقة بردة الزوجة ، لان الفسخ في هذه الحالة إنما لطارئ طرأ يمنع بقاء العقد بعد أن وقع صحيحا .

من لا يقع عليها الطلاق قلنا : إن الطلاق لا يقع على المرأة إلا إذا كانت محلا له . فإذا لم تكن محلا له فلا يقع عليها الطلاق . فالمعتدة من فسخ الزواج بسبب عدم الكفاءة أو لنقص المهر عن مهر المثل ، أو لخيار البلوغ ، أو لظهور فساد العقد بسبب فقد شرط من شروط صحته ، لا يقع عليها الطلاق ، لان العقد في هذه الحالات قد نقض من أصله ، فلم يبق له وجود في العدة . فلو قال الرجل لامرأته : أنت طالق وهي في هذه الحالة - فقوله لغو لا يترتب عليه أي أثر . وكذلك لا يقع الطلاق على المطلقة قبل الدخول وقبل الخلوة بها خلوة صحيحة ، لان العلاقة الزوجية بينهما قد انتهت ، وأصبحت أجنبية بمجرد صدور الطلاق ، فلا تكون محلا للطلاق بعد ذلك . لانها ليست زوجته ولا معتدته . فلو قال لزوجته غير المدخول بها حقيقة أو حكما : أنت طالق . . . أنت طالق . . . أنت طالق ، وقعت بالاولى فقط طلقة بائنة ، لان الزوجية فائمة . أما الثانية ، والثالثة ، فهما لغو لا يقع بهما شئ ، لانهما صادفتاها وهي ليست زوجته ولامعتدته ، حيث لا عدة لغير المدخول بها ( 1 ) " . وكذلك لا يقع الطلاق على أجنبية لم تربطها بالمطلق زوجية سابقة . فلو قال لامرأة لم يسبق له الزواج بها : " أنت طالق يكون كلامه لغوا لاأثر له ، وكذلك الحكم فيمن طلقت وانتهت عدتها ، لانها بانتهاء العدة تصبح أجنبية عنه . ومثل ذلك المعتدة من طلاق ثلاث ، لانها بعد الطلاق الثلاث تكون قد بانت منه بينونة كبرى ، فلا يكون للطلاق معنى

( هامش ) ( 1 ) وهذا مذهب أبي حنيفة ، والشافعي : وقال مالك . . . إذا قال لغير المدخول بها : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، ثلاثا . فهي نسق . " أي متابعة وراء بعضها " قال يكون ثلاثة تشبيها لتكرار اللفظ بالعد كأنه قال . . . " أنت طالق ثلاثا " وقال في بداية المجتهد ، فمن شبه تكرار اللفظ بلفظه بالعدد أعني بقوله " طلقتك ثلاثا " قال : " يقع الطلاق ثلاثا " ومن رأى أنه باللفظة الواحدة قد بانت منه . قال " لا يقع " وهذا بخلاف المدخول بها .

الطلاق قبل الزواج لا يقع الطلاق إذا علقه على التزوج بأجنبية ، كأن يقول : " إن تزوجت فلانة فهي طالق ، لما رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لانذر لابن آدم فيما لا يملك ، ولا عتق له فيما لا يملك ، ولاطلاق له فيما لا يملك " . قال الترمذي : حديث حسن ، وهو أحسن شئ روي في هذا الباب ، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم . وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ، وابن عباس ، وجابر بن يزيد ، وغير واحد من فقهاء التابعين ، وبه يقول الشافعي . وقال أبو حنيفة ، في الطلاق المعلق : إنه يقع إذا حصل الشرط ، سواء عمم المطلق جميع النساء ، أم خصص . وقال مالك و أصحابه : إن عمم جميع النساء لم يلزمه ، وإن خصص لزمه . ومثال التعميم أن يقول : إن تزوجت أي أمرأة فهي طالق . ومثال التخصيص : أن يقول : إن تزوجت فلانة - وذكر امرأة بعينها - فهي طالق

ما يقع به الطلاق يقع الطلاق بكل ما يدل على إنهاء العلاقة الزوجية ، سواء أكان ذلك باللفظ ، أم بالكتابة إلى الزوجة ، أم بالاشارة من الاخرس ، أو بإرسال رسول .

الطلاق باللفظ : واللفظ قد يكون صريحا ، وقد يكون كناية ، فالصريح : هو الذي يفهم من معنى الكلام عند التلفظ به ، مثل : أنت طالق ومطلقة ، وكل ما اشتق من لفظ الطلاق . وقال الشافعي رضي الله عنه : ألفاظ الطلاق الصريحة ثلاثة : الطلاق ، والفراق ، والسراح ، وهي المذكورة في القرآن الكريم . وقال بعض أهل الظاهر : لا يقع الطلاق إلا بهذه الثلاث ، لان الشرع إنما ورد بهذه الالفاظ الثلاثة ، وهي عبادة ، ومن شروطها اللفظ فوجب الاقتصار على اللفظ الشرعي الوارد فيها ( 1 ) .

والكناية : ما يحتمل الطلاق وغيره ، مثل : أنت بائن ، فهو يحتمل البينونة ( 2 ) عن الزواج ، كما يحتمل البينونة عن الشر . ومثل : أمرك بيدك ، فإنها تحتمل تمليكها عصمتها . كما تحتمل تمليكها حرية التصرف . ومثل : أنت علي حرام ، فهي تحتمل حرمة المتعة بها ، وتحتمل حرمة إيذائها .

والصريح : يقع به الطلاق من غير احتياج إلى نية تبين المراد منه ، لظهور دلالته ووضوح معناه . ويشترط في وقوع الطلاق الصريح : أن يكون لفظه مضافا إلى الزوجة ، كأن يقول : زوجتي طالق ، أو أنت طالق . أما الكناية فلا يقع بها الطلاق إلا بالنية ، فلو قال الناطق بلفظ الصريح : لم أرد الطلاق ولم أقصده ، وإنما أردت معنى آخر ، لا يصدق قضاء ، ويقع طلاقه . ولو قال الناطق بالكناية : لم أنو الطلاق ، بل نويت معنى آخر ، يصدق قضاء ، ولا يقع طلاقه ، لاحتمال اللفظ معنى الطلاق وغيره ، والذي يعين المراد هو النية ، والقصد ، وهذا مذهب مالك ، والشافعي ، لحديث عائشة رضيا لله عنها ، عند البخاري وغيره . " أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودنا منها ، قالت : أعوذ بالله منك ، فقال لها : " عذت بعظيم ، الحقي بأهلك " وفي الصحيحين وغيرهما في حديث تخلف كعب بن مالك لما قيل له : " رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقال : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ ! قال : بل اعتزلها . فلا تقربنها ، فقال لامرأته : الحقي بأهلك " .

( هامش ) ( 1 ) بداية المجتهد ج‍ 2 ص 70 . ( 2 ) إذ أن البينونة معناها البعد والمفارقة .

فأفاد الحديثان ، أن هذه اللفظة تكون طلاقا مع القصد ، ولا تكون طلاقا مع عدمه . وقد جرى عليه العمل الآن ، حيث جاء في القانون رقم 25 لسنة 1929 في المادة الرابعة منه : "

كنايات الطلاق : وهي ما تحتمل الطلاق أو غيره لا يقع بها الطلاق إلا بالنية " . أما مذهب الاحناف : فإنه يرى أن كنايات الطلاق يقع بها الطلاق بالنية ، وأنه يقع بها أيضا الطلاق بدلالة الحال . ولم يأخذ القانون ، بمذهب الاحناف في الاكتفاء بدلالة الحال ، بل اشترط أن ينوي المطلق بالكناية الطلاق . هل تحريم المرأة يقع طلاقا ؟ إذا حرم الرجل امرأته ، فإما أن يريد بالتحريم تحريم العين ، أو يريد الطلاق بلفظ التحريم غير قاصد لمعنى اللفظ ، بل قصد التسريح : ففي الحالة الاولى ، لا يقع الطلاق ، لما أخرجه الترمذي عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : ( آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه ، فجعل الحرام ( 1 ) حلالا . وجعل في اليمين كفارة ) . وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : ( إذا حرم الرجل امرأته ، فهي يمين يكفرها . ثم قال : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) . وأخرج النسائي عنه : " أنه أتاه رجل فقال : إني جعلت امرأتي علي حراما فقال : كذبت ، ليست عليك حرام ، ثم تلا هذه الآية : " يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك . تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور

( هامش ) ( 1 ) جعل الشئ الذي حرمه حلالا بعد تحريمه .

رحيم . قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ( 1 ) " . عليك أغلظ الكفارة : عتق رقبة " . وفي الحالة الثانية : يقع الطلاق ، لان لفظ التحريم كناية كسائر الكنايات . الحلف بأيمان المسلمين من حلف بأيمان المسلمين ثم حنث ، فإنه يلزمه كفارة يمين عند الشافعية ، ولا يلزمه طلاق ولاغيره . ولم يرد عن مالك فيه شئ وإنما الخلاف فيه للمتأخرين من المالكيه فقيل : يلزمه الاستغفار فقط ، والمشهور المفتى به عندهم : أنه يلزمه كل ما اعتيد الحلف به من المسلمين . وقد جرى العرف في مصر أن يكون الحلف المعتاد بالله وبالطلاق ، وعليه فيلزم من حلف بأيمان المسلمين ثم حنث كفارة يمين وبت من يملك عصمتها ولا يلزمه مشي إلى مكة ولا صيام ، كما كان في العصور الاولى ، لعدم من يحلف بذلك الآن ، وقال الابهري : يلزمه الاستغفار فقط ، وقيل : يلزمه كفارة يمين كما يرى الشافعية . وهذا الخلاف عند المالكية إذا لم ينو طلاقا ، فإن نوى طلاقا وحنث لزمه اليمين عندهم . ونحن نرى ترجيح رأي الابهري وأن من حلف بذلك لا يلزمه إلا أن يستغفر له

الطلاق بالكتابة . والكتابة يقع بها الطلاق ، ولو كان الكاتب قادرا على النطق ، فكما أن للزوج أن يطلق زوجته باللفظ ، فله أن يكتب إليها الطلاق . واشترط الفقهاء : أن تكون الكتابة مستبينة مرسومة . ومعنى كونها مستبينة : أي بينة واضحة بحيث تقرأ في صحيفة ونحوها . ومعنى كونها مرسومة : أي مكتوبة بعنوان الزوجة بأن يكتب إليها : يا فلانة ، أنت طالق ، فإذا لم يوجه الكتابة إليها بأن كتب على ورقة : أنت

( هامش ) ( 1 ) هذه الآية مصرحة بأن التحريم يمين .

طالق ، أو زوجتي طالق ، فلا يقع الطلاق إلا بالنية ، لاحتمال أنه كتب هذه العبارة من غير أن يقصد إلى الطلاق . وإنما كتبها لتحسين خطه مثلا .

اشارة الاخرس الاشارة بالنسبة للاخرس أداة تفهيم ، ولذا تقوم مقام اللفظ في إيقاع الطلاق إذا أشار إشارة تدل على قصده في إنهاء العلاقة الزوجية . واشترط بعض الفقهاء ألا يكون عارفا الكتابة ولاقادرا عليها . فإذا كان عارفا بالكتابة وقادرا عليها ، فلا تكفي الاشارة ، لان الكتابة أدل على المقصود ، فلا يعدل عنها إلى الاشارة إلا لضرورة العجز عنها .

ارسال رسول ويصح الطلاق بإرسال رسول ليبلغ الزوجة الغائبة بأنها مطلقة ، والرسول يقوم في هذه الحالة مقام المطلق ويمضي طلاقه . الاشهاد على الطلاق ذهب جمهور الفقهاء من السلف والخلف إلى أن الطلاق يقع بدون إشهاد ، لان الطلاق من حقوق الرجل ( 1 ) ، ولايحتاج إلى بينة كي يباشر ، حقه ، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولاعن الصحابة ، ما يدل على مشروعية الاشهاد .

( هامش ) ( 1 ) الطلاق حق من حقوق الزوج ، وقد جعله الله بيده ولم يجعل الله لغيره حقا فيه . قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن " . وقال : " إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف " . قال ابن القيم : فجعل الطلاق لمن نكح لان له الامساك وهو الرجعة . وعن ابن عباس قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله : سيدي زوجني أمته ، وهو يريد أن يفرق بيي وبينها ، قال : فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فقال : يا أيها الناس : ما بال أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق بينهما : إنما الطلاق لمن أخذ بالساق " . رواه ابن ماجه . وقد تقدمت حكمة ذلك .

وخالف في ذلك فقهاء الشيعة الامامية فقالوا : إن الاشهاد شرط في صحة الطلاق ، واستدلوا بقول الله سبحانه في سورة الطلاق : " وأشهدوا ذوي عدل منكم ، وأقيموا الشهادة لله " . فذكر الطبرسي : أن الظاهر أنه أمر بالاشهاد على الطلاق ، وأنه مروي عن أئمة أهل البيت رضوان الله عليهم أجمعين ، وأنه للوجوب وشرط في صحة الطلاق ( 1 ) : من ذهب إلى وجوب الاشهاد على الطلاق وعدم وقوعه بدون بينة : وممن ذهب إلى وجوب الاشهاد واشتراطه لصحته من الصحابة : أمير لمؤمنين علي بن أبي طالب ، وعمران بن حصين ، رضي الله عنهما ، ومن التابعين : الامام محمد الباقر ، والامام جعفر الصادق ، وبنوهما أئمة آل البيت رضوان الله عليهم ، وكذلك عطاء ، وابن جريج ، وابن سيرين رحمهم الله " ففي جواهر الكلام " عن علي رضي الله عنه ، أنه قال لمن سأله عن طلاق : " أشهدت رجلين عدلين كما أمر الله عزوجل ؟ قال : لا ، قال اذهب فليس طلاقك بطلاق " . وروى أبو داود في سننه عن عمران بن حصين رضي الله عنه ، أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ، ثم يقع بها ، ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال : " طلقت لغير سنة ، وراجعت لغير سنة ، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ، ولا تعد " . وقد تقرر في الاصول : أن قول الصحابي ، من السنة كذا ، في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه ولم على الصحيح ، لان مطلق ذلك إنما ينصرف بظاهرة إلى من يجب اتباع سنته ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولان مقصود الصحابي بيان الشرع لا اللغة والعادة كما بسط في موضعه . وأخرج الحافظ السيوطي في الدر المنثور في تفسير آية : " فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ، وأشهدوا ذوي عدل منكم " . وعن عبد الرزاق عن ابن سيرين أن رجلا سأل عمران بن حصين ، عن رجل طلق ولم يشهد ، وراجع ولم يشهد . قال : بئس ما صنع ، طلق لبدعة ، وراجع لغير سنة ، فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته ، وليستغفر الله . فإنكار ذلك من عمران ، رضي الله عنه ، والتهويل فيه وأمره بالاستغفار لعده إياه معصية ، ما هو إلا لوجوب الاشهاد عنده ، رضي الله عنه كما هو ظاهر . وفي كتاب " الوسائل " عن الامام أبي جعفر الباقر ، عليه رضوان الله ، قال : الطلاق الذي أمر الله عز وجل به في كتابه ، والذي سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يخلي الرجل عن المرأة ، إذا حاضت وطهرت من محيضها ، أشهد رجلين عدلين على تطليقه ، وهي طاهر من غير جماع ، وهو أحق برجعتها ما لم تنقض ثلاثة قروء ، وكل طلاق ما خلا هذا فباطل ، ليس بطلاق . وقال جعفر الصادق رضي الله عنه : من طلق بغير شهود فليس بشئ قال السيد المرتضى في كتاب " الانتصار " : حجة الامامية في القول : بأن شهادة عدلين شرط في وقوع الطلاق ، ومتى فقد لم يقع الطلاق . لقوله تعالى : " وأشهدوا ذوي عدل منكم " . فأمر تعالى بالاشهاد ، وظاهر الامر في عرف الشرع يقتضى الوجوب ، وحمل ما ظاهره الوجوب على الاستحباب خروج عن عرف الشرع بلا دليل . وأخرج السيوطي في " الدر المنثور " عن عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء ، قال : النكاح بالشهود ، والطلاق بالشهود ، والمراجعة بالشهود . وروى الامام ابن كثير في تفسيره عن ابن جريج : أن عطاء كان يقول في قوله تعالى : " وأشهدوا ذوي عدل منكم " . قال : لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا إرجاع إلا شاهدا عدل ، كما قال الله عز وجل ، إلا من عذر . فقوله : لا يجوز ، صريح في وجوب الاشهاد على الطلاق عنده ، رضي الله عنه ، لمساواته له بالنكاح ، ومعلوم ما اشترط فيه من البينة . إذا تبين لك ، أن وجوب الاشهاد على الطلاق ، هو مذهب هؤلاء الصحابة والتابعين المذكورين ، تعلم أن دعوى الاجماع على ندبه المأثورة في بعض كتب الفقه ، مراد بها الاجماع المذهبي لا الاجماع الاصولي الذي حده - كما في " المستصفى " - اتفاق أمة محمد ، صلى الله عليه وسلم ، خاصة على أمر من الامور الدينية ، لانتقاضه ، بخلاف من ذكر من الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم من المجتهدين . وتبين مما نقلناه قبل عن السيوطي وابن كثير : أن وجوب الاشهاد لم ينفرد به علماء آل البيت عليهم السلام ، كما نقله السيد مرتضى في كتاب " الانتصار " ، بل هو مذهب عطاء وابن سيرين ، وابن جريج ، كما أسلفنا .

التنجيز والتعليق صيغة الطلاق : إما أن تكون منجزة ، وإما أن تكون معلقة ، وإما أن تكون مضافة إلى مستقبل . فالمنجزة : هي الصيغة التي ليست معلقة على شرط ، ولا مضافة إلى زمن مستقبل ، بل قصد بها من أصدرها وقوع الطلاق في الحال ، كأن يقول الزوج لزوجته : أنت طالق . وحكم هذا الطلاق ، أنه يقع في الحال متى صدر من أهله ، وصادف محلا له . وأما المعلق : وهو ما جعل الزوج فيه حصول الطلاق معلقا على شرط ، مثل أن يقول الزوج لزوجته : إن ذهبت إلى مكان كذا ، فأنت طالق . ويشترط في صحة التعليق ،

ووقوع الطالق به ثلاثة شروط : ( الاول ) أن يكون على أمر معدوم ، ويمكن أن يوجد بعد ، فإن كان على أمر موجود فعلا ، حين صدور الصيغة مثل أن يقول : إن طلع النهار فأنت طالق ، والواقع أن النهار قد طلع فعلا - كان ذلك تنجيزا وإن جاء في صورة التعليق . فإن كان تعليقا على أمر مستحيل كان لغوا ، مثل إن دخل الجمل في سم الخياط فأنت طالق . ( الثاني ) أن تكون المرأة حين صدور العقد محلا للطلاق بأن تكون في عصمته . ( الثالث ) أن تكون كذلك حين حصول المعلق عليه .

والتعليق قسمان : ( القسم الاول ) يقصد به ما يقصد من القسم للحمل على الفعل أو الترك أو تأكيد الخبر ، ويسمى التعليق القسمي ، مثل أن يقول لزوجته : إن خرجت فأنت طالق ، مريدا بذلك منعها من الخروج إذا خرجت ، لا إيقاع الطلاق . ( القسم الثاني ) ويكون القصد منه إيقاع الطلاق عند حصول الشرط . ويسمى التعليق الشرطي ، مثل أن يقول لزوجته : ( إن أبرأتني من مؤخر صداقك فأنت طالق ) . وهذا التعليق بنوعيه واقع عند جمهور العلماء . ويرى ابن حزم أنه غير واقع . وفصل ابن تيمية وابن القيم ، فقالا : إن الطلاق المعلق الذي فيه معنى اليمين غير واقع . وتجب فيه كفارة اليمين إذا حصل المحلوف عليه . وهي إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام . وقالا في الطلاق الشرطي : إنه واقع عند حصول المعلق عليه . قال ابن تيمية : والالفاظ التي يتكلم بها الناس في الطلاق ثلاثة أنواع : ( الاول ) صيغة التنجيز والارسال ، كقوله : أنت طالق فهذا يقع به الطلاق ، وليس بحلف ، ولا كفارة فيه اتفاقا . ( الثاني ) صيغة تعليق ، كقوله : الطلاق يلزمني لافعلن هذا ، فهذا يمين باتفاق أهل اللغة ، واتفاق طوائف العلماء ، واتفاق العامة . ( الثالث ) صيغة تعليق كقوله : إن فعلت كذا فامرأتي طالق ، فهذا إن قصد به اليمين ، وهو يكره وقوع الطلاق كما يكره الانتقال عن دينه فهو يمين ، حكمه حكم الاول ، الذي هو صيغة القسم باتفاق الفقهاء . وإن كان يريد وقوع الجزاء عند الشرط لم يكن حالفا ، كقوله : إن أعطيتني ألفا فأنت طالق ، وإذا زنيت فأنت طالق ، وقصد إيقاع الطلاق عند وقوع الفاحشة ، لا مجرد الحلف عليها ، فهذا ليس بيمين ، ولا كفارة في هذا عند أحد من الفقهاء فيما علمناه ، بل يقع به الطلاق . إذا وجد الشرط .

وأما ما يقصد به الحض ، أو المنع ، أو التصديق ، أو التكذيب ، بالتزامه عند المخالفة ما يكره وقوعه ، سواء كان بصيغة القسم ، أو الجزاء ، فهو يمين عند جميع الخق من العرب وغيرهم .

وإن كان يمينا فليس لليمين إلا حكمان : إما أن تكون منعقدة فتكفر ، وإما أن لا تكون منعقدة ، كالحلف بالمخلوقات فلا تكفر ، وأما أن تكون يمينا منعقدة محترمة غير مكفرة ، فهذا حكم ليس في كتاب الله ، ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يقوم عليه دليل . ما عليه العمل الان : وما جرى عليه العمل الان في الطلاق المعلق هو ما تضمنته المادة الثانية من القانون رقم 25 لسنة 1929 ونصها : ( لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شئ أو تركه لا غير ) . وجاء في المذكرة الايضاحية لهذا المادة : " إن المشرع أخذ في إلغاء اليمين بالطلاق برأي بعض علماء الحنفية والمالكية والشافعية ، وإنه أخذ في إلغاء المعلق الذي في معنى اليمين برأي علي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ، وشريح القاضي ، وداود الظاهري وأصحابه " .

وأما الصيغة المضافة إلى مستقبل : فهي ما اقترنت بزمن ، بقصد وقوع الطلاق فيه ، متى جاء ، مثل أن يقول الزوج لزوجته : أنت طالق غدا ، أو إلى رأس السنة ، فإن الطلاق يقع في الغد أو عند رأس السنة إذا كانت المرأة في مكله عند حلول الوقت الذي أضاف الطلاق إليه . وإذا قال لزوجته : أنت طالق إلى سنة . قال أبو حنيفة ومالك : تطلق في الحال . وقال الشافعي ، وأحمد : لا يقع الطلاق حتى تنسلخ السنة . وقال ابن حزم : من قال : إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق . أو ذكر وقتا فلا تكون طالقا بذلك . لا الان . ولا إذا جاء رأس الشهر . برهان ذلك : أنه لم يأت قرآن ولا سنة بوقوع الطارى بذلك ، وقد علمنا الله الطلاق على المدخول بها ، وفي غير المدخول بها ، وليس هذا فيما علمنا . " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " . وأيضا ، فإن كان كل طلاق لا يقع حين إيقاعه ، فمن المحال أن يقع بعد ذلك في حين لم يوقعه فيه . الطلاق السني والبدعي ينقسم الطلاق إلى طلاق سي ، وطلاق بدعي .

طلاق السنة : فطلاق السنة : هو الواقع على الوجه الذي ندب إليه الشرع ، وهو أن يطلق الزوج المدخول بها طلقة واحدة ، في طهر لم يمسسها فيه ، لقول الله تعالى : " الطلاق مرتان ، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " أي أن الطلاق المشروع يكون مرة يعقبها رجعة ، ثم مرة ثانية يعقبها رجعة كذلك ، ثم إن المطلق بعد ذلك له الخيار ، بين أن يمسكها بمعروف ، أو يفارقها بإحسان . ويقول الله تعالى : " يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن " . أي إذا أردتم تطليق النساء ، فطلقوهن مستقبلات العدة ، وإنما تستقبل المطلقة العدة إذا طلقها بعد أن تطهر من حيض ، أو نفاس ، وقبل أن يمسها . وحكمة ذلك أن المرأة إذا طلقت وهي حائض لم تكن في هذا الوقت مستقبلة العدة ، فتطول عليها العدة . لان بقية الحيض لا يحسب منها وفيه إضرار بها . وإن طلقت في طهر مسها فيه ، فإنها لا تعرف هل حملت أو لم تحمل ، فلا تدري بم تعتد ، أتعتد بالاقراء أم بوضع الحمل ؟ وعن نافع بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه : " أنه طلق امرأته وهي حائض ، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم . " مره فليراجعها ، ثم ليمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك ، وإن شاء طلق قبل أن يمس ، فتلك العدة التي أمر الله سبحانه أن تطلق لها النساء " . وفي رواية : أن ابن عمر رضي الله عنه ، طلق امرأة له ، وهي حائض ، تطليقة ، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم . فقال : " مره فليراجعها ، ثم ليطلقها إذا طهرت ، أو وهي حامل " . أخرجه النسائي ومسلم وابن ماجه وأبو داود . وظاهر هذه الرواية أن الطلاق في الطهر الذي يعقب الحيضة التي وقع فيها الطلاق يكون طلاق سنة ، لا بدعة . وهذا مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد ، وأحد الوجهين عن الشافعي ، واستدلوا بظاهر الحديث وبأن المنع إنما كان لاجل الحيض ، فإذا طهرت زال موجب التحريم . فجاز الطلاق في ذلك الطهر كما يجوز في غيره من الاطهار . ولكن الرواية الاولى التي فيها " ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر " متضمنة لزيادة يجب العمل بها قال صاحب الروضة الندية : " وهي أيضا في الصحيحين " . فكانت أرجح من وجهين . وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه . والشافعي في الوجه الاخر ، وأبي يوسف ومحمد .

الطلاق البدعي : أما الطلاق البدعي ، فهو الطلاق المخالف للمشروع : كأن يطلقها ثلاثا بكلمة واحدة ، أو يطلقها ثلاثا متفرقات في مجلس واحد ، كأن يقول : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق . أو يطلقها في حيض أو نفاس ، أو في طهر جامعها فيه .

وأجمع العلماء على أن الطلاق البدعي حرام ، وأن فاعله آثم . وذهب جمهور العلماء إلى أنه يقع ، واستدلوا بالادلة الاتية : 1 - أن الطلاق البدعي ، مندرج تحت الايات العامة . 2 - تصريح ابن عمر رضي الله عنه ، لما طلق امرأته وهي حائض ، وأمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم بمراجعتها ، بأنها حسبت تلك الطلقة . وذهب بعض العلماء ( 1 ) إلى أن الطلق البدعي لا يقع ( 2 ) . ومنعوا اندراجه تحت العمومات ، لانه ليس من الطلاق الذي أذن الله به ، بل هو من الطلاق الذي أمر الله بخلافه . فقال : " فطلقوهن لعدتهن " . وقال صلى الله عليه وسلم لابن عمر رضي الله عنه : " مره فليراجعها " وصح أنه غضب عندما بلغه ذلك ، وهو لا يغضب مما أحله الله . وأما قول ابن عمر : إنها حسبت ، فلم يبين من الحاسب لها ، بل أخرج عند أحمد وأبو داود والنسائي : " أنه طلق امرأته وهي حائض . فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يرها شيئا . " وإسناد هذه الرواية صحيح ، ولم يأت من تكلم عليها بطائل . وهي مصرحة بأن الذي لم يرها شيئا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلا يعارضها قول ابن عمر رضي الله عنه . لان الحجة في روايته لا في رأيه . وأما الرواية بلفظ " مره فليراجعها " ويعتد بتطليقة . فهذه لو صحت لكانت حجة ظاهرة ولكنها لم تصح كما جزم به ابن القيم في الهدي . وقد روى في ذلك روايات في أسانيدها مجاهيل وكذابون ، لا تثبت الحجة بشئ منها . والحاصل : ان الاتفاق كائن على أن الطلاق المخالف لطلاق السنة يقال له : طلاق بدعة . وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم : " أن كل بدعة ضلالة " .

( هامش ) ( 1 ) منهم ابن علية ، من السلف . وابن تيمية وابن حزم وابن القيم . ( 2 ) هذا ملخص ما قاله صاحب الروضة الندبة ج 7 ص 49 .

ولا خلاف أيضا ، أن هذا الطلاق مخالف لما شرعه الله في كتابه ، وبيسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر - وما خالف ما شرعه الله ورسوله ، فهو رد ، لحديث عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " هو حديث متفق عليه . فمن زعم أن هذه البدعة ، يلزم حكمها ، وأن هذا الامر الذي ليس من أمره صلى الله عليه وسلم ، يقع من فاعله ومقيد به ، لا يقبل منه ذلك إلا بدليل . من ذهب إلى أن طلاق البدعة لا يقع : وذهب إلى هذا : 1 - عبد الله بن معمر . 2 - سعيد بن المسيب . 3 - طاووس : من أصحاب ابن عباس . وبه قال خلاس بن عمرو ، وأبو قلابة من التابعين . وهو اختيار الامام ابن عقيل من أئمة الحنابلة وأئمة آل البيت . والظاهرية وأحد الوجهين في مذهب الامام أحمد ، واختاره ابن تيمية . طلاق الحامل : يجوز طلاق الحامل في أي وقت شاء . لما أخرجه مسلم ، والنسائي ، وأبو داود ، وابن ماجه : أن ابن عمر طلق امرأة له وهي حائض تطليقة ، فذكر ذلك عمر للنبي ، صلى الله عليه وسلم : فقال : " مره فليراجعها ، ثم ليطلقها إذا طهرت ، أو وهي حامل " . وإلى هذا ذهب العلماء . إلا أن الاحناف اختلفوا فيها : فقال أبو حنيفة وأبو يوسف : يجعل بين وقوع التطليقتين شهرا حتى يستوفي الطلقات الثلاث . وقال محمد وزفر : لا يوقع عليها وهي حامل أكثر من تطليقة واحدة ويتركها حتى تضع حملها : ثم يوقع سائر التطليقات ( 1 ) .

طلاق الايسة ، والصغيرة والمنقطعة الحيض : طلاق هؤلاء إنما يكون للسنة إذا كان طلاق واحدا ، ولا يشترط له شرط آخر ، غير ذلك . عدد الطلقات وإذا دخل الزوج بزوجته ملك عليها ثلاث طلقات . واتفق العلماء على انه على الزوج أن يطلقها ثلاثا بلفظ واحد . أو بألفاظ متتابعة في طهر واحد . وعللوا ذلك بأنه إذا أوقع الطلقات الثلاث ، فقد سد باب التلافي والتدارك عند الندم ، وعارض الشارع ، لانه جعل الطلاق متعددا لمعنى التدارك عند الندم ، وفلا عن ذلك ، فإن المطلق ثلاثا قد أضر بالمرأة من حيث أبطل محليتها بطلاقه هذا . وقد روى النسائي من حديث محمود بن لبيد قال : " أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته بثلاث تطليقات جميعا ، فقام غضبان . فقال : أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ، حتى قام رجل فقال : يا رسول الله : أفلا أقتلة " . قال ابن القيم في إغاثة اللهفان : ( فجعله لاعبا بكتاب الله ) لكونه خالف وجه الطلاق وأراد به غير ما أراد الله به ، فإنه تعالى أراد أن يطلق طلاقا يملك فيه رد المرأة إذا شاء ، فطلق طلاقا يريد به ألا يملك فيه ردها . وأيضا فإن إيقاع الثلاث دفعة مخالف لقول الله تعالى : ( الطلاق مرتان ) . والمرتان والمرات في لغة القرآن والسنة ، بل ولغة العرب ، بل ولغة سائر الامم ، لما كان مرة بعد مرة . فإذا جمع المرتين والمرات في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله تعالى ، وما دل عليه كتابه . فكيف إذا أراد باللفظ الذي رتب عليه الشارع حكما ضد ما قصده الشارع ؟ . ا ه‍ . وإذا كانوا قد اتفقوا على الحرمة ، فإنهم اختلفوا فيما إذا طلقها ثلاثا بلفظ واحد . هل يقع أم لا ؟ . وإذا كان يقع فهل يقع واحدة أم ثلاثا ؟ . فذهب جمهور العلماء إلى أنه يقع ( 1 ) . ويرى بعضهم عدم وقوعه ، والذين رأوا وقوعه ، اختلفوا : فقال بعضهم : إنه يقع ثلاثا . وقال بعضهم : يقع واحدة فقط . وفرق بعضهم فقال : إن كانت المطلقة مدخولا بها وقع الثلاث ، وإن لم تكن مدخولا بها فواحدة . استدل القائلون بأنه يقع ثلاثا بالادلة الاتية : 1 - قول الله تعالى : " فإن طلقها ، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " . 2 - قول الله تعالى : " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة . " 3 - وقول الله تعالى : " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء . " فظواهر هذه الايات تبين صحة إيقاع الواحدة والثنتين والثلاث . لانها لم تفرق بين إيقاعه واحدة أو ثنتين ، أو ثلاثا . 4 - وقول الله تعالى : " الطلاق مرتان ، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " . فظاهر هذه الاية جواز إطلاق الثلاث ، أو الثنتين دفعة أن مفرقة ، ووقوعه . 5 - حديث سهل بن سعد ، قال : ( لما لا عن أخو بني عجلان امرأته ، قال : يا رسول الله ظلمتها إلى أمسكتها : هي الطلاق ، هي الطلاق ، هي الطلاق ) . رواه أحمد . 6 - وعن الحسن قال : حدثنا عبد الله بن عمر ، أنه طلق امرأته تطليقة ، وهي حائض ، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند القرأين فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال يا ابن عمر :

( 1 ) وإذا قال للمدخول بها : أنت طالق . أنت طالق . أنت طالق ، فهي واحدة إن نوى التكرار أو لم ينو شيئا ، وهي ثلاث إن نوى الثلاث وأن كل واحدة غير الاخرى ، وهذا عند من يرى أنه واقع . وتقدم الخلاف في ذلك

ما هكذا أمرك الله تعالى ! . إنك قد أخطأت السنة . والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء . وقال : فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فراجعتها . ثم قال : إذا هي طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك . فقلت يا رسول الله : ارئيت لو طلقتها ثلاثا ، أكان يحل لي أن أراجعها ؟ . قال : لا . كانت تبين منك ( وتكون مقصية ) . رواه الدارقطني . 7 - وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عبادة بن الصامت ، قال : طلق جدي امرأة له ألف تطليقة ، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك ، فقال له النبي : " ما اتقى الله جدك ، أما ثلاث فله . وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم . إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له " وفي رواية : " إن أباك لم يتق الله فيجعل له مخرجا . بانت منه بثلاث على غير السنة ، وتسعمائة وسبع وتسعون ، إثم في عنقه " . 8 - وفي حديث ركانة : أن النبي صلى الله عليه وسلم استحلفه أنه ما أراد إلا واحدة : وذلك يدل على أنه لو أراد الثلاث لوقع . وهذا مذهب جمهور التابعين وكثير من الصحابة ، وأئمة المذاهب الاربعة . أما الذين قالوا بأنه يقع واحدة : فقد استدلوا بالادلة الاتية : ( أولا ) ما رواه مسلم : أن أبا الصهباء قال لان عباس : ( ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر ، وصدرا من خلافة عمر ؟ قال : نعم ) . وروي عنه أيضا قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر ، وسنتين من خلافة عمر ، طلاق الثلاث واحدة . فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ( 1 ) . فلو أمضيناه عليهم ؟ فأمضاه عليهم . أي أنهم كانوا يوقعون طلقة بدل إيقاع الناس الان ثلاث تطليقات . ( ثانيا ) عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( طلق ركانة امرأته ثلاثا في مجلس واحد . فحزن عليها حزنا شديدا . فسأله رسول الله صلى

( هامش ) ( 1 ) أناة : مهلة وبقية استمتاع لانتظار المراجعة .

الله عليه وسلم ، كيف طلقتها ؟ قال : ثلاثا . فقال : في مجلس واحد ؟ قال : نعم . قال : فإنما تلك واحدة . فأرجعها إن شئت . فراجعها ) . رواه أحمد وأبو داود . وقال ابن تيمية ج‍ 3 ص 22 فتاوى : وليس في الادلة الشرعية " الكتاب ، والسنة ، والاجماع ، والقياس " ما يوجب لزوم الثلاثة له ، ونكاحه ثابت بيقين ، وامرأته محرمة على الغير بيقين ، وفي إلزامه بالثلاث إباحتها للغير مع تحريمها عليه ، وذريعة إلى نكاح التحليل الذي حرمه الله ورسوله ، ونكاح التحليل لم يكن ظاهرا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلفائه ، ولم ينقل قط أن امرأة أعيدت بعد الطلقة الثالثة على عهدهم إلى زوجها بنكاح تحليل . بل لعن النبي صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له . إلى أن قال : وبالجملة فما شرعة النبي صلى الله عليه وسلم لامته شرعا لازم ، لا يمكن تغييره ، فإنه لا يمكن نسخ بعد رسول الله . وقال تلميذه ابن القيم : قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن الثلاث كانت واحدة في عهده ، وعهد أبي بكر رضي الله عنه ، وصدرا من خلافة عمر رضي الله عنه ، وغاية ما يقدر مع بعده أن الصحابة كانوا على ذلك ، ولم يبلغه ، وهذا وإن كان كالمستحيل ، فإنه يدل على أنهم كانوا يفتون في حياته وحياة الصديق بذلك ، وقد أفتى هو صلى الله عليه وسلم . فهذه فتواه وعمل أصحابه كأنه أخذ باليد ، ولا معارض لذلك . ورأى عمر رضي الله تعالى عنه ، أن يحمل الناس على إنفاذ الثلاث عقوبة وزجرا لهم - لئلا يرسلوها جملة - وهذا اجتهاد منه رضي الله عنه . غايته أن يكون سائغا لمصلحة رآها . ولا يجوز ترك ما أفتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عليه أصحابه في عهده وعهد خليفته . فإذا ظهرت الحقائق . فليقل أمرؤ ما شاء . وبالله التوفيق . وقال الشوكاني : وقد حكى ذلك صاحب البحر عن أبي موسى ، ورواية عن علي عليه السلام ، وابن عباس ، وطاووس ، وعطاء ، وجابر ، وابن زيد ، والهادي ، والقاسم ، والباقر ، وأحمد بن عيسى ، وعبد الله بن موسى بن عبد الله ، ورواية عن زيد بن علي . وإليه ذهب جماعة من المتأخرين . منهم : ابن تيمية ، وابن القيم ، وجماعة من المحققين ، وقد نقله ابن مغيث في كتاب الوثائق عن محمد بن وضاح ، ونقل الفتوى بذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن بقي ومحمد بن عبد السلام وغيرهما . ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عيسى . كعطاء ، وطاووس ، وعمر ، وابن دينار ، وحكاه ابن مغيث أيضا في ذلك الكتاب عن علي رضي الله عنه ، وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير . وهذا هو المذهب الذي جرى عليه العمل أخيرا في المحاكم . فقد جاء في المادة 3 من القانون رقم 25 لسنة 1929 ما يلي : ( الطلاق المقترن بعدد - لفظا ، أو إشارة - لا يقع واحدة ) . ( 1 ) أما حجة القائلين بعدم وقوع الطلاق مطلقا : أنه طلاق بدعي ، والطلاق البدعي لا يقع عند هؤلاء ، ويعتبر لغوا . وهذا المذهب يحكى عن بعض التابعين . وهو مروي عن ابن علية ، وهشام ابن الحكم ، وبه قال أبو عبيدة ، وبعض أهل الظاهر ، وهو مذهب الباقر ، والصادق ، والناصر ، وسائر من يقول بأن الطلاق البدعي لا يقع . لان الثلاث بلفظ واحد أو ألفاظ متتابعة من جملته . وأما الذين فرقوا بين المطلقة المدخول بها وغير المدخول بها فهم جماعة من أصحاب ابن عباس وإسحاق بن راهويه . طلاق البتة قال الترمذي : وقد اختلف أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم في طلاق ألبتة ، فروي عن عمر بن الخطاب : أنه جعل ألبتة واحدة . وروي عن علي : أنه جعلها ثلاثا ، وقال بعض أهل العلم : فيه نية الرجل . إن نوى واحدة فواحدة ، وإن نوى ثلاثا فثلاث . وإن نوى

( هامش ) ( 1 ) وجاء في المذكرة التفسيرية للمشروع : أن الداعي لاختيار القول بالوقوع واحدة الحرص على سعادة الاسرة ، والاخذ بالناس عن مسألة المحلل التي صارت وصمة في جبين الشريعة المطهرة مع أن الدين براء منها . فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ، وكذلك الاخذ بهم من طرق الحيل التي يتلمسونها للتخلص من الطلاق الثلاث وما هي بمنطبقة على أصول الدين .

ثنتين لم تكن إلا واحدة . وهو قول الثوري وأهل الكوفة . وقال مالك بن أنس : في البتة إن كان قد دخل بها فهي ثلاث تطليقات . وقال الشافعي : إن نوى واحدة فواحدة يملك الرجعة . وإن نوى ثنتين فثنتان . وإن نوى ثلاثا فثلاث . الطلاق الرجعي والبائن الطلاق إما رجعي وإما بائن ، والبائن إما أن يكون بائنا بينونة صغرى ، أو بينونة كبرى . ولكل أحكام تخصه نذكرها فيما يلي :

الطلاق الرجعي : هو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقة ، إيقاعا مجردا عن أن يكون في مقابلة مال ، ولم يكن مسبوقا بطلة أصلا ، أو كان مسبوقا بطلقة واحدة . ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطلاق صريحا أو كناية . فإذا لم يكن الزوج دخل بزوجته دخولا حقيقيا ، أو طلقها على مال ، أو كان الطلاق مكملا للثلاث ، كان الطلاق بائنا . جاء في المادة ( 5 ) من القانون رقم 25 لسنة 1929 . ( كل طلاق يقع رجعيا إلا المكمل للثلاث ، والطلاق قبل الدخول . والطلاق على مال ، وما نص على كونه بائنا في هذا القانون ، والقانون نمرة 24 لسنة 1920 م ) . والطلاق الذي نص على أن يكون بائنا في هذين القانونين هو ما كان بسبب العيب في الزوج ، أو لغيبته ، أو حبسه أو للضرر . والاصل في ذلك قول الله سبحانه : " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " ( 1 ) .

أي أن الطلاق الذي شرعه الله يكون مرة بعد مرة . وأنه يجوز للزوج أن يمسك زوجته بعد الطلقة الاولى بالمعروف ، كما يجوز له ذلك بعد الطلقة الثانية ، والامساك بالمعروف معناه مراجعتها ، وردها إلى النكاح ومعاشرتها بالحسنى ولا يكون له هذا الحق إلا إذا كان الطلاق رجعيا . ويقول الله سبحانه . " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الاخر ، وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ( 1 ) " . وفي الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعمر : مره فليراجعها . . . متفق عليه . أما استثناء الحالات الثلاث من الطلاق الرجعي فثابت بالقرآن الكريم كما هو مبين فيما يلي : فالطلاق المكمل للثلاث يبين المرأة ويحرمها على الزوج ، ولا يحل له مراجعتها حتى تنكح زوجا آخر ، نكاحا لا يقصد به التحليل ( 2 ) . قال الله تعالى : " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " . أي فإن طلقها الطلقة الثالثة بعد طلقتين فلا تحل له من بعد الطلاق المكمل للثلاث حتى تتزوج غيره زواجا صحيحا . والطلاق قبل الدخول يبينها كذلك . لان المطلقة في هذه الحالات لا عدة عليها . والمراجعة إنما تكون في العدة . وحيث انتفت العدة انتفت المراجعة . قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها . فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا " ( 3 ) . والمطلقة قبل الدخول ، وبعد الخلوة ، بائنة . ووجوب العدة عليها نوع من الاحتياط لا لاجل المراجعة . والطلاق على مال من أجل أن تفتدي المرأة نفسها وتخلص من الزوج

( هامش ) ( 1 ) سورة البقرة آية 227 - أحق بردهن : أي أحق برجعتهن . ( 2 ) انظر فصل التحليل في أول هذا المجلد . ( 3 ) الاحزاب آية 49 .

بائن ، لانها أعطت المال نظير عوض ، وهو خلاص عصمتها ، ولايكون الخلاص إلا إذا كان الطلاق بائنا ، قال الله تعالى : " فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ( 1 ) . "

حكم الطلاق الرجعي : الطلاق الرجعي لايمنع الاستمتاع بالزوجة لانه لا يرفع عقد الزواج ، ولا يزيل الملك ، ولا يؤثر في الحل ، فهو وإن انعقد سببا للفرقة ، إلا أنه لا يترتب عليه أثره ما دامت المطلقة في العدة . وإنما يظهر أثره بعد انقضاء العدة دون مراجعة . فإذا انقضت العدة ولم يراجعها ، بانت منه ، وإذا كان ذلك كذلك ، فإن الطلاق الرجعي لايمنع من الاستمتاع بالزوجة ، وإذا مات أحدهما ورثه الآخر ما دامت العدة لم تنقض وانفقتها واجبة عليه ، ويلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه . ولا يحل بالطلاق الرجعي المؤجل من المهر لاحد الاجلين : الموت أو الطلاق . وإنما يحل مؤخر الصداق بانقضاء العدة . والرجعة حق للزوج مدة العدة . وهو حق أثبته الشارع له ، ولهذا لا يملك إسقاطه . فلو قال : لا رجعة لي كان له حق الرجوع عنه ، وحق مراجعتها ، يقول الله تعالى : " وبعولتهن أحق بردهن في ذلك " ( 2 ) . وإذا كانت الرجعة حقا له فلا يشترط رضا الزوجة ولاعلمها ، ولا تحتاج إلى ولي ، فجعل الحق للازواج لقول الله : " وبعولتهن أحق بردهن " كما لا يشترط الاشهاد عليها . وإن كان ذلك مستحبا ، خشية إنكار الزوجة فيما بعد ، أنه راجعها ، لقوله تعالى : " وأشهدوا ذوي عدل منكم " . وتصح المراجعة بالقول . مثل أن يقول : راجعتك ، وبالفعل ، مثل الجماع ، ودواعيه ، مثل القبلة ، والمباشرة بشهوة . يرى الشافعي أن المراجعة لا تكون إلا بالقول الصريح للقادر عليه ، ولا

( هامش ) ( 1 ) البقرة آية 229 . ( 2 ) أي أن أزواجهن أحق بارجاعهن إلى عصمتهن في وقت التربص وانتظار انقضاء العدة " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " .

تصح بالوطء ودواعيه من القبلة والمباشرة بشهوة . وحجة الشافعي ، أن الطلاق يزيل النكاح . وقال ابن حزم رضي الله عنه : فإن وطتها لم يكن بذلك مراجعا لها حتى يلفظ بالرجعة ويشهد ، ويعلمها بذلك ، قبل تمام عدتها . فإن راجع ولم يشهد . فليس مراجعا لقول الله تعالى : " فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ، وأشهدوا ذوي عدل منكم ( 1 ) " . فرق عزوجل بين المراجعة . والطلاق ، والاشهاد . فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض . وكأن من طلق ولم يشهد بذوي عدل . أو راجع ولم يشهد بذوي عدل متعديا لحدود الله تعالى . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهورد " انتهى . وأخرج أبو داود وابن ماجه والبيهقي ، والطبراني عن عمران بن حصين : " أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ، ولم يشهد على طلاقها ، ولا على رجعتها فقال : طلقت لغير سنة . وراجعت لغير سنة ، أشهد على طلاقها . وعلى رجعتها . ولا تعد " . حجة الشافعي أن الطلاق يزيل النكاح : قال الشوكاني : والظاهر ما ذهب إليه الاولون ، لان العدة مدة خيار ، والاختيار يصح بالقول وبالفعل ، وأيضا ظاهر قوله تعالى : وبعولتهن أحق بردهن " . وقوله صلى الله عليه وسلم " مره فليراجعها " أنها تجوز المراجعة بالفعل لانه لم يخص قولا من فعل ، ومن ادعى الاختصاص فعليه الدليل ( 2 ) .

ما يجوز للزوج أن يطلع عليه من المطلقة الرجعية : قال أبو حنيفة : لا بأس أن تتزين المطلقة الرجعية لزوجها وتتطيب له وتتشوف وتلبس الحلي وتبدي البنان والكحل ولا يدخل عليها إلا أن تعلم بدخوله بقول أو حركة من تنحنح أو خفق نعل . وقال الشافعي : هي محرمة على مطلقها تحريما مبتوتا . وقال مالك : لا يخلو معها ولا يدخل عليها إلا بإذنها ، ولا ينظر إلى شعرها ، ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معها غيرها . وحكى ابن القاسم أنه رجع عن إباحة الاكل معها . الطلاق الرجعي ينقص عدد الطلقات : والطلاق الرجعي ينقص عدد الطلقات التي يملكها الرجل على زوجته . فإن كانت الطلقة الاولى احتسبت وبقيت له طلقتان . وإن كانت الثانية احتسبت وبقيت له طلقة واحدة ، ومراجعتها لا تمحو هذا الاثر ، بل لو تركت حتى انقضت عدتها من غير مراجعة ، وتزوجت زوجا آخر ثم عادت إلى زوجها الاول عادت إليه بما بقي من عدد الطلقات ، ولا يهدم الزوج الثاني ما وقع من الطلاق ( 1 ) ، لما روي أن عمر رضي الله عنه سئل عمن طلق امرأته طلقتين وانقضت عدتها فتزوجت غيره وفارقها ثم تزوجها الاول . فقال : هي عنده بما بقي من الطلاق ، وهذا مروي عن علي وزيد ومعاذ ، وعبد الله بن عمرو ، وسعيد بن المسيب ، والحسن البصري رضي الله عنهم .

الطلاق البائن : تقدم القول بأن الطلاق البائن هو الطلاق المكمل للثلاث والطلاق قبل الدخول ، والطلاق على مال . قال ابن رشد في بداية المجتهد : وأما الطلاق البائن فإنهم اتفقوا على أن البينونة إنما توجد للطلاق من قبل عدم الدخول - ومن قبل عدد التطليقات - ومن قبل العوض في الخلع ، على اختلاف فيما بينهم في الخلع ، أهو طلاق أم فسخ ، واتفقوا على أن العدد الذي يوجب البينونة في طلاق الحر ثلاث تطليقات . إذا وقعن مفترقات لقوله تعالى : ( الطلاق مرتان : الآية ) . واختلفوا إذا وقعت الثلاث في اللفظ دون الفعل بكلمة واحدة ( 2 ) . اه‍ . (ويرى ابن حزم : أن الطلاق البائن : هو الطلاق المكمل للثلاث ، أو الطلاق قبل الدخول لاغير ، قال : وما وجدنا ، قط ، في دين الاسلام عن الله تعالى ولاعن رسوله صلى الله عليه وسلم طلاقا بائنا لا رجعة فيه إلا الثلاث مجموعة ، أو مفرقة ، أو التي لم يطأها ، ولا مزيد ، وأما ما عدا ذلك فآراء لاحجة فيها . اه‍ ( 1 ) وأضافت قوانين الاحوال الشخصية ، أن مما يلحق الطلاق البائن : الطلاق بسبب عيب الزوج ، أو بسبب غيبته ، أو حبسه أو للضرر . أقسامه : وهو ينقسم إلى بائن بينونة صغرى : وهو ماكان بما دون الثلاث ، وبائن بينونة كبرى : وهوالمكمل للثلاث .

حكم البائن بينونة صغرى : الطلاق البائن بينونة صغرى يزيل قيد الزوجية بمجرد صدوره ، وإذا كان مزيلا للرابطة الزوجية فإن المطلقة تصير أجنبية عن زوجها . فلا يحل له الاستمتاع بها ، ولا يرث أحدهما الآخر إذا مات قبل انتهاء العدة أو بعدها ، ويحل بالطلاق البائن موعد مؤخر الصداق المؤجل إلى أبعد الاجلين الموت أو الطلاق . وللزوج أن يعيد المطلقة طلاقا بائنا بينونة صغرى إلى عصمته بعقد ومهر جديدين ، دون أن تتزوج زوجا آخر ، وإذا أعادها عادت إليه بما بقي له من الطقات ، فإذا كان طلقها واحدة من قبل فإنه يملك عليها طلقتين بعد العودة إلى عصمته ، وإذا كان طلقتها طلقتين لا يملك عليها إلا طلقة واحدة .

حكم الطلاق البائن بينونة كبرى : الطلاق البائن بينونة كبرى يزيل قيد الزوجية مثل البائن بينونة صغرى ، ويأخذ جميع أحكامه ، إلا أنه لا يحل للرجل أن يعيد من أبانها بينونة كبرى إلى عصمته إلابعد أن تنكح زوجا آخر نكاحا صحيحا . ويدخل بها دون إرادة التحليل . يقول الله تعالى : " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " . أي فإن طلقها الطلقة الثالثة ، فلا تحل لزوجها الاول إلا بعد أن تتزوج آخر . لقول رسول الله لامرأة رفاعة : " لا . حتى تذوقي ( 1 ) عسيلته ويذوق عسيلتك " ( 2 ) مسألة الهدم : من المتفق عليه أن المبانة بينونة كبرى إذا تزوجت ، ثم طلقت وعادت إلى زوجها الاول بعد انقضاء عدتها تعود إليه بحل جديد ، ويملك عليها ثلاث طلقات ، لان الزوج الثاني أنهى الحل الاول . فإذا عادت بعقد جديد أنشأ هذا العقد حلا جديدا . أما المبانة بينونة صغرى إذا تزوجت بآخر بعد انقضاء عدتها ثم طلقت منه ، ورجعت إلى زوجها الاول ، تكون مثل المبانة بينونة كبرى فتعود إليه بحل جديد ويملك عليها ثلاث طلقات . عند أبي حنيفة ، وأبو يوسف . وقال محمد ( 3 ) تعود إليه بما بقي من عدد الطلقات ، فتكون مثل ما إذا طلقها طلاقا رجعيا أو عقد عليها عقدا جديدا بعد أن بانت منه بينونة صغرى . وسميت هذه المسألة بمسألة الهدم : أي هل الزوج الثاني يهدم ما دون الثلاث من الطلاقات . كما يهدم الثلاث أو لا يهدم . ؟ !

طلاق المريض مرض الموت لم يثبت في الكتاب ولا في السنة الصريحة حكم الطلاق المريض مرض الموت . إلا أنه قد ثبت عن الصحابة أن سيدنا عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته " تماضر " طلاقا مكملا للثلاث في مرضه الذي مات فيه ، فحكم لها سيدنا عثمان بميراثها منه ، وقال : " ما اتهمته - أي بأنه لم يتهمه بالفرار من

( هامش ) ( 1 ) أي لا تعودي إلى زوجك الاول حتى يصيبك فتاوقي عسيلته ويذوق عسيلتك . ( 2 ) رواه البخاري ومسلم . ( 3 ) ورأيه مرجوح في المذهب .

حقها في الميراث - ولكن أردت السنة " . ولهذا ورد أن ابن عوف نفسه قال : " ما طلقتها ضرارا ولا فرارا " . يعني أنه لا ينكر ميراثها منه . وكذلك حدث أن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه طلق امرأته " أم البنين " بنت عيينة بن حصن الفزاري وهو محاصر في داره ، فلما قتل جاءت إلى سيدنا علي وأخبرته بذلك . فقضى لها بميراثها منه . قال : " تركها حتى إذا أشرف على الموت فارقها ! " . وعلى ذلك اختلف الفقهاء في طلاق المريض مرض الموت . فقالت الاحناف : إذا طلق المريض امرأته طلاقا بائنا فمات من هذا المرض ورثته . . . وإن مات بعد انقضاء العدة فلا ميراث لها . وكذلك الحكم فيما إذا بارز رجلا أو قدم ليقتل في قصاص أو رجم ، إن مات في ذلك الوجه أو قتل . وإن طلقها ثلاثا بأمرها أو قال لها : اختاري ، فاختارت نفسها ، أو اختلعت منه ثم مات وهي في العدة لم ترثه . اه‍ . والفرق بين الصورتين : أن الطلاق في الصورة الاولى صدر من المريض وهو يشعر بأنه إنما طلقها ليمنعها حقها في الميراث فيعامل بنقيض قصده ، ويثبت لها حقها الذي أراد أن يمنعها منه . ولهذا يطلق على هذا الطلاق طلاق الفار . وأما الطلاق في الصورة الثانية فلا يتصور فيه الفرار ، لانها هي التي أمرت بالطلاق أو اختارته ورضيته ، وكذلك الحكم فيمن كان محصورا أو في صف القتال . فطلق امرأته طلاقا بائنا . وقال أحمد وابن أبي ليلى : لها الميراث بعد انقضاء عدتها ما لم تتزوج بغيره . وقال مالك والليث : لها الميراث ، سواء أكانت في العدة أم لم تكن ، وسواء تزوجت أم لم تتزوج . وقال الشافعي : لا ترث . قال في بداية المجتهد : وسبب الخلاف : اختلافهم في وجوب العمل بسد الذرائع ، وذلك أنه لما كان المريض يتهم في أن يكون إنما طلق في مرضه زوجته ليقطع حظها من الميراث ، فمن قال بسد الذرائع أوجب ميراثها ، ومن لم يقل بسد الذرائع ولحظ وجوب الطلاق لم يوجب لها ميراثا . وذلك أن هذه الطائفة تقول : إن كان الطلاق قد وقع فيجب أن يقع بجميع أحكامه . لانهم قالوا : إنه لا يرثها إن ماتت ، وإن كان لم يقع فالزوجية باقية بجميع أحكامها . ولابد لخصومهم من أحد الجوابين ، لانه يعسر أن يقال : إن في الشرع نوعا من الطلاق ، توجد له بعض أحكام الطلاق وبعض أحكام الزوجية . وأعسر من ذلك القول بالفرق بين أن يصح أو لا يصح : لان هذا يكون طلاقا موقوف الحكم ، إلى أن يصح أو لا يصح ، وهذا كله مما يعسر القول به في الشرع . ولكن إنما أنس القائلون به : أنه فتوى عثمان وعمر حتى زعمت المالكية أنه إجماع الصحابة . ولا معنى لقولهم ، فإن الخلاف فيه عن ابن الزبير مشهور . وأما من رأى أنها ترث في العدة . فلان العدة عنده من بعض أحكام الزوجية ، وكأنه شبهها بالمطلقة الرجعية ، وروي هذا القول عن عمر وعن عائشة . وأما من اشترط في توريثها ما لم تتزوج ، فإنه لحظ في ذلك إجماع المسلمين على أن المرأة الواحدة لا ترث من زوجين ، ولكون التهمة هي العلة عند الذين أوجبوا الميراث . قال : واختلفوا إذا طلبت هي الطلاق أو ملكها الزوج أمرها فطلقت نفسها ، فقال أبو حنيفة لا ترث أصلا . وفرق الاوزاعي بين التمليك والطلاق ، فقال : ليس لها الميراث في التمليك ، ولها في الطلاق . وسوى مالك في ذلك كله حتى قال : إن ماتت لا يرثها ، وترثه هو إن مات ، وهذا مخالف للاصول جدا . اه‍ ( 1 ) . قال ابن حزم : " طلاق المريض كطلاق الصحيح ، ولافرق . مات من ذلك المرض أو لم يمت . فإن كان طلاق المريض ثلاثا ، أو آخر ثلاث ، أو قبل أن يطأها ، فمات أو ماتت قبل تمام العدة ، أو بعدها ، أو كان طلاقا رجعيا فلم يرتجعها حتى مات أو ماتت بعد تمام العدة ، فلا نرثه في شئ من ذلك كله . ولا يرثها أصلا ، وكذلك طلاق الصحيح للمريضة ، وطلاق المريض للمريضة ، ولافرق ، وكذلك طلاق الموقوف للقتل ، والحامل المثقلة ، وهذا مكان اختلف الناس فيه ( 1 ) .

التفويض والتوكيل في الطلاق الطلاق حق من حقوق الزوج ، فله أن يطلق زوجته بنفسه ، وله أن يفوضها في تطليق نفسها ، وله أن يوكل غيره في التطليق . ولك من التفويض والتوكيل لا يسقط حقه ولا يمنعه من استعماله متى شاء ، وخالف في ذلك الظاهرية ، فقالوا : إنه لا يجوز للزوج أن يفوض زوجته تطليق نفسها ، أو يوكل غيره في تطليقها . قال ابن حزم : ومن جعل إلى امرأته أن تطلق نفسها لم يلزمه ذلك ولا تكون طالقا ، طلقت نفسها أو لم تطلق ، لان الله تعالى جعل الطلاق للرجال لا للنساء .

صيغ التفويض : وصيغ التفويض هي : 1 - اختاري نفسك . 2 - أمرك بيدك . 3 - طلقي نفسك إن شئت . وقد اختلف الفقهاء في كل صيغة من هذه الصيغ وذهبوا مذاهب متعددة نجملها فيما يلي : ( 1 ) اختاري نفسك : ذهب الفقهاء إلى وقوع الطلاق بهذه الصيغة : لان الشرع جعلها من صيغ الطلاق ، وفي ذلك يقول الله تعالى : " يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا . وإن كنتن تردن الله ورسوله والدارالآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما " ( 1 ) . ولما نزلت هذه الآية دخل الرسول صلى الله عليه وسلم على عائشة فقال لها : " إني ذاكر لك أمرا من الله على لسان رسوله ، فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك " ، قالت : وما هذا يا رسول الله ؟ فتلا عليها الآية . قالت : فيك يا رسول الله أستأمر أبوي ؟ . . . بل أريد الله ورسوله ، والدار الآخرة ، وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت . قال : لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها . إن الله لم يبعثني . . . . الخ ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثلما فعلت عائشة ، فكلهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة . روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت : " خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه . فلم يعد ذلك شيئا " . وفي لفظ لمسلم : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه فلم يكن طلاقا " . وفي هذا دلالة على أنهن لو أخترن أنفسهن : كان ذلك طلاقا . وأن هذا اللفظ يستعمل في الطلاق ( 2 ) . ولم يختلف في ذلك أحد من الفقهاء . بينما اختلفوا فيما يقع إذا اختارت المرأة نفسها : فقال بعضهم إنه يقع طلقة واحدة رجعية . وهو مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس . وهو قول عمر بن عبد العزيز ، وابن أبي ليلى ، وسفيان ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . وقال بعضهم : إذااختارت نفسها يقع واحدة بائنة ، وهو مروي عن

( هامش ) ( 1 ) سورة الاحزاب آية 29 . ( 2 ) أهل الظاهر يرون أن معنى ذلك أنهن لو اخترن أنفسهن طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا أنهن كن يطلقن بنفس اختيار الطلاق .

علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وبه قال الاحناف . وقال مالك بن أنس : إن اختارت نفسها فهي ثلاث ، وإن اختارت زوجها يكون واحدة . ويشترط الاحناف في وقوع الطلاق بهذه الصيغة ذكر النفس في كلامه أو في كلامها ، فلو قال لها : اختاري ، فقالت اخترت ، فهو باطل لا يقع بها شئ . ( 2 ) أمرك بيدك ( 1 ) : إذا قال الرجل لزوجته أمرك بيدك ، فطلقت نفسها ، فهي طلقة واحدة ، عند عمر ، وعبد الله بن مسعود . وهو مذهب سفيان ، والشافعي ، وأحمد . روي أنه جاء بن مسعود رجل فقال : كان بيني وبين امرأتي بعص ما يكون بين الناس . فقالت : لو أن الذي بيدك من أمري بيدي . لعلمت كيف أصنع . قال : فإن الذي بيدي من أمرك بيدك . قالت : فأنت طالق ثلاثا . قال : أراها واحدة وأنت أحق بها مادامت في عدتها . وسألقى أمير المؤمنين عمر ، ثم لقيه فقص عليه القصة . فقال صنع الله بالرجال وفعل . يعمدون إلى ما جعل الله في أيديهم . فيجعلونه بأيدي النساء . بفيها التراب . ماذا قلت فيها ؟ قال : قلت أراها واحدة . وهو أحق بها . قال : وأنا أرى ذلك ، ولو رأيت غير ذلك علمت أنك لم تصب ( 2 ) . وقال الاحناف : يقع طلقة واحدة بائنة ، لان تمليكه أمرها لها يقتضي زوال سلطانه عنها ، وإذا قبلت ذلك بالاختيار وجب أن يزول عنها ، ولا يحصل ذلك مع بقاء الرجعة . هل المعتبر نية الزوج أم نية الزوجة ؟ : ذهب الشافعي إلى أن المعتبر هو نية الزوج . فإن نوى واحدة فواحدة ، وإن نوى ثلاثا فثلاث . وله أن يناكرها في الطلاق نفسه ، وفي العدد : في الخيار أو التمليك .

( هامش ) ( 1 ) أي أمرك الذي بيدي ، وهو الطلاق ، جعلته بيدك . ( 2 ) بداية المجتهد ص 67 ص 2 .

وذهب غيره إلى أنها إن نوت أكثر من واحدة وقع ما نوت ، لانها تملك الثلاثة بالتصريح ، فتملكها بالكناية كالزوج . فإن طلقت نفسها ثلاثا ، وقال الزوج لم أجعل لها إلا واحدة ، لم يلتفت إلى قوله . والقضاء ما قضت ، وهذا مذهب عثمان ، وابن عمر ، وابن عباس ، وقال عمر وابن مسعود : تقع طلقة واحدة كما سبق في قصة عبد الله بن مسعود . هل جعل الامر باليد مقيد بالمجلس ؟ أم هو على التراخي : قال ابن قدامة في المغني : ومتى جعل أمر امرأته بيدها فهو بيدها أبدا لا يتقيد بذلك المجلس . روي ذلك عن علي رضي الله عنه ، وبه قال أبو ثور ، وابن المنذر ، والحكم . وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي : هو مقصور على المجلس ، ولا طلاق لها بعد مفارقته ، لانه تخيير لها فكان مقصورا على المجلس كقوله : اختاري . ورجح الرأي الاول لقول علي رضي الله عنه في رجل جعل أمر امرأته بيدها . قال : هو لها حتى تكل . قال : ولا نعرف له في الصحابة مخالفا ، فيكون إجماعا . ولانه نوع توكيل في الطلاق . فكان على التراخي كما لو جعله لاجنبي . رجوع الزوج : قال : فإن رجع الزوج فيما جعل إليها أو قال : فسخت ما جعلت إليك بطل . وبذلك قال عطاء ، ومجاهد ، والشعبي ، والنخعي ، والاوزاعي ، وإسحاق . وقال الزهري ، والثوري ، ومالك ، وأصحاب الرأي : ليس له الرجوع لانه ملكها ذلك ، فلم يملك الرجوع . قال : وإن وطئها الزوج ، كان رجوعا ، لانه نوع توكيل . والتصرف فيما وكل فيه يبطل الوكالة . وإن ردت المرأة ما جعل إليها بطل كما تبطل الوكالة بفسخ التوكيل ( 1 ) . ( 3 ) طلقي نفسك إن شئت : قالت الاحناف : " من قال لامرأته طلقي نفسك ، ولا نية له ، أو نوى طلقة واحدة فقالت : طلقت نفسي ، فهي واحدة رجعية . وإن طلقت نفسها ثلاثا ، وقد أراد الزوج ذلك ، وقعن عليها ، وإن قال لها طلقي نفسك ، فقالت أبنت نفسي ، طلقت ، وإن قالت قد اخترت نفسي لم تطلق ، وإن قال لها : طلقي نفسك متى شئت . فلها أن تطلق نفسها في المجلس وبعده . وإذا قال لرجل : طلق امرأتي ، فله أن يطلقها في المجلس وبعده . ولو قال لرجل طلقها إن شئت ، فله أن يطلقها في المجلس خاصة . التوكيل : إذا جعل أمر امرأته بيد غيره صح . وحكمه حكم ما لو جعله بيدها ، في أنه بيده في المجلس وبعده . ووافق الشافعي على هذا في حق غيرها لانه توكيل ، وسواء قال : أمر امرأتي بيدك ، أو قال : جعلت لك الخيار في طلاق امرأتي ، أو قال طلق امرأتي . وقال أصحاب أبي حنيفة : ذلك مقصور على المجلس لانه نوع تخيير أشبه ما لو قال اختاري . قال صاحب المغني : ولنا أنه توكيل مطلق : فكان على التراخي : كالتوكيل في البيع ، وإذا ثبت هذا فإن له أن يطلقها ما لم يفسخ أو يطأها ، وله أن يطلق واحدة وثلاثا ، كالمرأة ، وليس له أن يجعل الامر إلا بيد من يجوز توكيله وهو العاقل . فأما الطفل والمجنون ، فلا يصح أن يجعل الامر بأيديهم فإن فعل فطلق واحد منهم لم يقع طلاقه . وقال أصحاب الرأي : يصح ( 2 ) .

التعميم ( 1 ) والتقييد في هذه الصيغ : هذه الصيغ قد تكون مطلقة ، بأن يجعل أمرها بيدها ، أو أن تختار نفسها دون تقييد بشئ يزيد على الصيغة . وفي هذه الحالة للزوجة أن تطلق نفسها في مجلس التفويض فقط إن كانت حاضرة فيه ، وإن كانت غائبة عنه كان لها ذلك الحق في مجلس علمها به فقط ، حتى لو انتهى أو تغير مجلس التفويض أو مجلس العلم ، ولم تطلق نفسها لم يكن لها هذا الحق بعد ذلك ، لان الصيغة مطلقة ، فتنصرف إلى المجلس ، فإذا فات فلا تملكه . وهذا الحكم في حالة ما إذا لم تقم قرينة تدل على تعميم التفويض ، كأن يكون هذا التفويض حين عقد الزواج ، لانه لا يعقل أن يقصد المفوض تمليكها تطليق نفسها في نفس مجلس زوجها ، فالصيغة تفيد التعميم بدلالة الحال . وقد صدر من بعض الحاكم الشرعية المصرية الجزئية حكم بني على أن التفويض إذا كان في حين عقد الزواج وبصيغة مطلقة ، لا يتقيد بالمجلس ، وللزوجة أن تطلق نفسها متى شاءت ، وإلا خلا التفويض من الفائدة ، وأيد هذا الحكم استئنافيا . وقد تكون هذه الصيغ عامة . كأن يقول لها اختاري نفسك متى شئت ، أو أمرك بيدك كلما أردت ، وفي هذه الحال لها أن تطلق نفسها في أي وقت ، لانه ملكها حق تطليق نفسها ملكا عاما ، فلها أن تستعمل هذا الحق فتطلق نفسها في أي وقت . وقد تكون هذه الصيغ مؤقتة بوقت معين ، كأن يجعل أمرها بيدها مدة سنة ، وفي هذه الحال للزوجة أن تطلق نفسها في الوقت المعين فقط ، وأما بعد مضيه فلا حق لها في التطليق .

التفويض ( 2 ) حين العقد وبعده : ويجوز التفويض حين عقد الزواج أو بعده ، إلا أنه يشترط فيه حين عقد الزواج عند الاحناف أن يكون البادئ به هو الزوجة ، مثل أن تقول المرأة للرجل : زوجت نفسي منك على أن يكون أمري بيدي أطلق نفسي كلما أريد . فيقول لها : قبلت ، فبهذا القبول يتم الزواج ، ويصح التطليق ، ويكون لها الحق في أن تطلق نفسها كلما أرادت ، لان قبوله ينصرف إلى الزواج ثم إلى التفويض .

أما إذا كان البادئ بالايجاب المقترن بالتفويض هو الزوج كأن يقول رجل لامرأته : تزوجتك على أن تكون عصمتك بيدك تطلقين نفسك كلما أردت . فتقول : قبلت ، فبهذا يتم الزواج ولا يصح التفويض ، ولا يكون للزوجة الحق في أن تطلق نفسها . والفرق بين الصورتين أنه في الصورة الاولى ، قبل الزوج التفويض بعد تمام العقد ، فيكون قد ملك التطليق بعد أن ملكه بتمام عقد الزواج . أما في الثانية ، فإن ملك التطليق قبل أن يملكه لانه ملكه قبل تمام عقد الزواج إذ لم يصدر إلا الايجاب وحده . الحالات التي يطلق فيها القاضي الحالات التي يطلق فيها القاضي صدر بها قانون سنة 1920 وسنة 1929 ، وهي مستمدة من اجتهاد الفقهاء ، حيث لم يرد بها نص صحيح صريح ، وقد روعي فيها التيسير على الناس تجنبا للحرج ، وتمشيا مع روح الاسلام السمحة . جاء في القانون رقم 25 لسنة 1920 النص على التطليق لعدم النفقة ، والتطليق للعيب . وجاء في القانون رقم 25 سنة 1929 النص على التطليق للضرر ، والتطليق لغيبة الزوج بلا عذر ، والتطليق لحبسه . ونورد فيما يلي حكم كل ، مع مواد القانون الخاصة به ما عدا حكم التطليق للعيب ، فقد تقدم الكلام عليه في أول هذا المجلد . التطليق لعدم النفقة : ذهب الامام مالك والشافعي وأحمد إلى جواز التفريق لعدم النفقة ( 1 ) بحكم

( هامش ) ( 1 ) أي المقصود بالنفقة الضرورية من الغذاء والكساء والسكنى في أدنى صورها . والمقصود

القاضي إذا طلبته الزوجة ( 1 ) ، وليس له مال ظاهر ، واستدلوا لمذهبهم هذا بما يأتي : 1 - أن الزوج مكلف بأن يمسك زوجته بالمعروف أو يسرحها ويطلقها بإحسان ، لقول الله سبحانه : " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " . ولا شك أن عدم النفقة ينافي الامساك بمعروف . 2 - أن الله تعالى يقول : " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " . والرسول : يقول : " لا ضرر ولا ضرار " . وأي إضرار ينزل بالمرأة أكثر من ترك الانفاق عليها . وإن على القاضي أن يزيل هذا الضرر . 3 - وإذا كان من المقرر أن يفرق القاضي من أجل الغيب بالزوج فإن عدم الانفاق يعد أشد إيذاءا للزوجة وظلما لها من وجود عيب بالزوج ، فكان التفريق لعدم الانفاق أولى . وذهب الاحناف إلى عدم جواز التفريق لعدم الانفاق سواء أكان السبب مجرد الامتناع ام الاعسار والعجز عنها ودليلهم في هذا : 1 - أن الله سبحانه قال : " لينفق ذو سعة من سعته ، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسرا يسرا " ( 2 ) . وقد سئل الامام الزهري عن رجل عاجز عن نفقة زوجته : أيفرق بينهما ؟ قال : تستأني به ، ولا يفرق بينهما ، وتلا الآية السابقة . 2 - أن الصحابة كان منهم الموسر والمعسر ، ولم يعرف عن أحد منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين رجل وامرأته ، بسبب عدم النفقة لفقره وإعساره . 3 - وقد سأل نساء النبي صلى الله عليه وسلم النبي ما ليس عنده ، فاعتزلهن

( هامش ) بعدم النفقة في الحاضر والمستقبل ، أما في الماضي فانه لا يقتضي المطالبة بالتفريق ولا تجاب إليه المرأة إذا طلبته بل تكون النفقة دينا في الذمة " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " . ( 1 ) فان كان له مال ظاهر فانه لا يفرق بينه وبين زوجته وينفذ حكم النفقة فيه . ( 2 ) سورة الطلاق آية 7

شهرا ، وكان ذلك عقوبة لهن ، وإذا كانت المطالبة بما لا يملك الزوج تستحق العقاب ، فأولى أن يكون طلب التفريق عند الاعسار ظلما لا يلتفت إليه 4 - قالوا : وإذا كان الامتناع عن الانفاق مع القدرة عليه ظلما ، فإن الوسيلة في رفع هذا الظلم هي بيع ماله للانفاق منه ، أو حبسه حتى ينفق عليها ، ولا يتعين التفريق لدفع هذا الظلم مادام هناك وسائل أخرى ، وإذا كان كذلك فالقاضي لا يفرق بهذا السبب لان التفريق أبغض الحلال إلى الله من الزوج صاحب الحق ، فكيف يلجأ القاضي إليه مع أنه غير متعين ، وليس هو السبيل الوحيدة لرفع الظلم . هذا إذا كان قادرا على الانفاق ، فإن كان معسرا فإنه لم يقع منه ظلم لان الله لا يكلف نفسا إلا ما آتاها . مادة ( 5 ) : إذا كان الزوج غائبا غيبة قريبة ، فإن كان له مال ظاهر نفذ الحكم عليه بالنفقة في ماله ، وإن لم يكن له مال ظاهر أعذر إليه القاضي بالطرق المعروفة ، وضرب له أجلا ، فإن لم يرسل ما تنفق منه زوجته على نفسها ، أو لم يحضر للانفاق عليها ، طلق عليه القاضي بعد مضي الاجل . فإذا كان بعيد الغيبة لا يسهل الوصول إليه ، أو كان مجهول المحل ، أو كان مفقودا ، وثبت أنه لا مال له تنفق منه الزوجة ، طلق عليه القاضي . وتسري أحكام هذه المادة على المسبحون الذي يعسر بالنفقة . مادة ( 6 ) : تطليق القاضي لعدم الانفاق يقع رجعيا ، وللزوج أن يراجع زوجته إذا ثبت إيساره واستعد للانفاق في أثناء العدة فإذا لم يثبت إيساره ولم يستعد للانفاق لم تصح الرجعة .

التطليق للضرر : ذهب الامام مالك ( 1 ) : أن للزوجة أن تطلب من القاضي التفريق إذا ادعت إضرار الزوج بها إضرارا لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما ، مثل : ضربها ، أو سبها ، أو إيذائها بأي نوع من أنواع الايذاء الذي لا يطاق ،

( هامش ) ( 1 ) ومثله مذهب أحمد ، وخالف في ذلك أبو حنيفة والشافعي ، فلم يذهبا إلى التفريق بسبب الضرر ، لامكان إزالته بالتعزير وعدم إجبارها على طاعته .

أو إكراهها على منكر من القول أو الفعل . فإذا ثبتت دعواها لدى القاضي ببينة الزوجة ، أو اعتراف الزوج ، وكان الايذاء مما لا يطاق معه دوام العشرة بين أمثالهما وعجز القاضي عن الاصلاح بينهما طلقها طلقة بائنة . وإذا عجزت عن البينة ، أو لم يقر الزوج رفضت دعواها . فإذا تكررت منها الشكوى . وطلبت التفريق ، ولم يثبت لدى المحكمة صدق دعواها ، عين القاضي حكمين بشرط أن يكونا رجلين عدلين راشدين ، لها خبرة بحالهما ، وقدرة على الاصلاح بينهما . ويحسن أن يكونا من أهلهما إن أمكن . وإلا فمن غيرهم ، ويجب عليهما تعرف أسباب الشقاق بين الزوجين ، والاصلاح بينهما بقدر الامكان ، فإن عجزا عن الاصلاح وكانت الاساءة من الزوجين ، أو من الزوج ، أو لم تتبين الحقائق ، قررا التفريق بينهما بطلقة بائنة ( 1 ) وإن كانت الاساءة من الزوجة فلا يفرق بينهما بالطلاق . وإنما يفرق بينهما بالخلع . وإن لم يتفق الحكمان على رأي أمرهما القاضي بإعادة التحقيق والبحث فإن لم يتفقا على رأي استبدلهما بغيرهما . وعلى الحكمين أن يرفعا إلى القاضي ما يستقر عليه رأيهما . يجب عليه أن ينفذ حكمهما . وأصل ذلك كله قول الله سبحانه : " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " ( 2 ) ، والله تعالى يقول أيضا : " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " وقد فات الامساك بمعروف ، فتعين التسريح بإحسان والرسول عليه الصلاة والسلام يقول : " لاضرر ولا ضرار " .

( هامش ) ( 1 ) ذهب أبو حنيفة وأحمد والشافعي - في أحد قوليه - إلى أنه ليس للحكمين أن يطلقا إلا أن يجعل الزوج ذلك إليهما . وقال مالك والشافعي : إن رأيا الاصلاح بعوض أو بغير عوض جاز ، وإن رأيا الخلع جاز ، وإن رأى الذي من قبل الزوج الطلاق طلق ، ولا يحتاج إلى إذن الزوج في الطلاق ، وهذا مبني على أنهما حكمان لا وكيلان . ( 2 ) النساء آية 35 .

وجاء في قانون رقم 25 لسنة 1929 . ( مادة 6 ) : " إذا ادعت الزوجة إضرار الزوج بها بما لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما ، يجوز لها أن تطلب من القاضي التفريق ، وحينئذ يطلقها القاضي طلقة بائنة إذا ثبت الضرر وعجز عن الاصلاح بينهما . فإذا رفض الطلب ثم تكررت الشكوى ، ولم يثبت الضرر ، بعث القاضي حكمين وقضى على الوجه المبين بالمواد " 7 ، 8 ، 9 ، 10 ، 11 " . مادة ( 7 ) : " يشترط في الحكمين أن يكونا رجلين عدلين من أهل الزوجين إن أمكن ، وإلا فمن غيرهم ، ممن له خبرة بحالهما ، وقدرة على الاصلاح بينهما . مادة ( 8 ) : على الحكمين أن يتعرفا أسباب الشقاق بين الزوجين ويبذلا جهدهما في الاصلاح ، فإن أمكن على طريقة معينة قرراها . مادة ( 9 ) : إذا عجز الحكمان عن الاصلاح وكانت الاساءة من الزوج أو منهما ، أو جهل الحال قررا التفريق بطلقة بائنة . مادة ( 10 ) : إذا اختلف الحكمان أمرهما القاضي بمعاودة البحث فان استمر الخلاف بينهما حكم غيرهما . على الحكمين أن يرفعا إلى القاضي ما يقررانه ، وعلى القاضي أن يحكم بمقتضاه .

التطليق لغيبة الزوج : التطليق لغيبة الزوج هو مذهب مالك وأحمد ( 1 ) ، دفعا للضرر عن المرأة ، فللمرأة أن تطلب التفريق إذا غاب عنها زوجها ولو كان له مال تنفق منه ، بشرط : 1 - أن يكون غياب الزوج عن زوجته لغير عذر مقبول . 2 - أن تتضرر بغيابه . 3 - أن تكون الغيبة في بلد غير الذي تقيم فيه . 4 - أن تمر سنة تتضرر فيها الزوجة .

( هامش ) ( 1 ) مالك يرى أنه طلاق بائن وأحمد يرى أنه فسخ .

فإن كان غيابه عن زوجته بعذر مقبول : كغيابه لطلب العلم ، أو ممارسة التجارة ، أو لكونه موظفا خارج البلد ، أو مجندا في مكان ناء ، فإن ذلك لا يجيز طلب التفريق ، وكذلك إذا كانت الغيبة في البلد الذي تقيم فيه . وكذلك لها الحق في أن تطلب التفريق للضرر الواقع عليها لبعد زوجها عنها لا لغيابه . ولابد من مرور سنة يتحقق فيها الضرر بالزوجة وتشعر فيها بالوحشة ، ويخشى فيها على نفسها من الوقوع فيما حرم الله . والتقدير بسنة قول عند الامام مالك ( 1 ) . وقيل : ثلاث سنين ، ويرى أحمد : أن أدنى مدة يجوز أن تطلب التفريق بعدها ستة أشهر ، لانها أقصى مدة تستطيع المرأة فيها الصبر عن غياب زوجها كما تقدم ذلك في فصل سابق ، واستفتاء عمر وفتوى حفصة رضي الله عنهما .

التطليق لحبس الزوج : ومما يدخل في هذا الباب - عند مالك وأحمد - التطليق لحبس الزوج ، لان حبسه يوقع بالزوجة الضرر ، لبعده عنها . فإذا صدر الحكم بالسجن لمدة ثلاث سنين ، أو أكثر ، وكان الحكم نهائيا ، ونفذ على الزوج ، ومضت سنة فأكثر من تاريخ تنفيذه ، فللزوجة أن تطلب من القاضي الطلاق لوقوع الضرر بها بسبب بعده عنها . فإذا ثبت ذلك طلقها القاضي طلقة بائنة عند مالك ، ويعتبر ذلك فسخا عند أحمد . قال ابن تيمية : وعلى هذا فالقول في امرأة الاسير والمحبوس ونحوهما ممن تعذر انتفاع امرأته به ، كالقول في امرأته المفقود بالاجماع . وجاء في القانون مادة ( 12 ) : " إذا غاب الزوج سنة فأكثر بلا عذر مقبول ، جاز لزوجته أن تطلب إلى القاضي تطليقها بائنا إذا تضررت من بعده عنها ، ولو كان له مال تستطيع الانفاق منه " . مادة ( 13 ) : " إن أمكن وصول الرسائل إلى الغائب ضرب له القاضي أجلا و أعذر إليه ، بأنه يطلقها عليه إن لم يحضر للاقامة معها أو ينقلها إليه أو يطلقها . فإذا انقضى الاجل ، ولم يفعل ، ولم يبد عذرا مقبولا ، فرق القاضي بينهما بتطليقة بائنة ، وإن لم يمكن وصول الرسائل إلى الغائب طلقها القاضي عليه بلا إعذار وضرب أجل " . مادة ( 14 ) : " لزوجة المحبوس المحكوم عليه نهائيا بعقوبة مقيدة للحرية مدة ثلاث سنين فأكثر ، أن تطلب للقاضي بعد مضي سنة من حبسه التطليق عليه بائنا للضرر ولو كان له مال تستطيع الانفاق منه . أما التفريق للعيب فقد تقدم القول فيه في فصل سابق .

الخلع الحياة الزوجية لا تقوم إلا على السكن ، والمودة ، والرحمة ، وحسن المعاشرة ، وأداء كل من الزوجين ما عليه من حقوق . وقد يحدث أن يكره الرجل زوجته ، أو تكره هي زوجها . والاسلام في هذه الحال يوصي بالصبر والاحتمال ، وينصح بعلاج ما عسى أن يكون من أسباب الكراهية ، قال الله تعالى : " وعاشروهن بالمعروف ، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ، ويجعل الله فيه خيرا كثيرا " ( 1 ) . وفي الحديث الصحيح : " لا يفرك مؤمن مؤمنة ، إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر " . إلا أن البغض قد يتضاعف ، ويشتد الشقاق ، ويصعب العلاج ، وينفد الصبر ، ويذهب ما أسس عليه البيت من السكن والمودة ، والرحمة ، وأداء الحقوق . وتصبح الحياة الزوجية غير قابلة للاصلاح ، وحينئذ يرخص الاسلام بالعلاج الوحيد الذي لابد منه . فإن كانت الكراهية من جهة الرجل ، فبيده الطلاق ، وهو حق من حقوقه ، وله أن يستعمله في حدود ما شرع الله . وان كانت الكراهية من جهة المرأة ، فقد أباح لها الاسلام أن تتخلص من الزوجية بطريق الخلع ، بأن تعطي الزوج ما كان أخذ ت منه باسم الزوجية لينهي علاقته بها . وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى : " ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ، إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به " ( 2 ) . وفي أخذ الزوج الفدية عدل وإنصاف ، إذ أنه هو الذي أعطاها المهر وبذل تكاليف الزواج ، والزفاف ، وأنفق عليها ، وهي التي قابلت هذا كله بالجحود ، وطلبت الفراق ، فكان من النصفة أن ترد عليه ما أخذت . وإن كانت الكراهية منهما معا : فإن طلب الزوج التفريق فبيده الطلاق وعليه تبعاته ، وإن طلبت الزوجة الفرقة ، فبيدها الخلع وعليها تبعاته كذلك . قيل إن الخلع وقع في الجاهلية . ذلك أن عامر بن الظرب زوج ابنته ابن أخيه ، عامر بن الحارث ، فلما دخلت عليه ، نفرت منه ، فشكا إلى أبيها ، فقال : : لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك وقد خلعتها منك بما أعطيتها .

تعريفه : والخلع الذي أباحه الاسلام مأخوذ من خلع الثوب إذا أزاله ، لان المرأة لباس الرجل ، والرجل لباس لها . قال الله تعالى : " هن لباس لكم ، وأنتم لباس لهن " ( 1 ) . ويسمى الفداء ، لان المرأة تفتدي نفسها بما تبذله لزوجها . وقد عرفه الفقهاء بأنه " فراق الرجل زوجته يبدل يحصل له " . والاصل فيه ما رواه البخاري ، والنسائي ، عن ابن عباس . قال : " جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ما أعتب عليه في خلق ولادين ( 1 ) ولكني أكره الكفر في الاسلام . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتردين عليه حديقته ؟ قالت : نعم . فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم . اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " .

ألفاظ الخلع : والفقهاء يرون أنه لابد في الخلع من أن يكون بلفظ الخلع أو بلفظ مشتق منه . أو لفظ يؤدي معناه . مثل المبارأة والفدية . فإذا لم يكن بلفظ الخلع ولا

( 1 ) سورة البقرة آية 187 . ( 2 ) أي أنها لا تريد مفارقته لسوء خلقه ، ولا لنقصان دينه ، ولكن كانت تكرهه لدمامته ، وهي تكره أن تحملها الكراهية على التقصير فيما يجب له من حق ، والمقصود بالكفر كفران العشير .

بلفظ فيه معناه . كأن يقول لها : أنت طالق في مقابل مبلغ كذا ، وقبلت ، كان طلاقا على مال ولم يكن خلعا . وناقش ابن القيم هذا الرأي فقال : " ومن نظر إلى حقائق العقود ومقاصدها دون ألفاظها : يعد الخلع فسخا بأي لفظ كان ، حتى بلفظ الطلاق " . وهذا أحد الوجهين لاصحاب أحمد . وهو إختيار شيخ الاسلام ابن تيمية ، ونقل عن ابن عباس . ثم قال ابن تيمية : " ومن اعتبر الالفاظ ووقف معها واعتبرها في أحكام العقود جعله " بلفظ الطلاق طلاقا " . ثم قال ابن القيم مرجحا هذا الرأي . وقواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها ، لا صورها وألفاظها . ومما يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم - أمر ثابت بن قيس أن يطلق امرأته في الخلع تطليقة ، ومع هذا أمرها أن تعتد بحيضة وهذا صريح في أنه فسخ ، ولو وقع بلفظ الطلاق . وأيضا فإنه سبحانه علق عليه أحكام الفدية بكونه فدية ومعلوم أن الفدية لا تختص بلفظ ، ولم يعين الله سبحانه لها لفظا معينا . وطلاق الفداء طلاق مقيد ، ولا يدخل تحت أحكام الطلاق المطلق . كما لا يدخل تحتها في ثبوت الرجعة والاعتداد بثلاثة قروء بالسنة الثابتة ( 1 ) " .

العوض في الخلع : الخلع - كما سبق - إزالة ملك النكاح في مقابل مال . فالعوض جزء أساسي من مفهوم الخلع . فإذا لما يتحقق العوض لا يتحقق الخلع . فإذا قال الزوج لزوجته : خالعتك ، وسكت . لم يكن ذلك خلعا ، ثم إنه إن نوى الطلاق ، كان طلاقا رجعيا . وإن لم ينو شيئا لم يقع به شئ ، لانه من ألفاظ الكتابة التي تفتقر إلى النية . كل ما جاز أن يكون مهرا جاز أن يكون عوضا في الخلع : ذهبت الشافعية إلى أنه لافرق في جواز الخلع ، بين أن يخالع على الصداق ، أو على بعضه ، أو على مال آخر ، سواء كان أقل من الصداق أم أكثر . ولافرق بين العين ، والدين والمنفعة . وضابطه أن " كل ما جاز أن يكون صداقا جاز أن يكون عوضا في الخلع " لعموم قوله تعالى : " فلا جناح عليهما فيما افتدت به " . ولانه عقد على بضع فأشبه النكاح . ويشترط في عوض الخلع أن يكون معلوما متمولا ، مع سائر شروط الاعواض ، كالقدرة على التسليم ، استقرار الملك وغير ذلك ، لان الخلع عقد معاوضة ، فأشبه البيع والصداق ، وهذا صحيح في الخلع الصحيح . أما الخلع الفاسد فلا يشترط العلم به ، فلو خالعها على مجهول ، كثوب غير معين ، أو على حمل هذه الدابة ، أو خالعها بشرط فاسد . كشرط ألا ينفق عليها وهي حامل ، أو لاسكنى لها ، أو خالعها بألف إلى أجل مجهول ونحو ذلك - بانت منه بمهر المثل . أما حصول الفرقة ، فلان الخلع ، إما فسخ أو طلاق ، فإن كان فسخا فالنكاح لا يفسد بفساد العوض ، فكذا فسخه ، إذ الفسوخ تحكي العقود . وإن كان طلاقا ، فالطلاق يحصل بلا عوض ، وماله حصول بلا عوض فيحسن مع فساد العوض ، كالنكاح ، بل أولى ، ولقوة الطلاق وسرايته . أما الرجوع إلى مهر المثل ، فلان قضية فساد العوض ارتداد العوض الآخر . والبضع لا يرتد بعد حصول الفرقة ، فوجب رد بدله . ويقاس بما ذكرنا ما يشبهه ، لان ما لم يكن ركنا في شئ لا يضر الجهل به كالصداق . ومن صور ذلك ما لو خالعها على ما في كفها ، ولم يعلم ، فإنها تبين منه بمهر المثل . فإن لم يكن في كفها شئ . ففي الوسيط أنه يقع طلاقا رجعيا ، والذي نقله غيره أنه يقع بائنا بمهر المثل . أما المالكية فقالوا : يجوز الخلع بالغرر كجنين ببطن بقرة أو غيره ، فلو نفق ( 1 ) الحمل فلا شئ له ، وبانت . وجاز بغير موصوف ، وبثمرة لم يبد صلاحها ، وبإسقاط حضانتها لولده . وينتقل الحق له . وإذا خالعها بشئ حرام . كخمر ، أو مسروق علم به ، فلا شئ له ، وبانت ، وأريق الخمر ، ورد المسروق لربه ، ولا يلزم الزوجة شئ بدل ذلك ، حيث كان الزوج عالما بالحرمة ، علمت هي أم لا . أما لو علمت هي بالحرمة دونه فلا يلزمه الخلع . الزيادة في الخلع على ما أخذت الزوجة من الزوج : ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز أن يأخذ الزوج من الزوجة زيادة على ما أخذت منه ، لقول الله تعالى : " فلا جناح عليهما فيما افتدت به ( 2 ) " . وهذا عام يتناول القليل والكثير . روى البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : " كانت أختي تحت رجل من الانصار ، فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أتردين حديقته ؟ قالت : وأزيد عليها ، فردت عليه حديقته وزادته ( 3 ) " . ويرى بعض العلماء : أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر مما أخذت منه ، لما رواه الدارقطني بإسناد صحيح : " أن أبا الزبير قال : إنه كان أصدقها حديقة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أتردين عليه حديقته التي أعطاك . قالت : نعم وزيادة . فقال النبي صلى الله وسلم : أما الزيادة فلا ، ولكن حديقته . قالت : نعم " . وأصل الخلاف في هذه المسألة الخلاف في تخصيص عموم الكتاب بالاحاديث الآحادية فمن رأى أن عموم الكتاب يخصص بأحاديث الآحاد : قال لا تجوز الزيادة ، ومن ذهب إلى أن عموم الكتاب لا يخصص بأحاديث الآحاد ، رأى جواز الزيادة . وفي " بداية المجتهد " قال : " فمن شبهه بسائر الاعواض في المعاملات ، رأى أن القدر فيه راجع إلى الرضا ، ومن أخذ بظاهر الحديث لم يجز أكثر من ذلك ، فكأنه رآه من باب أخذ المال بغير حق " .

الخلع دون مقتض : والخلع إنما يجوز إذا كان هناك سبب يقتضيه . كأن يكون الرجل معيبا في خلقه ، أو سيئا في خلقه ، أو لايؤدي للزوجة حقها ، وأن تخاف المرأة ألا تقيم حدود الله ، فيما يجب عليها من حسن الصحبة ، وجميل المعاشرة . كما هو ظاهر الآية . فإن لم يكن ثمة سبب يقتضيه فهو محظور ، لما رواه أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة : ( المختلعات هن المنافقات ) . وقد رأى العلماء الكراهة .

الخلع بتراضي الزوجين : والخلع يكون بتراضي الزوج والزوجة ، فإذا لم يتم التراضي منهما فللقاضي إلزام الزوج بالخلع ، لان ثابتا وزوجته رفعا أمرهما للنبي صلى الله عليه وسلم ، وألزمه الرسول بأن يقبل الحديقة ، ويطلق . كما تقدم في الحديث . الشقاق من قبل الزوجة كاف في الخلع : قال الشوكاني : وظاهر أحاديث الباب أن مجرد وجود الشقاق من قبل المرأة كاف في جواز الخلع . واختار ابن المنذر أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق منهما جميعا ، وتمسك بظاهر الآية . وبذلك قال طاووس ، والشعبي وجماعة من التابعين . . وأجاب عن ذلك جماعة ، منهم الطبري : بأن المراد ، أنها إذا لم تقم بحقوق الزوج كان ذلك مقتضيا لبغض الزوج لها ، فنسبت المخالفة إليها لذلك . ويؤيد عدم اعتبار ذلك من جهة الزوج أنه صلى الله عليه وسلم لم يستفسر ثابتا عن كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له .

حرمة الاساءة إلى الزوجة لتختلع : يحرم على الرجل أن يؤذي زوجته بمنع بعض حقوقها . حتى تضجر وتختلع نفسها . فإن فعل ذلك فالخلع باطل ، والبدل مردود ، ولو حكم به قضاء . وإنما حرم ذلك حتى لا يجتمع على المرأة فراق الزوج والغرامة المالية ، وقال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن ( 1 ) لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ( 2 ) " . ولقوله سبحانه : " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ، وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ( 3 ) " . ويرى بعض العلماء نفاذ الخلع في هذه الحال مع حرمة العضل . وأما الامام مالك فيرى أن الخلع ينفذ على أنه طلاق ، ويجب على الزوج أن يرد البدل الذي أخذه من زوجته جواز الخلع في الطهر والحيض : يجوز الخلع في الطهر والحيض ، ولا يتقيد وقوعه بوقت : لان الله سبحانه أطلقه ولم يقيده بزمن دون زمن . قال الله تعالى : " فلا جناح عليهما فيما افتدت به ( 4 ) " . ولان الرسول عليه الصلاة والسلام أطلق الحكم في الخلع بالنسبة لامرأة ثابت بن قيس ، من غير بحث ، ولااستفصال عن حال الزوجة ، وليس الحيض بأمر نادر الوجود بالنسبة للنساء . قال الشافعي : " ترك الاستفصال في قضايا الاحوال مع قيام الاحتمال

( هامش ) العضل : التضييق والمنع .

ينزل منزلة العموم في المقال . والنبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل هل هي حائض أم لا ؟ ولان المنهي عنه الطلاق في الحيض : من أجل ألا تطول عليها العدة . وهي - هنا - التي طلبت الفراق ، واختلعت نفسها ورضيت بالتطويل .

الخلع بين الزوج وأجنبي : يجوز أن يتفق أحد الاشخاص مع الزوج على أن يخلع الزوج زوجته ، ويتعهد هذا الشخص الاجنبي بدفع بدل الخلع للزوج ، وتقع الفرقة ، ويلتزم الاجنبي بدفع البدل للزوج . ولا يتوقف الخلع في هذه الصورة على رضا الزوجة لان الزوج يملك إيقاع الطلاق من نفسه بغير رضا زوجته ، والبدل يجب على من التزم به . وقال أبو ثور : لا يصح لانه سفه ، فإنه يبذل عوضا في مقابلة ما لا منفعة له فيه ، فإن الملك لا يحصل له . وقيده بعض علماء المالكية ، بأن يقصد به تحقيق مصلحة أو درء مفسدة ، فإن قصد به الاضرار بالزوجة فلا يصح . ففي " مواهب الجليل " : " ينبغي أن يقيد المذهب بما إذا كان الغرض من التزام الاجنبي ذلك للزوج ، حصول مصلحة ، أو درء مفسدة ترجع إلى ذلك الاجنبي ، مما لا يقصد به إضرار المرأة " . وأما ما يفعله أهل الزمان في بلدنا من التزام أجنبي ذلك وليس قصده إلا إسقاط النفقة الواجبة في العدة للمطلقة على مطلقها - فلا ينبغي أن يختلف في المنع ابتداء . وفي انتفاع المطلق بذلك بعد وقوعه نظر . الخلع يجعل أمر المرأة بيدها : ذهب الجمهور ، ومنهم الائمة الاربعة ، إلى أن الرجل إذا خالع امرأته ملكت نفسها وكان أمرها إليها ، ولا رجعة له عليها ، لانها بذلت المال لتتخلص من الزوجية ، ولو كان يملك رجعتها لم يحصل للمرأة الافتداء من الزوج بما بذلته له . وحتى لو رد عليها ما أخذ منها ، وقبلت - ليس له أن يرتجعها في العدة ، لانها قد بانت منه بنفس الخلع . روي عن ابن المسيب والزهري : أنه إن شاء أن يراجعها فليرد عليها ما أخذه منها في العدة ، وليشهد على رجعته . جواز تزوجها برضاها : ويجوز للزوج أن يتزوجها برضاها في عدتها ، ويعقد عليها عقدا جديدا . خلع الصغيرة المميزة ( 1 ) : ذهب الاحناف إلى أنه إذا كانت الزوجة صغيرة مميزة وخالعت زوجها ، وقع عليها طلاق رجعي ولا يلزمها المال . أما وقوع الطلاق . فلان عبارة الزوج معناها تعليق الطلاق على قبولها ، وقد صح التعليق لصدوره من أهله ، ووجد المعلق عليها ، وهو القبول ممن هي أهل له ، لان الاهلية للقبول تكون بالتمييز - وهي هنا صغيرة مميزة - ومتى وجد المعلق عليه وقع الطلاق المعلق . وأما عدم لزوم المال : فلانها صغيرة ليست أهلا للتبرع ، إذ يشترط في الاهلية للتبرع : العقل والبلوغ ، وعدم الحجر لسفه أو مرض . وأما كون الطلاق رجعيا : فلانه لما لم يصح التزام المال ، كان طلاقا مجردا لا يقابله شئ من المال ، فيقع رجعيا .

خلع الصغيرة غير المميزة : وأما الصغيرة غير المميزة فلا يقع خلعها طلاقا أصلا ، لعدم وجود المعلق عليه ، وهو القبول ممن هو أهله . خلع المحجور عليها ( 2 ) : قالوا : وإذا كانت الزوجة محجورا عليها لسفه وخالعها زوجها على مال

وقبلت ، لا يلزمها المال ، ويقع عليها الطلاق الرجعي ، مثل الصغيرة المميزة في أنها ليست أهلا للتبرع ، ولكنها أهل للقبول .

الخلع بين ولي الصغيرة وزوجها : وإذا جرى الخلع بين ولي الصغيرة وزوجها ، بأن قال زوج الصغيرة لابيها : خالعت ابنتك على مهرها ، أو على مائة جنيه من مالها ، ولم يضمن الاب البدل له . وقال : قبلت ، طلقت ، ولا يلزمها المال ولا يلزم أباها . أما وقوع الطلاق فلان الطلاق المعلق يقع متى وجد المعلق عليه ، وهو هنا قبول الاب ، وقد وجد . أما عدم لزوجها المال ، فلانها ليست أهلا لالتزام التبرعات . وأما عدم لزوم أبيها المال ، فلانه لم يلتزمه بالضمان ، ولا إلزام بدون التزام . ولهذا إذا ضمنه لزمه . وقيل : لا يقع الطلاق في هذه الحال لان المعلق عليه قبول دفع البدل . وهو لم يتحقق . وهذا القول ظاهر ، ولكن العمل بالقول الاول .

خلع المريضة : لا خلاف بين العلماء في جواز الخلع من المريضة ، مرض الموت . فلها أن تخالع زوجها . كما للصحيحة سواء بسواء . إلا أنهم اختلفوا في القدر الذي يجب أن تبذله للزوج مخافة أن تكون راغبة في محاباة الزوج على حساب الورثة . فقال الامام مالك : يجب أن يكون بقدر ميراثه منها . فإن زاد على إرثه منها تحرم الزيادة ويجب ردها ، وينفذ الطلاق . ولا توارث بينهما إذا كان الزوج صحيحا . وعند الحنابلة : مثل ما عند مالك ، في أنه إذا خالعت بميراثه منها فما دونه صح ولا رجوع فيه ، وإن خالعته بزيادة بطلت هذه الزيادة . وقال الشافعي : لو اختلعت منه بقدر مهر مثلها جاز . وإن زاد على ذلك كانت الزيادة من الثلث وتعتبر تبرعا . . أما الاحناف : فقد صححوا خلعها بشرط ألا يزيد عن الثلث مما تملك . وأنها متبرعة ، والتبرع في مرض الموت وصية ، والوصية لا تنفذ إلا من الثلث للاجنبي ، والزوج صار بالخلع أجنبيا . قالوا : وإذا ماتت هذه المخالعة المريضة وهي في العدة . لا يستحق زوجها إلا أقل هذه الامور ، بدل الخلع ، وثلث تركتها ، وميراثه منها . لانه قد تتواطأ الزوجة مع زوجها في مرض موتها وتسمي له بدل خلع باهظا ، يزيد عما يستحقه بالميراث . فلاجل الاحتياط لحقوق ورثتها ، وردا لقصد المتواطأ عليه . قلنا : إنها إذا ماتت في العدة لا تأخذ إلا أقل الاشياء الثلاثة . فإن برئت من مرضها ولم تمت منه ، فله جميع البدل المسمى ، لانه تبين أن تصرفها لم يكن في مرض الموت . أما إذا ماتت بعد انقضاء عدتها فله بدل الخلع المتفق عليه ، بشرط ألا يزيد عن ثلث تركتها ، لانه في حكم الوصية . والذي عليه العمل الان في المحاكم بعد صدور قانون الوصية سنة 1946 : أن للزوج الاقل من بدل الخلع ، وثلث التركة التي خلفتها زوجته ، سواء أكانت وفاتها في العدة أم بعد انتهائها ، إذ أن هذا القانون أجاز الوصية للوارث ، وغير الوارث - ونص على نفاذها فيما لا يزيد عن الثلث بدون توقف على إجازة أحد . وعلى هذا ، فلا يكون هناك حاجة إلى فرض محاباة زوجها بأكثر من نصيبه ومنعها من ذلك . هل الخلع طلاق أم فسخ : ذهب جمهور العلماء إلى أن الخلع طلاق بائن ، لما تقدم في الحديث من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذ الحديقة وطلقها تطليقة " . ولان الفسوخ إنما هي التي تقتضي الفرقة الغالبة للزوج في الفراق ، مما ليس يرجع إلى اختياره . وهذا راجع إلى الاختيار ، فليس بفسخ . وذهب بعض العلماء ، منهم أحمد ، وداود من الفقهاء ، وابن عباس ، وعثمان ، وابن عمر من الصحابة : إلى أنه فسخ . لان الله تعالى ذكر في كتابه الطلاق ، فقال : " الطلاق مرتان " . ثم ذكر الافتداء . ثم قال : " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " ( 1 ) . فلو كان الافتداء طلاقا لكان الطلاق الذي لا تحل له فيه إلا بعد زواج ، هو الطلاق الرابع . ويجوز هؤلاء أن الفسوخ تقع بالتراضي ، قياسا على فسوخ البيع كما في الاقالة ( 2 ) . قال ابن القيم : والذي يدل على أنه ليس بطلاق أنه سبحانه وتعالى رتب الطلاق بعد الدخول الذي لا يستوف عدده ثلاثة أحكام ، كلها منتفية عن الخلع : ( الاول ) أن الزوج أحق بالرجعة فيه . ( الثاني ) أنه محسوب من الثلاث ، فلا تحل بعد استيفاء العدد ، إلا بعد دخول زوج وإصابته . ( الثالث ) أن العدة فيه ثلاثة قروء . وقد ثبت بالنص والاجماع أنه لا رجعة في الخلع ، وثبت بالسنة وأقوال الصحابة أن العدة فيه حيضة واحدة ( 3 ) ، وثبت بالنص جوازه بعد طلقتين ، ووقوع ثالثة بعدها . وهذا ظاهر جدا في كونه ليس بطلاق . وثمرة هذا الخلاف تظهر في الاعتداد بالطلاق . فمن رأى أنه طلاق ، احتسبه طلقة بائنة . ومن رأى أنه فسخ لم يحتسبه ، فمن طلق امرأته تطليقتين ثم خالعها ، ثم أراد أن يتزوجها فله ذلك ، وإن لم تنكح زوجا غيره ، لانه ليس له غير تطليقتين . والخلع لغو . ومن جعل الخلع طلاقا قال : لم يجز له أن يرتجعها حتى تنكح زوجا غيره ، لانه بالخلع كملت الثلاث . هل يلحق المختلعة طلاق ؟ : المختلعة لا يلحقها طلاق ، سواء قلنا بأن الخلع طلاق أو فسخ ، وكلاهما

( هامش ) ( 1 ) سورة البقرة آية 230 . ( 2 ) بداية المجتهد ص 65 ج‍ 2 . ( 3 ) قال الخطابي : هذا أقوى دليل لمن قال : إن الخلع فسخ وليس بطلاق ، إذ لو كان طلاقا لم يكتف بحيضة للعدة

يصير المرأة أجنبية عن زوجها . وإذا صارت أجنبية عنه ، فإنه لا يلحقها الطلاق . وقال أبو حنيفة : المختلعة يلحقها الطلاق ، ولذلك لا يجوز عنده أن ينكح مع المبتوتة أختها . عدة المختلعة : ثبت من السنة أن المختلعة تعتد بحيضة . ففي قصة ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " خذ الذي لها عليك وخل سبيلها . قال : نعم . فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة واحدة وتلحق بأهلها " . رواه النسائي بإسناد رجاله ثقاة . وإلى هذا ذهب عثمان ، وابن عباس ، وأصح الروايتين عن أحمد ، وهو مذهب إسحق بن راهويه ، واختاره شيخ الاسلام ابن تيمية وقال : من نظر هذا القول وجده مقتضى قواعد الشريعة : فإن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ، ليطول زمن الرجعة ، ويتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة ، فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود براءة رحمها من الحمل ، وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء . وقال ابن القيم : هذا مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، وعبد الله ابن عمر ، والربيع بنت معوذ ، وعمها وهو من كبار الصحابة رضي الله عنهم ، فهؤلاء الاربعة من الصحابة لا يعرف لهم مخالف منهم ، كما رواه الليث بن سعد ، عن نافع مولى ابن عمر : أنه سمع الربيع بنت معوذ بن عفراء ، وهي تخبر عبد الله بن عمر ، أنها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان . فجاء عمها إلى عثمان ، فقال له : إن ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم ، أفتنتقل ؟ فقال عثمان : لتنتقل ، ولا ميراث بينهما . ولا عدة عليها . إلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة . خشية أن يكون بها حبل . فقال عبد الله بن عمر : فعثمان خيرنا وأعلمنا . ونقل عن أبي جعفر النحاس في كتاب - الناسخ والمنسوخ - أن هذا إجماع من الصحابة . . ومذهب الجمهور من العلماء أن المختلعة عدتها ثلاث حيض إن كانت ممن يحيض .

نشوز الرجل إذا خافت المرأة نشوز زوجها وإعراضة عنها إما لمرضها أو لكبر سنها ، أو لدمامة وجهها ، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما ، ولو كان في الصلح تنازل الزوجة عن بعض حقوقها ترضية لزوجها . لقول الله سبحانه : " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ، والصلح خير ( 1 ) " . وروى البخاري عن عائشة قالت في هذه الرواية : " هي المرأة تكون عند الرجل ، لا يستكثر منها ، فيريد طلاقها ، ويتزوج عليها ، تقول : أمسكني ، ولا تطلقني ، وتزوج غيري ، فأنت في حل من النفقة علي والقسمة لي " . روى أبو داود عن عائشة أن سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت ( 2 ) أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : " يارسول الله يومي لعائشة " فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : في ذلك أنزل الله جل ثناؤه ، وفي أشباهها . أراه قال : " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا " . قال في المغني : ومتى صالحته على ترك شئ من قسمتها أو نفقتها ، أو على ذلك كله جاز . . فإن رجعت فلها ذلك . قال أحمد في الرجل يغيب عن امرأته فيقول لها : إن رضيت على هذا ، وإلا فأنت أعلم ، فتقول : قد رضيت ، فهو جائز ، فإن شاءت رجعت .

الشقاق بين الزوجين : إذا وقع الشقاق بين الزوجين واستحكم العداء وخيف من الفرقة وتعرضت

( هامش ) ( 1 ) سورة النساء آية 128 . ( 2 ) فرقت : خافت .

الحياة الزوجية للانهيار بعث الحاكم حكمين لينظرا في أمرهما ، ويفعلا ما فيه المصلحة من إبقاء الحياة للزوجية أو إنهائها . يقول الله سبحانه : " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " . ويشترط أن يكون الحكمان عاقلين بالغين عدلين مسلمين . ولا يشترط أن يكونا من أهلهما ، فإن كانا من غير أهلهما جاز ، والامر في الاية للندب ، لانهما أرفق من جانب وأدرى بما يحدث ، وأعلم بالحال من جانب آخر . وللحكمين أن يفعلا ما فيه المصلحة من الابقاء أو الانهاء دون الحاجة إلى رضا الزوجين أو توكيلهما . وهذا رأي علي ، وابن عباس ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، والشعبي ، والنخعي ، وسعيد بن جبير ، ومالك ، والاوزاعي ، وإسحاق ، وابن المنذر . وقد تقدم ذلك في فصل سابق ( 1 )

( هامش ) ( 1 ) أما نشوز المرأة فقد سبق الكلام عليه في فصل " تأديب الرجل زوجته " .

الظهار تعريفه : الظهار مشتق من الظهر ، وهو قول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي . قال في الفتح : " وإنما خص الظهر بذلك دون سائر الاعضاء ، لانه محل الركوب غالبا ، ولذلك سمي المركوب ظهرا ، فشبهت المرأة بذلك . لانها مركوب الرجل " . والظهار كان طلاقا في الجاهلية ، فأبطل الاسلام هذا الحكم ، وجعل الظهر محرما للمرأة حتى يكفر زوجها . فلو ظاهر الرجل يريد الطلاق ، كان ظهارا ، ولو طلق يريد ظهارا كان طلاقا ، فلو قال : " أنت علي كظهر أمي " ، وعنى به الطلاق لم يكن طلاقا ، وكان ظهارا لا تطلق به المرأة . قال ابن القيم : " وهذا لان الظهار كان طلاقا في الجاهلية ، فنسخ ، فلم يجز أن يعاد إلى الحكم المنسوخ ، وأيضا أن أوس بن الصامت إنما نوى به الطلاق على ما كان عليه ، وأجرى عليه حكم الظهار دون الطلاق ، وأيضا فإنه صريح في حكمه ، فلم يجز جعله كناية في الحكم الذي أبطله الله بشرعه ، وقضاء الله أحق ، وحكم الله أوجب " اه‍ . وقد أجمع العلماء على حرمته ، فلا يجوز الاقدام عليه لقول الله تعالى : " الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم ، إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ، وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ، وإن الله لعفو غفور " ( 1 ) . وأصل ذلك ما ثبت في السنن أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة ، وهي التي جادلت فيه رسول الله صلى الله عليه

( هامش ) ( 1 ) سورة المجادلة : آية 2 .

وسلم واشتكت إلى الله ، وسمع الله شكواها من فوق سبع سموات . فقالت : " يا رسول الله ؟ إن أوس بن الصامت تزوجني ، وأنا شابة مرغوب في ، فلما خلا سني ، ونثرت بطني ، جعلني كأمة عنده . فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما عندي في أمرك شئ " . فقالت : " اللهم إني أشكو إليك " . وروي أنها قالت : " ان لي صبية صغارا ، ان ضمهم إليه ضاعوا . وإن ضممتهم إلي جاعوا " : فنزل القرآن . . وقالت عائشة : الحمد لله الذي وسع سمعه الاصوات ، لقد جاءت خولة بنت ثعلبة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا في كسر البيت ، يخفي علي بعض كلامها ، فأنزل الله عزوجل : " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ، والله يسمع تحاور كما ، إن الله سميع بصير " ( 1 ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ليعتق رقبة . قالت : لا يجد ! قال : فيصوم شهرين متتابعين . قالت : يارسول الله إنه شيخ كبير ، ما به من صيام . قال : فليطعم ستين مسكينا . قالت : ما عنده من شئ يتصدق به . قال : سأعينه بعرق من تمر ! قالت : وأنا أعينه بعرق آخر ؟ قال : أحسنت ، فأطعمي عنه ستين مسكينا ، وارجعي إلى ابن عمك " . وفي السنن أن سلمة بن صخر البياضي ، ظاهر من امرأته مدة شهر رمضان ، تم واقعها ليلة قبل انسلاخه . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أنت بذاك يا سلمة . قال : قلت : أنا بذاك ( 2 ) يارسول الله ؟ - مرتين - وأنا صابر لامر الله ، فاحكم في بما أراك الله . قال : حرر رقبة . قلت : والذي بعثك بالحق نبيا ما أملك رقبة غيرها ، وضربت صفحة رقبتي ، قال فصم شهرين

( هامش ) ( 1 ) سورة المجادلة آية 1 . ( 2 ) أي أنت الملم بذاك والمرتكب له .

متتابعين . قلت : فهل أصبت الذي أصبت إلا في الصيام ؟ . . قال : فأطعم وسقا من تمر ستين مسكينا . قلت : : والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ( 1 ) ، ما لنا طعام قال : فانطلق إلى صدقة بني زريق فليدفعها إليك ، فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر ، وكل أنت وعيالك بقيتها . قال : فرحت إلى قومي ، فقلت : وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ، ووجدت عند رسول الله السعة وحسن الرأي ، وقد أمر لي بصدقتكم " . هل الظهار مختص بالام ؟ ذهب الجمهور إلى أن الظهار يختص بالام ، كما ورد في القرآن ، وكما جاء في السنة . فلو قال لزوجته : أنت علي كظهر أمي كان مظاهرا ، ولو قال لها : أنت علي كظهر أختي لم يكن ذلك ظهارا . وذهب البعض ، منهم الاحناف ، والاوزاعي والثوري والشافعي في أحد قوليه ، وزيد بن علي ، إلى أنه يقاس على الام جميع المحارم ( 2 ) . فالظهار عندهم هو تشبيه الرجل زوجته في التحريم بإحدى المحرمات عليه على وجه التأييد بالنسب أو المصاهرة أو الرضاع ، إذ العلة هي التحريم المؤبد . ومن قال لامرأته : إنها أختي أو أمي على سبيل الكرامة والتوقير فإنه لا يكون مظاهرا . من يكون منه الظهار : والظهار لا يكون إلا من الزوج العاقل البالغ المسلم لزوجة قد انعقد زواجها انعقادا صحيحا نافذا .

الظهار المؤقت : الظهار المؤقت هو إذا ظاهر من امرأته إلى مدة . مثل أن يقول لها : " أنت

( هامش ) ( 1 ) أي بتنا مقفرين لا طعام لنا . ( 2 ) قال الائمة الثلاثة ، ورواية عن أحمد : إذا قالت المرأة لزوجها : أنت علي كظهر أمي . فانه لا كفارة عليها ، وقال أحمد في الرواية الاخرى - وهي أظهرهما - يجب عليها الكفارة إذا وطئها ، وهي التي اختارها الخرقي .

علي كظهر أمي إلى الليل " ثم أصابها قبل انقضاء تلك المدة . وحكمه أنه ظهار كالمطلق . قال الخطابي : واختلفوا فيه إذا بر فلم يحنث : فقال مالك وابن أبي ليل : إذا قال لامرأته : " أنت علي كظهر أمي إلى الليل " لزمته الكفارة وإن لم يقربها . وقال أكثر أهل العلم : لا شئ عليه إن لم يقربها . قال : وللشافعي في الظهار المؤقت قولان : أحدهما أنه ليس بظهار .

أثر الظهار : إذا ظاهر الرجل من امرأته ، وصح الظهار ترتب عليه أثران : ( الاثر الاول ) حرمة إتيان الزوجة حتى يكفر كفارة الظهار ، لقول الله سبحانه : " من قبل أن يتماسا " . وكما يحرم المسيس ، فإنه يحرم كذلك مقدماته ، من التقبيل والمعانقة ونحو ذلك ، وهذا عند جمهور العلماء . وذهب بعض أهل العلم ( 1 ) إلى أن المحرم هو الوطء فقط ، لان المسيس كناية عن الجماع . ( والاثر الثاني ) وجوب الكفارة بالعود . وما هو العود ؟ ، اختلف العلماء في العود . ما هو ؟ فقال قتادة ، وسعيد بن جبير ، وأبو حنيفة ، وأصحابه : " إنه إرادة المسيس لما حرم بالظهار " لانه إذا أراد فقد عاد من عزم ؟ إلى عزم الفعل ، سواء فعل أم لا . وقال الشافعي : بل هو إمساكها بعد الظهار وقتا يسع الطلاق ، ولم يطلق إذ تشبيهها بالام يقتضي إبانتها ، وإمساكها نقيضه ، فإذا أمسكها فقد عاد فيما قال ، لان العود للقول مخالفته . وقال مالك وأحمد : بل هو العزم على الوطء فقط ، وإن لم يطأ .

( هامش ) ( 1 ) هذا رأي الثوري ، وأحد قولي الشافعي .

وقال داود ، وشعبة ، وأهل الظاهر : بل إعادة لفظ الظهار . فالكفارة لا تجب عندهم إلا بالظهار المعاد ، لا المبتدأ . المسيس قبل التكفير : إذا مس الرجل زوجته قبل التكفير فإن ذلك يحرم ، كما تقدم بيانه ، والكفارة لا تسقط ولا تتضاعف ، بل تبقى كما هي ، كفارة واحدة . قال الصلت بن دينار : سألت عشرة من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل أن يكفر ؟ فقالوا : كفارة واحدة . ما هي الكفارة : والكفارة هي : عتق رقبة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع ، فإطعام ستين مسكينا . لقول الله سبحانه : " والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ، ذلكم توعظون به ، والله بما تعملون خبير . فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ( 1 ) " . وقد روعي في كفارة الظهار التشديد ، محافظة على العلاقة الزوجية ، ومنعا من ظلم المرأة . فإن الرجل إذا رأى أن الكفارة يثقل عليه الوفاء بها ، احترم العلاقة الزوجية ، وامتنع عن ظلم زوجته .

الفسخ فسخ العقد : نقضه ، وحل الرابطة التي تربط بين الزوجين ، وقد يكون الفسخ بسبب خلل وقع في العقد ، أو بسبب طارئ عليه يمنع بقاءه . مثال الفسخ بسبب الخلل الواقع في العقد : 1 - إذا تم العقد وتبين أن الزوجة التي عقد عليها أخته من الرضاع ، فسخ العقد . 2 - إذا عقد غير الاب والجد للصغير أو الصغيرة ، ثم بلغ الصغير أو الصغيرة ، فمن حق كل منهما أن يختار البقاء على الزوجية أو إنهاءها ، ويسمى هذا خيار البلوغ ، فإذا اختار إنهاء الحياة الزوجية كان ذلك فسخا للعقد .

مثال الفسخ الطارئ على العقد : 1 - إذا ارتد أحد الزوجين عن الاسلام ولم يعد إليه ، فسخ العقد بسبب الردة الطارئة . 2 - إذا أسلم الزوج وأبت زوجته أن تسلم ، وكانت مشركة ، فإن العقد حينئذ يفسخ . بخلاف ما إذا كانت كتابية فإن العقد يبقى صحيحا كما هو ، إذ أنه يصح العقد على الكتابية ابتداء . والفرقة الحاصلة بالفسخ غير الفرقة الحاصلة بالطلاق ، إذ أن الطلاق ينقسم إلى طلاق رجعي وطلاق بائن . والرجعي لا ينهي الحياة الزوجية في الحال ، والبائن ينهيها في الحال . أما الفسخ ، سواء أكان بسبب طارئ على العقد ، أم بسبب خلل فيه ، فإنه ينهي العلاقة الزوجية في الحال . ومن جهة أخرى . فإن الفرقة بالطلاق تنقص عدد الطلقات ، فإذا طلق الرجل زوجته طلقة رجعية ، ثم راجعها وهي في عدتها ، أو عقد عليها بعد انقضاء العدة عقدا جديدا ، فإنه تحسب عليه تلك الطلقة ، ولا يملك عليها بعد ذلك إلا طلقتين . وأما الفرقة بسبب الفسخ فلا ينقص بها عدد الطلقات ، فلو فسخ العقد بسبب خيار البلوغ ، ثم عاد الزوجان وتزوجا ملك عليها ثلاث طلقات . وقد أراد فقهاء الاحناف أن يضعوا ضابطا عاما لتمييز الفرقة التي هي طلاق ، من الفرقة التي هي فسخ ، فقالوا : إن كل فرقة تكون من الزوج ، ولا يتصور أن تكون من الزوجة فهي طلاق . وكل فرقة تكون من الزوجة لا بسبب من الزوج ، أو تكون من الزوج ويتصور أن تكون من الزوجة فهي فسخ .

الفسخ بقضاء القاضي : من الحالات ما يكون سبب الفسخ فيها جليا لا يحتاج إلى قضاء القاضي ، كما إذا تبين للزوجين أنهما أخوان من الرضاع ، وحينئذ يجب على الزوجين أن يفسخا العقد من تلقاء أنفسهما . ومن الحالات ما يكون سبب الفسخ خفيا غير جلي ، فيحتاج إلى قضاء القاضي ، ويتوقف عليه ، كالفسخ بإباء الزوجة المشركة الاسلام إذا أسلم زوجها ، لانها ربما لا تمتنع فلا يفسخ العقد .

اللعان تعريفه : اللعان مأخوذ من اللعن ، لان الملاعن يقول في الخامسة : " أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين " . وقيل هو الابعاد . وسمي المتلاعنان بذلك ، لما يعقب اللعان من الاثم والابعاد ، ولان أحدهما كاذب ، فيكون ملعونا . وقيل : لان كل واحد منهما يبعد عن صاحبه بتأييد التحريم .

وحقيقته : أن يحلف الرجل - إذا رمى امرأته بالزنا أربع مرات إنه لمن الصادقين ، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، وأن تحلف المرأة عند تكذيبه أربع مرات ، إنه لمن الكاذبين ، والخامسة أن عليها غضب الله إن كان من الصادقين . مشروعيته : إذا رمى الرجل امرأته بالزنا ، ولم تقر هي بذلك ، ولم يرجع عنه رميه . فقد شرع الله لهما اللعان ( 1 ) . روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما : " أن هلال ( 2 ) بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " البينة ، أو حد في ظهرك . فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة ؟ ! . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " البينة ، وإلا حد في ظهرك " . فقال : والذي بعثك بالحق إلي لصادق ، ولينزلن الله ما يبرئ ظهرى من

( هامش ) ( 1 ) كان ذلك في شهر شعبان سنة 59 ه‍ وقيل : كان في السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( 2 ) كان أول رجل لا عن في الاسلام .

الحد ، فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه قوله تعالى : " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين . والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين . والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين " ( 1 ) . فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إليها ، فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يعلم ( 2 ) أن أحد كما كاذب . فهل منكما تائب ؟ " فشهدت . فلما كانت عند الخامسة وقفوها ( 3 ) ، وقالوا إنها الموجبة ( 4 ) . قال ابن عباس رضي الله عنهما : فتلكأت ونكصت ، حتى ظننا أنها ترجع . ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم ، فمضت . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أبصروها ، فإن جاءت به أكحل العينين ( 5 ) ، سابغ الاليتين ، خدلج الساقين ، فهو لشريك بن سحماء " . فجاءت به كذلك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لو لا ما مضى ( 6 ) من كتاب الله كان لي ولها شأن . " قال صاحب بداية المجتهد : وأما من طريق المعنى . فلما كان الفراش موجبا للحوق النسب ، كان للناس ضرورة إلى طريق ينفونه به إذا تحققوا فساده . وتلك الطريق هي اللعان . فاللعان حكم ثابت بالكتاب والسنة والقياس والاجماع . إذ لا خلاف في ذلك عامة .

( هامش ) ( 1 ) سورة النور : الايات 6 - 9 ( 2 ) هذا دليل على أن الزوج إذا قذف امرأته ، وعجز عن إقامة البينة وجب عليه حد القاذف ، وإذا وقع اللعان سقط الحد عنه . ( 3 ) فيه استحباب تقديم الوعظ للزوجين قبل اللعان لما سيأتي . ( 4 ) أشاروا عليها بالوقوف عن تمام اللعان فتلكأت وكادت تعترف ولكنها لم ترض بفضيحة قومها . وفي هذا دليل على أن مجرد التلكؤ لا يعمل به . ( 5 ) في هذا دليل على أن المرأة كانت حاملا وقت اللعان ، والاكحل الذي أجفانه سوداء كأن فيها كحلا . وسابغ الاليتين : أي عظيمهما ، وخدلج : ممتلئ . ( 6 ) لو لا ما مضى من كتاب الله ، أي أن اللعان يرفع الحد عن المرأة . ولو لا ذلك لاقام الرسول صلى الله عليه وسلم الحد .

متى يكون اللعان ؟ ويكون اللعان في صورتين : ( الصورة الاولى ) أن يرمي الرجل امرأته بالزنا ، ولم يكن له أربعة شهود يشهدون عليها بما رماها به . ( الصورة الثانية ) أن ينفي حملها منه . وإنما يجوز في الصورة الاول إذا تحقق من زناها ، كأن رآها تزني ، أو أقرت هي ، ووقع في نفسه صدقها . والاولى في هذه الحال أن يطلقها ولا يلاعنها . فإذا لم يتحقق من زناها ، فإنه لا يجوز له أن يرميها به . ويكون نفي الحمل في حالة ما إذا ادعى أنه لم يطأها أصلا من حين العقد عليها ، أو ادعى أنها أتت به لاقل من ستة أشهر بعد الوطء ، أو لاكثر من سنة من وقت الوطء . . الحاكم هو الذي يقضى باللعان : ولا بد من الحاكم عند اللعان . وينبغي له أن يذكر المرأة ويعظها ، بمثل ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ، وصححه ابن حبان والحاكم : " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم ، فليست من الله في شئ ، ولن يدخلها الله الجنة ، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه ، احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الاولين والاخرين " . اشتراط العقل والبلوغ : وكما يشترط في اللعان ، الحاكم ، يشترط العقل والبلوغ في كل من المتلاعنين ، وهذا أمر مجمع عليه .

اللعان بعد إقامة الشهود : وإذا أقام الزوج الشهود على الزنا فهل له أن يلاعن ؟ قال أبو حنيفة وداود : لا يلاعن ، لان اللعان إنما جعل عوضا عن الشهود ، لقوله تعالى : " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ( 1 ) " . وقال مالك والشافعي : له أن يلاعن ، لان الشهود لا تأثير لهم في دفع الفراش . هل اللعان يمين أم شهادة ؟ يرى الامام مالك والشافعي وجمهور العلماء أن اللعان يمين ، وإن كان يسمى شهادة فإن أحدا لا يشهد لنفسه ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض روايات حديث ابن عباس : " لو لا الايمان لكان لي ولها شأن " . وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه شهادة ، واستدلوا بقول الله تعالى " فشهادة أحد هم أربع شهادات بالله " وبحديث ابن عباس المتقدم . وفيه : " فجاء هلال فشهد ، ثم قامت فشهدت " . والذين رأوا أنه يمين ، قالوا : انه يصح اللعان بين كل زوجين حرين كانا أو عبدين ، أو أحدهما ، أو عدلين ، أو فاسقين ، أو أحدهما . والذين ذهبوا إلى أنه شهادة . قالوا : لا يصح إلا بين زوجين يكونان من أهل الشهادة ، وذلك بأن يكونا حرين مسلمين . فأما العبدان ، أو المحدودان في القذف ، فلا يجوم لعانهما . وكذلك إن كان أحدهما من أهل الشهادة والاخر ليس من أهلها . قال ابن القيم : والصحيح أن لعانهم يجمع الوصفين اليمين والشهادة ، فهو شهادة مؤكدة بالقسم والتكرار ، ويمين مغلظة بلفظ الشهادة والتكرار ، لاقتضاء الحال تأكيد الامر ، ولهذا اعتبر فيه من التأكيد عشرة أنواع : ( أحدها ) ذكر لفظ الشهادة . ( الثاني ) ذكر القسم أسماء الرب سبحانه ، وأجمعها لمعاني أسمائه الحسنى ، وهو اسم الله جل ذكره . ( الثالث ) تأكيد الجواب بما يؤكد به المقسم عليه من أن واللام ،

وإتيانه باسم الفاعل الذي هو صادق وكاذب ، دون الفعل الذي هو صدق وكذب . ( الرابع ) تكرار ذلك أربع مرات . ( الخامس ) دعاؤه على نفسه في الخامسة بلعنة الله إن كان من الكاذبين . ( السادس ) إخباره عند الخامسة أنها الموجبة لعذاب الله وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الاخرة . ( السابع ) جعل لعانه مقتضى لحصول العذاب عليها ، وهو إما الحد أو الحبس ، وجعل لعانها دارئا للعذاب عنها . ( الثامن ) أن هذا اللعان يوجب العذاب على أحدهما ، إما في الدنيا ، وإما في الاخرة . ( التاسع ) التفريق بين المتلاعنين وخراب بيتهما وكسرهما بالفراق . ( العاشر ) تأييد تلك الفرقة ودوام التحريم بينهما . فلما كان شأن هذا اللعان هذا الشأن جعل يمينا مقرونا بالشهادة ، وشهادة مقرونة باليمين ، وجعل الملتعن - لقبول قوله - كالشاهد فإن نكلت المرأة مضت شهادته وحدت وأفادت شهادته . ويمينه شيئين : سقوط الحد عنه ووجوبه عليها ، وإن التعنت الممرأة وعارضت لعانه بلعان آخر منها ، أفاد لعانه سقوط الحد عنه دون وجوبه عليها ، فكان شهادة ويمينا بالنسبة إليها دونها ، لانه إن كان يمينا محضة ، فهي لا تحد بمجرد حلفه ، وإن كان شهادة فلا تحد بمجرد شهادته عليها وحده ، فإذا انضم إلى ذلك نكولها قوي جانب الشهادة واليمين في حقه بتأكده ونكولها ، فكان دليلا " ظاهرا على صدقه ، فأسقط الحد عنه وأوجبه عليها ، وهذا أحسن ما يكون من الحكم . " ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " ( 1 ) وقد ظهر بهذا أنه يمين فيها معنى الشهادة ، وشهادة فيها معنى اليمين .

لعان الاعمى والاخرس : لم يختلف أحد في جواز لعان الاعمى ، واختلفوا في الاخرس . فقال مالك والشافعي : يلاعن الاخرس إذا فهم عنه . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يلاعن ، لانه ليس من أهل الشهادة . من يبدأ بالملاعنة ؟ : اتفق العلماء على أن السنة في اللعان تقديم الرجل فيشهد قبل المرأة . فقال الشافعي وغيره : هو واجب ، فإذا لاعنت المرأة قبله ، فإن لعانها لا يعتد به . وحجتهم أن اللعان يشرع لدفع الحد عن الرجل . فلو بدئ بالمرأة لكان دفعا لامر لم يثبت . وذهب أبو حنيفة ومالك : إلى أنه لو وقع الابتداء بالمرأة صح واعتد به . وحجتهم أن الله سبحانه عطف في القرآن بالواو ، والواو لا تقتضي الترتيب بل هي المطلق الجمع .

النكول ( 1 ) عن اللعان : النكول عن اللعان ، إما أن يكون من الزوج أو من الزوجة ، فإن نكل الزوج فعليه حد القذف . لقول الله تعالى :

" والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ( 2 ) " . فإذا لم يشهد فهو مثل الاجنبي في القذف ، ولما تقدم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " البينة أو حد في ظهرك " وهذا مذهب الائمة الثلاثة . وقال أبو حنيفة : لا حد عليه . ويحبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه . فإن كذب نفسه وجب عليه حد القذف . فإذا نكلت الزوجة : أقيم عليها حد الزنا عند مالك والشافعي .

( هامش ) ( 1 ) النكول : الامتناع . ( 2 ) سورة النور آية 6

وقال أبو حنيفة : لا تحد ، وحبست حتى تلاعن أن تقر بالزنا ، وإن صدقته أقيم عليها الحد . واستدل أبو حنيفة رضي الله عنه بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : زنا بعد إحصان ، أو كفر بعد إيمان ، أو قتل نفس بغير نفس " . ولان سفك الدماء بالنكول حكم ترده الاصول ، فإنه إذا كان كثير من الفقهاء لا يوجبون غرم المال بالنكول . فكان بالاحرى ألا يجب بذلك سفك الدماء . قال ابن رشد : وبالجملة . فقاعدة الدماء مبناها في الشرع على أنها لا تراق إلا بالبينة العادلة ، بالاعتراف ، ومن الواجب ألا تخصص هذه القاعدة بالاسم المشترك . فأبو حنيفة في هذه المسألة أولى بالصواب إن شاء الله . وقد اعترف أبو المعالي في كتابه " البرهان " بقوة أبي حنيفة في هذه المسألة ، وهو شافعي . التفريق بين المتلاعنين : إذا تلاعن الزوجان وقعت الفرقة بينهما على سبيل التأكيد ولا يرتفع التحريم بينهما بحال . فعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا " . وعن علي وابن مسعود قالا : " مضت السنة ألا يجتمع المتلاعنان " . رواهما الدارقطني . ولانه قد وقع بينهما من التباغض والتقاطع ما أوجب القطيعة بينهما بصفة دائمة ، لان أساس الحياة الزوجية السكن ، والمودة ، والرحمة ، وهؤلاء قد فقدوا هذا الاساس ، وكانت عقوبتهما الفرقة المؤبدة . واختلف الفقهاء فيما إذا كذب الرجل نفسه ، فقال الجمهور : إنما لا يجتمعان أبدا ، وللاحاديث السابقة ، وقال أبو حنيفة : إذا كذب نفسه جلد الحد ، وجاز له أن يعقد عليها من جديد ، واستدل أبو حنيفة بأنه إذا كذب نفسه ، فقد بطل حكم اللعان ، فكما يلحق به الولد ، كذلك ترد الزوجة عليه ، وذلك أن السبب الموجب للتحريم إنما هو الجهل بتعيين صدق أحدهما . مع القطع بأن أحدهما كاذب ، وإذا انكشف ارتفع التحريم . متى تقع الفرقة ؟ تقع الفرقة إذا فرغ المتلاعنان من اللعان ، وهذا عند مالك . وقال الشافعي : تقع بعد أن يكمل الزوج لعانه . وقال أبو حنيفة ، وأحمد ، والثوري : لا تقع إلا بحكم الحاكم هل الفرقة طلاق أم فسخ ؟ يرى جمهور العلماء أن الفرقة الحاصلة باللعان فسخ . ويرى أبو حنيفة أنها طلاق بائن ، لان سببها من جانب الرجل ، ولا يتصور أو تكون من جانب المرأة ، وكل فرقة كانت كذلك تكون طلاقا لا فسخا ، فالفرقة هنا مثل فرقة العنين ، إذا كانت بحكم الحاكم . وأما الذين ذهبوا إلى الرأي الاول فدليلهم تأبيد التحريم ، فأشبه ذات المحرم ، وهؤلاء يرون أن الفسخ باللعان يمنع المرأة من استحقاقها النفقة في مدة العدة ، وكذلك السكنى ، لان النفقة والسكنى إنما يستحقان في عدة الطلاق لا في عدة الفسخ ، ويؤيد هذا ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما في قصة الملاعنة أن النبي صلى الله عليه وسلم " قضى ألا قوت لها ولا سكنى : من أجل أنهما يتصرفان من غير طلاق ولا متوفى عنها " . رواه أحمد وأبو داود . إلحاق الولد بأمه : إذا نفى الرجل ابنه ، وتم اللعان بنفيه له . انتفى نسبه من أبيه وسقطت نفقته عنه ، وانتفى التوارث بينهما ، ولحق بأمه ، فهي ترثه وهو يرثها ، لما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، قال : " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه ، ومن رماها به جلد ثمانين " . أخرجه أحمد . ويؤيد هذا الحديث الادلة الدالة على أن الولد للفراش . ولا فراش هنا : لنفي الزوج إياه . وأما من رماها به اعتبر قاذفا ، وجلد ثمانين جلدة ، لان الملاعنة داخلة في المحصنات ، ولم يثبت عليها ما يخالف ذلك ، فيجب على من رماها بابنها حد القذف ، ومن قذف ولدها يجب حده ، كمن قذف أمه سواء بسواء . وهذا بالنسبة للاحكام التي تلزمه . أما بالنسبة للاحكام التي شرعها الله للكافة . فإنه يعامل كأنه ابنه من باب الاحتياط فلا يعطيه زكاة ماله ، ولو قتله لاقصاص عليه ، وتثبت المحرمية بينه وبين أولاده ، ولا تجوز شهادة كل منهما للاخر ، ولا يعد مجهول النسب ، فلا يصح أن يدعيه غيره ، وإذا كذب نفسه ثبت نسب الولد منه ، ويزول كل أثر للعان بالنسبة للولد .

العدة ( 1 ) تعريفها : العدة : مأخوذة من العد والاحصاء : أي ما تحصيه المرأة وتعده من الايام والاقراء . وهي اسم للمدة التي تنتظر فيها المرأة وتمتنع عن التزويج بعد وفاة زوجها ، أو فراقه لها ( 1 ) . وكانت العدة معروفة في الجاهلية . وكانوا لا يكادون يتركونها . فلما جاء الاسلام أقرها لما فيها من مصالح . وأجمع العلماء على وجوبها ، لقول الله تعالى : " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " ( 2 ) . وقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس : " اعتدي في بيت أم مكتوم " .

( 2 ) حكمة مشروعيتها : ا - معرفة براءة الرحم حتى لا تختلط الانساب بعضها ببعض . ب - تهيئة فرصة للزوجين لاعادة الحياة الزوجية إن رأيا أن الخير في ذلك . ح‍ - التنويه بفخامة أمر النكاح حيث لم يكن أمرا ينتظم إلا بجمع الرجال ، ولا ينفك إلا بانتظار طويل . ولو لا ذلك لكان بمنزلة لعب الصبيان ينظم ثم يفك في الساعة . د - أن مصالح النكاح لا تتم حتى يوطنا أنفسهما على إدامة هذا العقد ظاهرا ، فإن حدث حادث يوجب فك النظام لم يكن بد من تحقيق صورة الادامة في الجملة بأن تتربص مدة تجد لتربصها بالا ، وتقاسى لها عناء ( 3 ) .

( 1 ) احتساب العدة يبدأ من حين وجود سببها ، وهو الطلاق أو الوفاة . ( 2 ) سورة البقرة 228 ( 3 ) من " حجة الله البالغة "

أنواع العدة : 1 - عدة المرأة التي تحيض ، وهي ثلاث حيض . 2 - عدة المرأة التي يئست من الحيض وهي ثلاثة أشهر . 3 - عدة المرأة التي مات عنها زوجها ، وهي أربعة أشهر وعشرا ، ما لم تكن حاملا . 4 - عدة الحامل حتى تضع حملها . وهذا إجمال نفصله فيما يلي : الزوجة إما أن تكون مدخولا بها أو غير مدخول بها . عدة غير المدخول بها : والزوجة غير المدخول بها إن طلقت فلا عدة عليها لقول الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ( 1 ) فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ( 2 ) " . فإن كانت غير مدخول بها ، وقد مات عنها زوجها فعليها العدة ، كما لو كان قد دخل بها ، لقوله تعالى : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " ( 3 ) . وإنما وجبت العدة عليها وإن لم يدخل بها وفاء للزوج المتوفى ومراعاة لحقه . عدة المدخول بها ( 4 ) : وأما المدخول بها ، فإما أن تكون من ذوات الحيض ، أو من غير ذوات الحيض :

( هامش ) ( 1 ) المس : الدخول . ( 2 ) سورة الاحزاب : آية 49 . ( 3 ) سورة البقرة : الاية 234 ، وحكمة التحديد بهذه المدة لانها التي تكمل فيها خلقة الولد وينفخ فيه الروح بعد مضي 120 يوما ، وهي زيادة على أربع أشهر لنقصان الاهلة فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط ، وذكر العشر مؤنثا لارادة الليالي . والمراد مع أيامها عند الجمهور . فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشرة . ( 4 ) يرى الاحناف والحنابلة والخلفاء الراشدون أن المقصود بالدخول الدخول حقيقة أو حكما

عدة الحائض : فإن كانت من ذوات الحيض فعدتها ثلاثة قروء ، لقول الله تعالى : " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " . والقروء جمع قرء . والقرء : الحيض . ورجح ذلك ابن القيم ، فقال : إن لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلا للحيض . ولم يجئ عنه في موضع واحد استعماله للطهر . فحمله في الاية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى ، بل يتعين . فإنه قد قال صلى الله عليه وسلم للمستحاضة : " دعي الصلاة أيام إقرائك " وهو صلى الله عليه وسلم المعبر عن الله ، وبلغة قومه نزل القرآن . فإذا أورد المشترك في كلامه على أحد معنييه ، وجب حمله في سائر كلامه عليه إذا لم يثبت إرادة الاخر في شئ من كلامه البتة . ويصير هو لغة القرآن التي خوطبنا بها ، وإن كان له معنى آخر في كلام غيره ، وإذا ثبت استعمال الشارع للقرء في الحيض علم أن هذا لغته ، فيتعين حمله عليها في كلامه . ويدل على ذلك ما في سياق الاية من قوله تعالى : " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " . وهذا هو الحيض والحمل عند عامة المفسرين . والمخلوق في الرحم إنما هو الحيض الوجودي . وبهذا قال السلف والخلف ، ولم يقل أحد إنه الطهر . وأيضا فقد قال سبحانه : " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر . واللائي لم يحضن وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن ( 1 ) " . فجعل كل شهر بإزاء حيضة وعلق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر والحيض . وقال في موضع آخر قوله تعالى : " فطلقوهن لعدتهن " . معناه : لاستقبال عدتهن ، لا فيها ، وإذا كانت العدة التي يطلق لها

( هامش ) أي أن الخلوة الصحيحة تعتبر دخولا تجب بها العدة ، وعند الشافعي في المذهب الجديد أن الخلوة لا تجب بها العدة . ( 1 ) سورة الطلاق آية 4

النساء مستقبلة بعد الطلاق ، فالمستقبل بعدها إنما هو الحيض ، فإن الطاهر لا تستقبل الطهر ، إذ هي فيه ، وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها ( 1 ) .

أقل مدة للاعتداد بالاقراء : قالت الشافعية : وأقل ما يمكن أن تعتد فيه الحرة بالاقراء : إثنان وثلاثون يوما وساعة ، وذلك بأن يطلقها في الطهر ويبقى من الطهر بعد الطلاق ساعة فتكون تلك الساعة قرءا ، ثم تحيض يوما ، ثم تطهر خمسة عشر يوما ، وهو القرء الثاني ، ثم تحيض يوما ، ثم تطهر خمسة عشر يوما ، وهو القرء الثالث . فإذا طعنت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها . وأما أبو حنيفة فأقل مدة عنده ستون يوما ، وعند صاحبيه تسعة وثلاثون يوما . فهي تبدأ عند الامام أبي حنيفة بالحيض عشرة أيام ، وهي أكثر مدته ، ثم بالطهر خمسة عشر يوما ، ثم بالحيض عشرة والطهر خمسة عشر ، ثم بالحيضة الثالثة ، ومدتها عشرة أيام ، فيكون المجموع ستين يوما ، فإذا مضت هذه المدة وادعت أن عدتها انتهت صدقت بيمينها ، وصارت حلالا لزوج آخر . أما الصاحبان فيحسبان لكل حيضة ثلاثة أيام ، وهي أقل مدته ، ويحسبان لكل من الطهرين المتخللين للحيضات الثلاث خمسة عشر يوما ، فيكون المجموع 39 يوما ( 2 ) .

عدة غير الحائض : وإن كانت من غير ذوات الحيض ، فعدتها ثلاثة أشهر ، ويصدق ذلك على الصغيرة التي لم تبلغ ، والكبيرة التي لا تحيض سواء أكان الحيض لم يسبق لها ، أو انقطع حيضها بعد وجوده . لقول الله تعالى : " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ، واللائي لم يحضن وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن ( 3 ) " .روى ابن أبي هاشم في تفسيره عن عمر بن سالم عن أبي بن كعب ، قال : قلت : يا رسول الله : إن أناسا بالمدينة يقولون في عدد النساء ، ما لم يذكر الله في القرآن ، الصغار والكبار وأولات الاحمال ، فأنزل الله سبحانه في هذه السورة : " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ، واللائي لم يحضن وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن " . فأجل إحداهن أن تضع حملها ، فإذا وضعت فقد قضت عدتها . ولفظ جرير ، قلت يا رسول الله إن ناسا من أهل المدينة لما نزلت هذه الاية التي في البقرة في عدة النساء قالوا : لقد بقي من عدد النساء عدد لم يذكرن في القرآن : الصغار والكبار التي قد انقطع عنها الحيض وذوات الحمل قال : فأنزلت التي في النساء القصرى : " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم " . وعن سعيد بن جبير في قوله " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم " يعني الايسة العجوز التي لا تحيض ، أو المرأة التي قعدت من الحيضة ، فليست هذه من القروء في شئ . وفي قوله " إن ارتبتم " في الاية ، يعني إن شككتم ، " فعدتهن ثلاثة أشهر " ، وعن مجاهد : إن ارتبتم ولم تعلموا عدة التي قعدت عن الحيض ، أو التي لم تحض فعدتهن ثلاثة أشهر . فقوله تعالى " إن ارتبتم " يعني إن سألتم عن حكمهن ولم تعلموا حكمهن وشككتم فيه فقد بينه الله لكم . حكم المرأة الحائض إذا لم تر الحيض : إذا طلقت المرأة وهي من ذوات الاقراء . ثم إنها لم تر الحيض في عادتها ، ولم تدر ما سببه ، فإنها تعتد سنة : تتربص مدة تسعة أشهر لتعلم براءة رحمها ، لان هذه المدة هي غالب مدة الحمل ، فإذا لم يبن الحمل فيها ، علم براءة الرحم ظاهرا ، ثم تعتد بعد ذلك عدة الايسات ثلاثة أشهر ، وهذا ما قضى به عمر رضي الله عنه . قال الشافعي : هذا قضاء عمر بين المهاجرين والانصار ، لا ينكره منهم منكر علمناه .

سن اليأس : اختلف العلماء في سن اليأس . فقال بعضهم : إنها خمسون ، وقال آخرون : إنها ستون ، والحق أن ذلك يختلف باختلاف النساء . قال شيخ الاسلام ابن تيمية : اليأس مختلف باختلاف النساء ، وليس له حد يتفق عليه النساء . والمراد بالاية أن إياس كل امرأة من نفسها ، لان اليأس ضد الرجاء . فإذا كانت المرأة قد يئست من المحيض ولم ترجه ، فهي آيسة وإن كان لها أربعون أو نحوها ، وغيرها لا تيأس منه وإن كان لها خمسون ( 1 ) .

عدة الحامل : وعدة الحامل تنتهي بوضع الحمل ، سواء أكانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها ، لقول الله تعالى : " وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن ( 2 ) " قال في زاد المعاد : ودل قوله سبحانه : " أجلهن أن يضعن حملهن " على أنها إذا كانت حاملا بتو أمين لم تنقض العدة حتى تضعهما جميعا . ودلت على أن من عليها الاستبراء فعدتها وضع الحمل أيضا . ودلت على أن العدة تنقضي بوضعه على أي صفة كان ، حيا أو ميتا ، تام الخلقة أو ناقصها ، نفخ فيه الروح أو لم ينفخ . عن سبيعة الاسلمية أنها كانت تحت سعد بن حواله وهو ممن شهد بدرا ، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل فلم تنشب ( 3 ) أن وضعت حملها بعد وفاته ، فلما تعلت ( 4 ) من نفاسها تجملت للخطاب ، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك - رجل من بني عبد الدار - فقال لها : مالي أراك متجملة ، لعلك ترتجين ( 5 ) النكاح ؟ إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرا ، قالت سبيعة : فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني

( هامش ) ( 1 ) ص 206 ج‍ 4 زاد المعاد ( 2 ) سورة الطلاق آية 4 . ( 3 ) ننشب : نلبث . ( 4 ) طهرت من دمها . ( 5 ) تطلبين

قد حللت حين وضعت حملي ، وأمرني بالتزوج إن بدالي . وقال ابن شهاب : ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت ، وإن كانت في دمها ، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر . أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه . والعلماء يجعلون قول الله تعالى : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ( 1 ) " خاصة بعدد الحوائل ( 2 ) ، ويجعلون قول الله تعالى في سورة الطلاق : " وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن " في عدد الحوامل فليست الاية الثانية معارضة للاولى . عدة المتوفى عنها زوجها : والمتوفى عنها زوجها عدتها أربعة أشهر وعشرا ، ما لم تكن حاملا ، لقول الله تعالى : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ، يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " . وإن طلق امرأته طلاقا رجعيا ، ثم مات عنها وهي في العدة اعتدت بعد الوفاة ، لانه توفي عنها وهي زوجته .

عدة المستحاضة : المستحاضة تعتد بالحيض . ثم إن كانت لها عادة فعليها أن تراعي عادتها في الحيض والطهر ، فإذا مضت ثلاث حيض انتهت العدة ، وإن كانت آيسة انتهت عدتها بثلاثة أشهر . وجوب العدة في غير الزواج الصحيح : من وطئ امرأة بشبهة وجبت عليها العدة ، لان وطء الشبهة كالوطء في النكاح في النسب ، فكان كالوطء في النكاح في إيجاب العدة . وكذلك تجب العدة في زواج فاسد إذا تحقق الدخول ( 3 ) . ومن زنى بامرأة لم تجب عليها

( هامش ) ( 1 ) سورة البقرة آية 234 . ( 2 ) الحوائل : غير الحوامل . ( 3 ) قالت الظاهرية : لا تجب العدة في النكاح الفاسد ، ولو بعد الدخول ، لعدم دليل على إيجابها من الكتاب والسنة

العدة ، لان العدة لحفظ النسب ، والزاني لايلحقه نسب ، وهو رأي الاحناف والشافعية والثوري ، وهو رأي أبي بكر وعمر . وقال مالك وأحمد : عليها العدة ، وهل عدتها ثلاث حيض أو حيضة تستبرى بها ؟ روايتان عن أحمد . تحول العدة من الحيض إلى العدة بالاشهر : إذا طلق الرجل زوجته وهي من ذوات الحيض ، ثم مات وهي في العدة ، فإن كان الطلاق رجعيا ، فإن عليها أن تعتد عدة الوفاة ، وهي أربعة أشهر وعشرا ، لانها لا تزال زوجة له ، ولان الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجة ، ولذلك يثبت التوارث بينهما إذا توفي أحدهما وهي في العدة . وإن كان الطلاق بائنا فإنها تكمل عدة الطلاق بالحيض ولا تتحول العدة إلى عدة الوفاة ، وذلك لانقطاع الزوجية بين الزوجين من وقت الطلاق ، لان الطلاق البائن يزيل الزوجية ، فتكون الوفاة حدثت وهو غير زوج ، ولذلك لا يرث أحدهما صاحبه إذا توفي أحدهما وهي في العدة إلا إذا اعتبر فارا .

طلاق الفار : وطلاق الفار أن يطلق المريض مرض الموت امرأته طلاقا بائنا بغير رضاها ، ثم يموت وهي في العدة ، فإنه يعتبر في هذه الحال فارا من الميراث ، ولهذا قال مالك " ترث ولو مات بعد انقضاء عدتها وبعد نكاح زوج آخر ، معاملة له بنقيض قصده . ويرى أبو حنيفة ومحمد أن الحكم في هذه الحال يتغير ، فتكون عدتها أطول الاجلين : عدة الطلاق أو عدة الوفاة ، فإن كانت عدة الطلاق أطول ، اعتدت بها ، وإن كانت عدة الوفاة هي الاطول ، كانت هي العدة . أي إذا انقضت الحيضات الثلاث في أكثر من أربعة أشهر وعشر اعتدت بها ، وإن كانت الاربعة أشهر وعشر أكثر من مدة الحيضات الثلاث اعتدت بها . وذلك كي لا تحرم المرأة من حقها في الميراث الذي أراد الزوج الفرار منه بالطلاق . وعند أبي يوسف أن المطلقة في هذه الحال تعتد عدة الطلاق وإن كانت مدتها أقل من أربعة أشهر وعشر . ويرى الشافعي في أظهر قوليه : أنها لا ترث كالمطلقة طلاقا بائنا في الصحة . وحجته أن الزوجية قد انتهت بالطلاق قبل الموت فقد زال السبب في الميراث . ولا عبرة بمظنة الفرار ، لان الاحكام الشرعية تناط بالاسباب الظاهرة لا بالنيات الخفية . واتفقوا على أنه إن أبانها في مرضه فماتت المرأة فلا ميراث له . وكذلك تتحول العدة من الحيض إلى الاشهر في حق من حاضت حيضة أو حيضتين ثم يئست من الحيض فإنها حينئذ يجب عليها أن تعتد بثلاثة أشهر ، لان إكمال العدة بالحيض غير ممكن ، لانقطاعه ، ويمكن إكمالها باستئنافها بالشهور والشهور بدل عن الحيض . تحول العدة من الاشهر إلى الحيض : إذا شرعت المرأة في العدة بالشهور لصغرها أو لبلوغها سن الاياس ثم حاضت ، لزمها الانتقال إلى الحيض . لان الشهور بدل عن الحيض فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود أصلها . وإن انقضت عدتها بالشهور ، ثم حاضت ، لم يلزمها الاستئناف للعدة بالاقراء ، لان هذا حدث بعد انقضاء العدة . وإن شرعت في العدة بالاقراء أو الاشهر ، ثم ظهر لها حمل من الزوج ، فإن العدة تتحول إلى وضع الحمل ، والحمل دليل على براءة الرحم من جهة القطع .

انقضاء العدة : إذا كانت المرأة حاملا فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل ، وإذا كانت العدة بالاشهر ، فإنها تحتسب من وقت ( 1 ) الفرقة أو الوفاة حتى تستكمل ثلاثة

( هامش ) ( 1 ) مذهب مالك والشافعي أن الطلاق إن وقع في أثناء الشهر اعتدت بقيته ، ثم اعتدت شهرين ، بالاهلة ، ثم اعتدت من الشهر الثالث تمام ثلاثين يوما . وقال أبو حنيفة : تحتسب بقية الاول وتعتد من الرابع بقدر ما فاتها من الاول تاما كان أم ناقصا

أشهر أو أربعة أشهر وعشرا ، وإذا كانت بالحيض فإنها تنقضي بثلاث حيضات وذلك يعرف من جهة المرأة نفسها ( 1 )

لزوم المعتدة بيت الزوجية : يجب على المعتدة أن تلزم بيت الزوجية حتى تنقضي عدتها ، ولا يحل لها أن تخرج منه ، ولا يحل لزوجها أن يخرجها منه ، ولو وقع الطلاق أن حصلت الفرقة وهي غير موجودة في بيت الزوجية وجب عليها أن تعود إليه بمجرد علمها : يقول الله تعالى : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ( 2 ) ، وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " ( 3 ) . وعن الفريعة بنت مالك بن سنان - وهي أخت أبي سعيد الخدري : أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة ، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا ( 4 ) ، حتى إذا كانوا بطرف القدوم ( 5 ) لحقهم فقتلوه ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي فإني لم يتركني في مسكن يملكه ولانفقة ؟ ، قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، قالت : فخرجت حتى إذا كنت في

( هامش ) ( 1 ) كانت بعض النساء تكذب وتدعي أن عدتها لم تنقض وأنها لم تر الحيضات الثلاث لتطول العدة ولتتمكن من أخذ النفقة مدة طويلة ، وكان ذلك مثارا لشكوى الرجال ، فتدارك القانون رقم 25 لسنة 1929 هذه الحال ، فجاء في المادة 17 منه ما نصه : " لا تسمع الدعوى لنفقة عدة لمدة تزيد على سنة من تاريخ الطلاق " . وجاء في المذكرة لايضاحية لهذه المادة : " فقطعا لهذه الادعاءات الباطلة ، وبناء على ما قرره الاطباء من أن أكثر مدة الحمل سنة وضعت الفقرة الاولى من المادة 17 ومنعت المعتدة من دعواها نفقة العدة لاكثر من سنة من تاريخ الطلاق ، فتقرر بذلك مدة استحقاق النفقة ، وليس معناه تحديد مدة العدة شرعا ، فان مدة العدة ثلاث حيضات " . ( 2 ) سورة الطلاق الاية 1 . ( 3 ) قال ابن عباس : الفاحشة المبينة أن تبذو على أهل زوجها فإذا بذت على الاهل حل إخراجها . ( 4 ) هربوا . ( 5 ) موضع على ستة أميال من المدينة

الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمربي فدعيت له فقال : كيف قلت ؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي ، فقال : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله . قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا . قالت : فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته ، فأتبعه وقضى به . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح . وكان عمر يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء ويمنعهن الحج . ويستثنى من ذلك المرأة البدوية إذا توفي عنها زوجها فإنها ترتحل مع أهلها إذ اكان أهلها من أهل الارتحال . وخالف في ذلك عائشة وابن عباس وجابر بن زيد والحسن وعطاء ، وروي عن علي وجابر . فقد كانت عائشة تفتي المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدتها وخرجت بأختها أم كلثوم ، حين قتل عنها طلحة بن عبد الله إلى مكة في عمرة . وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عطاء عن ابن عباس أنه قال : إنما قال الله عزوجل : تعتد أربعة أشهر وعشرا ، ولم يقل تعتد في بيتها ، فتعتد حيث شاءت . وروى أبو داود عن ابن عباس أيضا قال : نسخت هذه الاية عدتها عند أهله ، وسكتت في وصيتها ، وإن شاءت خرجت ، لقول الله تعالى : " فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ( 1 ) " قال عطاء : ثم جاء الميراث فنسخ السكنى تعتد حيث شاءت . اختلاف الفقهاء في خروج المرأة في العدة : وقد اختلف الفقهاء في خروج المرأة في العدة . فذهب الاحناف إلى أنه لا يجوز للمطلقة الرجعية ولا للبائن الخروج من بيتها ليلا ولانهارا . وأما المتوفى عنها زوجها فتخرج نهارا وبعض الليل ، ولكن لا تبيت إلا في منزلها . قالوا : والفرق بينهما أن المطلقة نفقتها في مال زوجها ، فلا يجوز لها الخروج كالزوجة ، بخلاف المتوفى عنها زوجها فإنها لانفقة لها ، فلابد أن تخرج بالنهار لاصلاح حالها . قالوا : وعليها أن تعتد في المنزل الذي يضاف إليها بالسكنى حال وقوع الفرقة . وقالوا : فإن كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها ، أو أخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت ، لان هذا عذر ، والكون في بيتها عبادة ، والعبادة تسقط بالعذر ، وعندهم : ان عجزت عن كراء البيت الذي هي فيه لكثرته ، فلها أن تنتقل إلى بيت أقل كراء منه . وهذا من كلامهم يدل على أن أجرة المسكن عليها . وإنما تسقط السكنى عنها لعجزها عن أجرته ، ولهذا صرحوا بأنها تسكن في نصيبها من التركة إن كفاها . وهذا لانه لاسكنى عندهم للمتوفى عنها زوجها - حاملا كانت أو حائلا - ( 1 ) وإنما عليها أن تلزم مسكنها الذي توفي زوجها وهي فيه ، ليلا ونهارا . فإن بدله لها الورثة ، وإلا كانت الاجرة عليها . ومذهب الحنابلة جواز بالخروج نهارا ، سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها . قال ابن قدامة : وللمعتدة الخروج في حوائجها نهارا ، سواء كانت مطلقة أو متوفي عنها زوجها ، قال جابر : طلقت خالتي ثلاثا فخرجت تجد ( 2 ) نخلها فلقيها رجل فنهاها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : " أخرجي فجذي نخلك لعلك أن تتصدقي منه أو تفعلي خيرا " رواه النسائي وأبو داود ، وروى مجاهد ، قال : استشهد رجال يوم أحد فجاء نساؤهم رسول الله ، وقلن : يارسول الله نستوحش بالليل أفنبيت عند إحدانا ؟ فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا ؟ فقال : " تحدثن عند إحداكن حتى إذا أردتن النوم فلتؤب كل واحدة إلى بيتها " . وليس لها المبيت في غير بيتها ، ولا الخروج ليلا إلا لضرورة ، لان الليل

( هامش ) ( 1 ) وعند الحنابلة لاسكنى لها إذا كانت حائلا ، وإن كانت حاملا ففي روايتين . وللشافعي قولان . وعند مالك أن لها السكنى . ( 2 ) تجذ : تقطع

مظنة الفساد ، بخلاف النهار ، فإن فيه قضاء الحوائج والمعاش وشراء ما يحتاج إليه . حداد المعتدة : يجب على المرأة أن تحد على زوجها المتوفى مدة العدة ، وهذا متفق عليه بين الفقهاء واختلفوا في المطلقة طلاقا بائنا . فقال الاحناف : يجب عليها الاحداد . وذهب غيرهم إلى أنه لا حداد عليها . وتقدم في المجلد الاول حقيقة الحداد ( 1 ) .

نفقة المعتدة : اتفق الفقهاء على أن المطلقة طلاقا رجعيا تستحق النفقة والسكنى . واختلفوا في المبتوتة ؟ فقال أبو حنيفة : لها النفقة والسكنى مثل المطلقة الرجعية ، لانها مكلفة بقضاء مدة العدة في بيت الزوجية ، فهي محتبسة لحقه عليها فتجب لها النفقة ، وتعتبر هذه النفقة دينا صحيحا من وقت الطلاق ، ولا تتوقف على التراضي ولاقضاء القاضي ، ولا يسقط هذا الدين إلا بالاداء أو الابراء . وقال أحمد : لا نفقة لها ولاسكنى ، لحديث فاطمة بنت قيس : أن زوجها طلقها البتة ، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم : " ليس لك عليه نفقة " . وقال الشافعي ومالك : لها السكنى بكل حال ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملا ، لان عائشة وابن المسيب أنكرا على فاطمة بنت قيس حديثها ، قال مالك : سمعت ابن شهاب يقول : المبتوتة لا تخرج من بيتها حتى تحل ، وليست لها نفقة ، إلا أن تكون حاملا فينفق عليها حتى تضع حملها ، ثم قال : وهذا الامر عندنا .

الحضانة معناها : الحضانة مأخوذة من الحيض ، وهو ما دون الابط إلى الكشح ، وحضنا الشئ جانباه ، وحضن الطائر بيضه إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحه ، وكذلك المرأة إذا ضمت ولدها . وعرفها الفقهاء : بأنها عبارة عن القيام بحفظ الصغير ، أو الصغيرة ( 1 ) ، أو المعتوه الذي لا يميز ولا يستقل بأمره ، وتعهده بما يصلحه ، ووقايته مما يوذيه ويضره ، وتربيته جسميا ونفسيا وعقليا ، كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسئولياتها . والحضانة بالنسبة للصغير أو للصغيرة واجبة ، لان الاهمال فيها يعرض الطفل للهلاك والضياع . الحضانة حق مشترك : الحضانة حق للصغير لاحتياجه إلى من يرعاه ، ويحفظه ، ويقوم على شئونه ، ويتولى تربيته . ولامه الحق في احتضانه كذلك ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " أنت أحق به " . وإذا كانت الحضانة حقا للصغير فإن الام تجبر عليها إذا تعينت بأن يحتاج الطفل إليها ولم يوجد غيرها ، كي لا يضيع حقه في التربية والتأديب .

( هامش ) ( 1 ) ولابد من الصغر أو العته في إيجاب الحضانة أما البالغ الرشيد فلا حضانة عليه ، وله الخيار في الاقامة عند من شاء من أبويه ، فان كان ذكرا فله الانفراد بنفسه ، لاستغنائه عنهما ويستحب أن لا ينفرد عنهما ولا يقطع بره عنهما ، وإن كانت جارته لم يكن لها الانفراد ولابيها منعها منه لانه لا يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها ويلحق العار بها وبأهلها ، فإن لم يكن لها أب فلوليها وأهلها منعها من ذلك

فإن لم تتعين الحضانة بأن كان للطفل جدة ورضيت بإمساكه وامتنعت الام فإن حقها في الحضانة يسقط بإسقاطها إياه ، لان الحضانة حق لها . وقد جاء في بعض الاحكام التي أصدرها القضاء الشرعي ما يؤيد هذا ، فقد أصدرت محكمة جرجا في 23 / 7 / 1933 ما يلي : " إن لكل من الحاضنة والمحضون حقا في الحضانة ، إلا أن حق المحضون أقوى من حق الحاضنة ، وإن إسقاط الحاضنة حقها لا يسقط حق الصغير " . وجاء في حكم محكمة العياط في 7 أكتوبر سنة 1928 : " إن تبرع غير الام بنفقة المحضون الرضيع لا يسقط حقها في حضانة هذا الرضيع ، بل يبقى في يدها ولا ينزع منها مادام رضيعا . وذلك حتى لا يضار الصغير بحرمانه من أمه التي هي أشفق الناس عليه وأكثرهم صبرا على خدمته ( 1 ) " .

الام أحق بالولد من أبيه : أسمى لون من ألوان التربية هو تربية الطفل في أحضان والديه ، إذ ينال من رعايتهما وحسن قيامهما عليه ما يبني جسمه وينمي عقله ، ويزكي نفسه ويعده لحياة . فإذا حدث ان افترق الوالدان وبينهما طفل ، فالام أحق به من الاب ، ما لم يقم بالام مانع يمنع تقديمها ( 2 ) ، أو بالولد وصف يقتضي تخييره ( 3 ) . وسبب تقديم الام أن لها ولاية الحضانة والرضاع ، لانها أعرف بالتربية وأقدر عليها ، ولها من الصبر في هذه الناحية ما ليس للرجل ، وعندها من الوقت ما ليس عنده ، لهذا قدمت الام رعاية لمصلحة الطفل . فعن عبد الله بن عمرو أن امرأة قالت : يارسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء ( 4 ) ، وحجري له حواء ( 5 ) وثديي له سقاء ، وزعم أبوه أنه ينزعه مني ، فقال : " أنت أحق به ما لم تنكحي " .

( هامش ) ( 1 ) أحكام الاحوال الشخصية للدكتور مخمد يوسف موسى . ( 2 ) بأن لا تتوفر فيها الشروط التي يجب توفرها في الحاضنة . ( 3 ) وهو الاستغناء عن خدمة النساء . ( 4 ) الوعاء : الاناء . ( 5 ) الحجر : الحضن ، وحواء : أي يحويه ويحيط به ، والسقاء : وعاء الشرب

اخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه . وعن يحيى بن سعيد قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : كانت عند عمربن الخطاب امرأة من الانصار ، فولدت له عاصم بن عمر ، ثم إن عمر فارقها ، فجاء عسر قباء - فوجد ابنه عاصما يلعب بفناء المسجد . فأخذ بعضده فوضعه بين يديه على الدابة ، فأدركته جدة الغلام ، فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق . فقال عمر : ابني ، وقالت المرأة : ابني . فقال أبو بكر : خل بينها وبينه . فما راجعه عمر الكلام ( 1 ) . رواه مالك في الموطأ . قال ابن عبد البر : هذا الحديث مشهور من وجوه منقطعة ومتصلة ، تلقاه أهل العلم بالقبول . وفي بعض الروايات أنه قال له : " الام أعطف وألطف وأرحم وأحنى وأخير وأرأف ، وهي أحق بولدها ما لم تتزوج " . وهذا الذي قاله أبو بكر رضي الله عنه من كون الام أعطف وألطف هو العلة في أحقية الام بولدها الصغير .

ترتيب أصحاب الحقوق في الحضانة : وإذا كانت الحضانة للام ابتداء فقد لاحظ الفقهاء أن قرابة الام تقدم على قرابة الاب ، وأن الترتيب بين أصحاب الحق في الحضانة يكون على هذا النحو . الام : فإذا وجد مانع يمنع تقديمها ( 2 ) انتقلت الحضانة إلى أم الام ، وإن علت . فإن وجد مانع انتقلت إلى أم الاب ، ثم إلى الاخت الشقيقة . ثم الاخت لام ، ثم الاخت لاب ، ثم بنت الاخت الشقيقة فبنت الاخت لام . ثم الخالة الشقيقة ، فالخالة لام . فالخالة لاب . ثم بنت الاخت لاب . ثم بنت الاخ الشقيق ، فبنت الاخ لام ، فبنت الاخ لاب ، ثم العمة الشقيقة ، فالعمة

( هامش ) ( 1 ) وكان مذهب عمر مخالفا لمذهب أبي بكر ، ولكنه سلم للقضاء ممن له الحكم والامضاء ، ثم كان بعد في خلافته يقضي به ويفتي . ولم يخالف مذهب أبي بكر مادام الصبي لا يميز ، ولا مخالف لهما من الصحابة ، أفاده ابن القيم . ( 2 ) كأن فقدت شرطا من شروط الحضانة التي ستأتي بعد

لام فالعمة لاب ، ثم خالة الام ، فخالة الاب ، فعمة الام ، فعمة الاب ، بتقديم الشقيقة في كل منهن . فإذا لم توجد للصغير قريبات من هذه المحارم ، أو وجدت وليست أهلا للحضانة ، انتقلت الحضانة إلى العصبات من المحارم ، من الرجال على حسب الترتيب في الارث . فينتقل حق الحضانة إلى الاب ، ثم أبي أبيه ، وإن علا ، ثم إلى الاخ الشقيق ، ثم إلى الاخ الاب ، ثم ابن الاخ الشقيق ، ثم ابن الاخ الاب ، ثم الغم الشقيق ، فالعم لاب ، ثم عم أبيه الشقيق ، ثم عم أبيه لاب . فإذا لم يوجد من عصبته من الرجال المحارم أحد ، أو وجد وليس أهلا للحضانة ، انتقل حق الحضانة إلى محارمه من الرجال غير العصبة . فيكون للجد لام ، ثم للاخ لام ، ثم لابن الاخ لام ، ثم للعم لام ، ثم للخال الشقيق ، فالخال لاب ، فالخال لام . فإذا لم يكن للصغير قريب عين القاضي له حاضنة تقوم بتربيته . وإنما كان ترتيب الحضانة على هذا النحو ، لان حضانة الطفل أمر لابد

منه ، وأولى الناس به قرابته ، وبعض القرابة أولى من بعض . فيقدم الاولياء لكون ولاية النظر في مصالحه إليهم ابتداءا ، فإذا لم يكونوا موجودين ، أو كانوا ووجد ما يمنعهم من الحضانة ، انتقلت إلى الاقرب فالاقرب . فإن لم يكن ثمة قريب ، فإن الحاكم مسئول عن تعيين من يصلح للحضانة .

شروط الحضانة : يشترط في الحاضنة التي تتولى تربية الصغير وتقوم على شئونه ، الكفاءة والقدرة على الاضطلاع بهذه المهمة ، وإنما تتحقق القدرة والكفاءة بتوفر شروط معينة ، فإذا لم يتوفر شرط منها سقطت الحضانة ، وهذه الشروط هي : 1 - العقل : فلا حضانة لمعتوه ، ولا مجنون ، وكلاهما لايستطيع القيام بتدبير نفسه ، فلا يفوض له أمر تدبير غيره ، لان فاقد الشئ لايعطيه ( . ) 2 - البلوغ : لان الصغير ولو كان مميزا في حاجة إلى من يتولى أمره ويحضنه ، فلا يتولى هو أمر غيره . 3 - القدرة على التربية : فلا حضانة لكفيفة ، أو ضعيفة البصر ، ولا لمريضة مرضا معديا ، أو مرضا يعجزها عن القيام بشئونه ، ولا لمتقدمة في السن تقدما يحوجها إلى رعاية غيرها لها . ولا لمهملة لشئون بيتها كثيرة المغادرة له ، بحيث يخشى من هذا الاهمال ضياع الطفل وإلحاق الضرر به . أو لقاطنة مع مريض مرضا معديا ، أو مع من يبغض الطفل ، ولو كان قريبا له ، حيث لا تتوفر له الرعاية الكافية ، ولا الجو الصالح . 4 - الامانة والخلق : لان الفاسقة غير مأمونة على الصغير ولا يوثق بها في أداء واجب الحضانة ، وربما نشأ على طريقتها ومتخلقا بأخلاقها ، وقد ناقش ابن القيم هذا الشرط فقال : " مع أن الصواب أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعا وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي رحمهما الله وغيرهم . واشتراطها في غاية البعد . ولو اشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم ، ولعظمت المشقة على الامة ، واشتد العنت ولم يزل من حين قام الاسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم ، لا يتعرض لهم أحد في الدنيا مع كونهم هم الاكثرين ، ومتى وقع في الاسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه ، وهذا في الحرج والعسر واستمرار العمل المتصل في سائر الامصار والاعصار على خلافة بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح ، فإنه دائم الوقوع في الامصار والاعصار والقرى والبوادي مع أن أكثر الاولياء الذين يلون ذلك فساق ، ولم يزل الفسق في الناس . " ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة فاسقا في تربية ابنه وحضانته له ، ولامن تزويجه موليته . والعادة شاهدة بأن الرجل لو كان من الفساق فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها . ويحرص على الخير لها بجهده وإن قدر خلاف ذلك فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد . والشارع يكتفي في ذلك على الباعث الطبيعي . ولو كان الفاسق مسلوب الحضانة وولاية النكاح لكان بيان هذا للامة من أهم الامور واعتناء الامة بنقله وتوارث العمل به مقدما على كثير مما نقلوه وتوارثوا العمل به . فكيف يجوز عليهم تضييعه واتصال العمل بخلافه ، ولو كان الفسق ينافي الحضانة ، لكان من زنى ، أو شرب الخمر ، أو أتى كبيرة فرق بينه وبين أولاده الصغار والتمس لهم غيره . والله أعلم . 5 - الاسلام : فلا تثبت الحضانة للحاضنة الكافرة للصغير المسلم ، لان الحضانة ولاية ، ولم يجعل الله ولاية للكافر ، على المؤمن " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ( 1 ) " ، فهي كولاية الزواج والمال ، ولانه يخشى على دينه من الحاضنة لحرصها على تنشئته على دينها ، وتربيته على هذا الدين ، ويصعب عليه بعد ذلك أن يتحول عنه ، وهذا أعظم ضرر يلحق بالطفل ففي الحديث : " كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " وذهب الاحناف وابن القاسم من المالكية وأبو ثور إلى أن الحضانة تثبت للحاضنة مع كفرها وإسلام الولد لان الحضانة لا تتجاوز رضاع الطفل وخدمته ، وكلاهما يجوز من الكافرة . وروى أبو داود والنسائي : أن رافع بن سنان أسلم ، وأبت امرأته أن تسلم ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : ابنتي - وهي فطيم . أو شبهه ، وقال رافع : ابنتي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم أهدها " فمالت إلى أبيها فأخذها ( 2 ) . . والاحناف وإن رأوا جواز حضانة الكافرة ، إلا أنهم اشترطوا : أن لا تكون مرتدة ، لان المرتدة عندهم تستحق الحبس حتى تتوب وتعود إلى الاسلام أو تموت في الحبس ، فلا تتاح لها الفرصة لحضانة الطفل ، فإن تابت وعادت عاد لها حق الحضانة ( 3 ) .

( هامش ) ( 1 ) سورة النساء آية 141 . ( 2 ) ضعف العلماء هذا الحديث وقال ابن المنذر : يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنها تختار أباها بدعوته فكان ذلك خاصا في حقه . ( 3 ) وكذلك يعود حق الحضانة إذا سقط لسبب وزال هذا السبب الذي كان علة في سقوطه

6 - أن لا تكون متزوجة : فإذا تزوجت سقط حقها في الحضانة . لما رواه عبد الله بن عمرو " أن امرأة قالت : يا رسول الله أن ابني هذا كان بطني له وعاء ، وحجري له حواء ، وثديي له سقاء ، وزعم أبوه أنه ينزعه مني ، فقال : " أنت أحق به ما لم تنكحي " أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه . وهذا الحكم بالنسبة للمتزوجة بأجنبي فإن تزوجت بقريب محرم من الصغير ، مثل عمه ، فإن حضانتها لا تسقط ، لان العم صاحب حق في الحضانة وله من صلته بالطفل وقرابته منه ما يحمله على الشفقة عليه ورعاية حقه فيتم بينهما التعاون على كفالته . بخلاف الاجنبي . فإنها إذا تزوجته فإنه لا يعطف عليه ولا يمكنها من العناية به . فلا يجد الجو الرحيم ولاالتنفس الطبيعي ولا الظروف التي تنمي ملكاته ومواهبه . ويرى الحسن وابن حزم أن الحضانة لا تسقط بالتزويج بحال . . 7 - الحرية : إذ أن المملوك مشغول بحق سيده فلا يتفرغ لحضانة الطفل . قال ابن القيم : وأما اشتراط الحرية فلا ينتهض عليه دليل يركن القلب إليه ، وقد اشترط أصحاب الائمة الثلاث . وقال مالك رحمه الله في حر له ولد من أمة : " إن الام أحق به إلا أن تباع فتنتقل فيكون الاب أحق به " وهذا هو الصحيح .

أجرة الحضانة : أجرة الحضانة مثل أجرة الرضاع ، لا تستحقها الام مادامت زوجة ، أو معتدة ، لان لها نفقة الزوجية ، أو نفقة العدة ، إذا كانت زوجة أو معتدة . قال الله تعالى : " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له ( 1 ) رزقهن وكسوتهن بالمعروف " . أما بعد انقضاء العدة فإنها تستحق الاجرة كما تستحق أجرة الرضاع ،

( هامش ) ( 1 ) سورة البقرة 223 - وفي هذا دلالة على أن الوالدة لا تستحق الاجرة مادامت زوجة أو معتدة لقول الله سبحانه : " فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ، فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ، وأتمروا بينكم بمعروف . وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى " ( 1 ) . وغير الام تستحق أجرة الحضانة ، من وقت حضانتها ، مثل الظئر التي تستأجر لرضاع الصغير . وكما تجب أجرة الرضاع وأجرة الحضانة على الاب تجب عليه أجرة المسكن أو إعداده إذا لم يكن للام مسكن مملوك لها تحضن فيه الصغير . وكذلك تجب عليه أجرة خادم ، أو إحضاره ، إذا احتاجت إلى خادم وكان الاب موسرا . وهذا بخلاف نفقات الطفل الخاصة من طعام وكساء وفراش وعالج ونحو ذلك من حاجاته الاولية التي لا يستغني عنها ، وهذه الاجرة تجب من حين قيام الحاضنة بها وتكون دينا في ذمة الاب لا يسقط إلا بالاداء أو الابراء .

التبرع بالحضانة : إذا كان في أقرباء الطفل من هو أهل للحضانة وتبرع بحضانته وأبت أمه أن تحضنه إلا بأجرة . فإن كان الاب موسرا فإنه يجبر على دفع أجرة للام ، ولا يعطى الصغير للمتبرعة ، بل يبقى عند أمه ، لان حضانة الام أصلح له ، والاب قادر على إعطاء الاجرة . ويختلف الحكم في حالة ما إذا كان الاب معسرا فإنه يعطى للمتبرعة لعسره وعجزه عن أداء الاجرة مع وجود المتبرعة ممن هو أهل للحضانة من أقرباء الطفل . هذا إذا كانت النفقة واجبة على الاب . أما إذا كان للصغير مال ينفق منه عليه فإن الطفل يعطى للمتبرعة صيانة لماله من جهة ، ولوجوده من يحضنه من أقاربه من جهة أخرى . وإذا كان الاب معسرا والصغير لا مال له ، وأبت أمه أن تحضنه إلابأجرة ، ولا يوجد من محارمه متبرع بحضانته ، فإن الام تجبر على حضانته ، وتكون الاجرة دينا على الاب لا يسقط إلا بالاداء أو الابراء . انتهاء الحضانة : تنتهي الحضانة إذا استغنى الصغير أو الصغيرة عن خدمة النساء وبلغ سن التمييز والاستقلال ، وقدر الواحد منهما على أن يقوم وحده بحاجاته الاولية بأن يأكل وحده ، ويلبس وحده ، وينظف نفسه وحده . وليس لذلك مدة معينة تنتهي بانتهائها . بل العبرة بالتمييز والاستغناء . فإذا ميز الصبي واستغنى عن خدمة النساء وقام بحاجاته الاولية وحده فإن حضانتها تنتهي . والمفتى به في المذهب الحنفي وغيره : أن مدة الحضانة تنتهي إذا أتم الغلام سبع سنين ، وتنتهي كذلك إذا أتمت البنت تسع سنين . وإنما رأوا الزيادة بالنسبة للبنت الصغيرة لتتمكن من اعتياد عادات النساء من حاضنتها . وقد جاء تحديد سن الحضانة في القانون رقم 25 لسنة 1929 مادة 20 ما نصه : ( وللقاضي أن يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبع سنين إلى تسع . وللصغيرة بعد تسع سنين إلى إحدى عشرة سنة إذا تعين أن مصلحتها تقتضي ذلك ) فتقدير مصلحة الصغير أو الصغيرة موكول للقاضي . وأوضحت المذكرة التفسيرية لهذا القانون هذه المادة بما نصه : " جرى العمل إلى الان ، على أن حق الحضانة ينتهي عند بلوغ سن الصغير سبع سنين وبلوغ الصغيرة تسعا . وهي سن دلت التجاوب على أنها قد لا يستغني فيها الصغير والصغيرة عن الحضانة ، فيكونان في خطر من ضمهما إلى غير النساء ، خصوصا إذا كان والدهما متزوجا بغير أمهما . ولذلك كثرت شكوى النساء من انتزاع أولادهن منهن في ذلك الوقت ، ولما كان المعول عليه في مذهب الحنفية أن الصغير يسلم إلى أبيه عند الاستغناء عن خدمة النساء ، والصغيرة تسلم إليه عند بلوغ حد الشهوة . وقد اختلف الفقهاء في تقدير السن التي يكون عندها الاستغناء بالنسبة للصغير . فقدرها بعضهم بسبع سنين ، وبعضهم قدرها بتسع ، وقدر بعضهم بلوغ حد الشهوة بتسع سنين ، وبعضهم قدره بإحدى عشرة . رأت الوزارة أن المصلحة داعية إلى أن يكون للقاضي حرية النظر في تقدير مصلحة الصغير بعد سبع ، والصغيرة بعد تسع . فإن رأى مصحلتهما في بقائهما تحت حضانة النساء فقضى بذلك إلى تسع في الصغير وإحدى عشرة في الصغيرة . وإن رأى مصلحتهما في غير ذلك قضى بضمهما إلى غير النساء ( المادة 20 ) ( 1 ) في السودان : وقد قرر الاستاذ الدكتور محمد يوسف موسى أن العمل في المحاكم الشرعية بالسودان كان جاريا على أن الولد تنتهي حضانته ببلوغه سبع سنين ، والانثى ببلوغها تسع سنين ، إلى أن صدر في السودان منشور شرعي رقم 34 في 12 \ 12 \ 1932 وجاء في المادة الاولى منه : " وللقاضي أن يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبع سنين إلى البلوغ ، وللصغيرة بعد تسع سنين إلى الدخول . إذا تبين أن مصلحتهما تقتضي ذلك . وللاب وسائر الاولياء تعهد المحضون عند الحاضنة وتأديبه وتعليمه " . ثم نص المنشور نفسه بعد ذلك في المادة الثانية منه على ما يأتي : " لا أجرة للحضانة بعد سبع سنين للصغير ، وبعد تسع للصغيرة " .

( هامش ) ( 1 ) راجع مشروع قانون الاحوال الشخصية ، ففي الفقرة الاولى من المادة 175 تقرر الحكم الذي جاء بالمادة 20 التي نحن بصددها ، وفي الفقرة الثانية أن الحضانة تمتد من نفسها إذا كانت الحاضنة أما إلى 11 سنة للصغير و 13 للصغيرة ويجوز للقاضي مدها كذلك إذا كانت أم الام ، كما أن له أن يأذن ببقاء الصغيرين مع الام أو أمها إلى سن الخامسة عشرة ، ونحن نعتقد أن الخير في الوقوف عندما جاءت به المادة 20 من قانون 25 لسنة 29 وهو القانون المعمول به حتى اليوم . ( هامش ) أحكام الاحوال الشخصية ص 416 للدكتور محمد يوسف موسى . ( . ) / صفحة 348 / وفي المادة الثالثة : لو زوج الاب المحضونة ، قاصدا بتزويجها إسقاط الحضانة ، فلا تسقط بالدخول حتى تطيق . وإذا رجعنا إلى النشرة العامة رقم 18 \ 6 \ 1942 الصادرة في الخرطوم في تاريخ 5 \ 12 \ 1942 نجدها شرحت هذه المواد السابقة وخلاصتها ما يأتي : 1 - أن المنشور الشرعي رقم 34 زاد سن حضانة الغلام إلى البلوغ ، والبنت إلى الدخول ، وهذا على غير ما عرف من مذهب أبي حنيفة ، وهذه هي الحالة الخاصة التي خالف فيها المنشور مذهب أبي حنيفة . عملا بمذهب مالك . ويظهر أنها حالة استثنائية يلزم للسير فيها الاتي : 1 - لا يمد القاضي مدة الحضانة إلا إذا طلبت الحاضنة من المحكمة الاذن لها ببقاء المحضون بيدها ، لان المصلحة تقتضي ذلك مع بيان المصلحة ، أو تمانع في تسليم المحضون للعاصب لهذا السبب نفسه . فإذا لم يوافق العاصب على بقاء المحضون بيده الحاضنة تكلف الحاضنة تقديم أدلتها ، أو تتولى المحكمة تحقيق وجه المصلحة للغلام أو البنت ، فإذا لم تقدم أدلة ، أو قدمت ولم تكن كافية للاثبات ولم يتضح للمحكمة أن المصلحة تقتضي بقاء المحضون بيد الحاضنة ، فإن المحكمة تحلف العاصب اليمين بطلب الحاضنة فإن حلف على أن مصلحة المحضون لا تقتضي بقاءه بيد الحاضنة حكمت بتسليمه إليه ، وإن نكل رفضت دعواه . 2 - أما إذا لم تعارض الحاضنة في ضم المحضون للعاصب أو لم تحضر أصلا فإنه يجب على المحكمة تطبيق أحكام مذهب الامام أبي حنيفة ، ويسلم المحضون الذي جاوز سن الحضانة للعاصب متى كان أهلا لذلك ، ولا يطالب بإثبات أن مصلحة المحضون تقتضي بذلك . 3 - إذا كانت الحاضنة غائبة عند طلب تسليم الصغيرة فلها أن تعارض في الحكم وتطلب بقاءه في يدها ، وتتخذ المحكمة نفس الاجراءات التي اتبعت مع الحاضنة الحاضرة . 4 - إذا أفتت المحكمة ببقاء المحضون بين النساء لمصلحة تقتضي ذلك ، ثم تغير وجه المصلحة ، وعرض عليها النزاع مرة أخرى أجاز لها ، بعد أن تتحق من أنه لم يبق للمحضون مصلحة تقتضي بقاءه بيد الحاضن إن تقرر نزعه وتسليمه للعاصب ( 1 ) .

تخيير الصغير والصغيرة بعد انتهاء الحضانة : وإذا بلغ الصغير سبع سنين ، أو سن التمييز وانتهت حضانته ، فإن اتفق الاب والحاضنة على إقامته عند واحد منهما أمضي هذا الاتفاق . وإن اختلفا أو تنازعا ، خير ( 2 ) الصغير بينهما ، فمن اختاره منهما فهو أولى به ، لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يارسول الله : ان زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة ( 3 ) ، وقد نفعني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا أبوك وهذه أمك . فخذ بيد أيهما شئت " . فأخذ بيد أمه . فانطلقت به . رواه أبو داود . وقضى بذلك عمر وعلي وشريح ، وهو مذهب الشافعي والحنابلة ، فإن اختارهما ، أو لم يختر واحدا منهما ، قدم أحدهما بالقرعة . وقال أبو حنيفة : الاب أحق به . . . ولا يصح التخيير ، لانه لا قول له ولا يعرف حظه . وربما اختار من يلعب عنده ويترك تأديبه ويمكنه من شهواته ، فيؤدي إلى فساده ولانه دون البلوغ . فلم يخير كمن دون السابعة . وقال مالك : الام أحق به حتى يثغر . وهذا بالنسبة للصغير ، أما الصغيرة فأنها تخير مثل الصغير عند الشافعي . وقال أبو حنيفة : الام أحق بها حتى تزوج أو تبلغ . وقال مالك : الام أحق بها حتى تزوج ويدخل بها الزوج .

( هامش ) ( 1 ) الدكتور محمد يوسف موسى أحكام الاحوال الشخصية في الفقه ص 516 وما بعدها . ( 2 ) يشترط في تخيير الصغير : 1 - أن يكون المتنازعون فيه من أهل الحضانة . ب - ألا يكون الغلام معتوها . فان كان معتوها كانت الام أحق بكفالته ولو بعد البلوغ ، لانه في هذه الحالة كالطفل والام أشفق عليه وأقوم بمصالحه كما في حال الطفولة . ( 3 ) بئر بعيدة عن المدينة نحو ميل .

وعند الحنابلة : الاب أحق بها من غير تخيير إذا بلغت تسعا ، والام أحق بها إلى تسع سنين . والشرع ليس فيه نص عام في تقديم أحد الابوين مطقا ، ولا تخيير الولد بين الابوين مطلقا . . والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا . بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البار العادل المحسن . والمعتبر في ذلك القدرة على الحفظ والصيانة . فإن كان الاب مهملا لذلك ، أو عاجزا عنه ، أو غير مرض والام بخلافه فهي أحق بالحضانة ، كما أفاده ابن القيم . قال : " فمن قدمناه بتخيير ، أو قرعة ، أو بنفسه ، فإنما نقدمه إذا حصلت به مصلحة الولد " . ولو كانت الام أصون من الاب وأغير منه قدمت عليه ولا التفات إلى قرعة ولا اختيار للصبي في هذه الحالة ، فإنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب ، فإذا اختار من يساعده على ذلك لم يلتفت إلى اختياره ، وكان عند من هو أنفع له وأخير ، ولا تحتمل الشريعة غير هذا . والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال : " مروهم بالصلاة لسبع ، واضربوهم على تركها لعشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع " . والله تعالى يقول : " يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ( 1 ) " . وقال الحسن : " علموهم . وأدبوهم ، وفقهوهم " . فإذا كانت الام تتركه في المكتب وتعلمه القرآن ، والصبي يؤثر اللعب ومعاشرة أقرانه ، وأبوه يمكنه من ذلك . فإنها أحق به بلا تخيير ولا قرعة . وكذلك العكس . ومتى أخل أحد الابوين بأمر الله ورسوله في الصبي وعطله ، والآخر مراع له ، فهو أحق وأولى به . قال : وسمعت شيخنا ( 2 ) رحمه الله يقول :تنازع أبوان صبيا عند بعض الحكام ، فخيره بينهما ، فاختار أباه ، فقالت له أمه : اسأله لاي شئ يختار أباه ، فسأله . فقال : أمي تبعثني كل يوم للكتاب ، والفقيه يضربني ، وأبي يتركني للعب مع الصبيان ، فقضى به للام . قال : أنت أحق به . قال : قال شيخنا : وإذا ترك أحد الابوين تعليم الصبي وأمره الذي أوجبه الله تعالى عليه ، فهو عاص ولا ولاية له عليه ، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له . بل إما أن يرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب . إذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب الامكان . انتهى . الطفل بين أبيه وأمه : قال الشافعية : فإن كان ابنا فاختار الام كان عندها بالليل ويأخذه الاب بالنهار في مكتب أو صنعة ، لان القصد حظ الولد ، وحظ الولد فيما ذكرناه ، وإن اختار الاب كان عنده بالليل والنهار ، ولا يمنعه من زيارة أمه ، لان المنع من ذلك إغراء بالعقوق وقطع الرحم ، فإن مرض كانت الام أحق بتمريضه ، لانه بالمرض صار كالصغير في الحاجة إلى من يقوم بأمره ، فكانت الام أحق به ، وإن كانت جارية فاختارت أحدهما كانت عنده بالليل والنهار ، ولا يمنع الآخر من زيارتها من غير إطالة وتبسط ، لان الفرقة بين الزوجين تمنع من تبسط أحدهما في دار الاخر ، وإن مرضت كانت الام أحق بتمريضها في بيتها ، وإن مرض أحد الابوين والولد عند الآخر لم يمنع من عيادته ، وحضوره عند موته لما ذكرناه ، وإن اختار أحدهما فسلم إليه ثم اختار الاخر حول إليه ، وإن عاد فاختار الاول أعيد إليه لان الاختيار إلى شهوته ، وقد يشتهي المقام عند أحدهما في وقت ، وعند الاخر في وقت ، فاتبع ما يشتهيه كما يتبع ما يشتهيه من مأكول ومشروب . الانتقال بالطفل : قال ابن القيم : فإن كان سفر أحدهما لحاجة ثم يعود والآخر مقيم فهو أحق ، لان السفر بالولد الطفل - ولا سيما إذا كان رضيعا إضرار به وتضييع له ، هكذا أطلقوه ولم يستثنوا سفر الحج من غيره . وإن كان أحدهما منتقلا عن بلد لاخر للاقامة والبلد وطريقه مخوفان أو أحدهما ، فالمقيم أحق . وإن كان هو وطريقه آمنين ، ففيه قولان : وهما روايتان عن أحمد رحمه الله . ( إحداهما ) أن الحضانة للاب ليتمكن من تربية الولد وتأديبه وتعليمه ، وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله ، وقضى به شريح . ( والثانية ) أن الام أحق . وفيها قول ثالث : إن كان المنتقل هو الاب فالام أحق به وإن كان الام فإن انتقلت إلى البلد الذي كان فيه أصل النكاح فهي أحق به . وان انتقلت إلى غيره فالاب أحق . وهذا قول أبي حنيفة . وحكوا عن أبي حنيفة رحمه الله ، رواية أخرى : أن نقلها إن كان من بلد إلى قرية فالاب أحق ، وإن كان من بلد إلى بلد فهي أحق ، وهذه أقوال كلها كما ترى لا يقوم عليها دليل يسكن القلب إليه . فالصواب النظر والاحتياط للطفل في الاصلح له ، والانفع الاقامة أو النقلة . فأيهما كان أنفع له وأصون وأحفظ روعي . ولا تأثير لاقامة ولا نقلة . هذا كله ما لم يرد أحدهما بالنقلة مضارة الاخر ، وانتزاع الولد منه ، فإن أراد ذلك لم يجب إليه . والله الموفق .

أحكام القضاء ( 1 ) : وللقضاء الشرعي أحكام يعسر إحصاؤها في القضايا الخاصة ومشاكلها ، وللكثير من هذه الاحكام دلالات وقواعد صدرت عنها ومبادئ قررتها ، ونكتفي هنا بأن نشير إلى هذه الاحكام . الحكم الاول : وقد صدر من محكمة كرموز الجزئية بتاريخ 10 إبريل 1932 وتأيد من محكمة الاسكندرية الابتدائية في 29 . مايو سنة 1932 وهو يقضي برفض دعوى أب طلب ضم ابنته الصغيرة إليه ، لاقامة أمها وهي زوجته في بلد بعيد عن البلد الذي كان محل إقامتهما ، وفيه عقد زواجها ، وهذا يسقط حقها شرعا في الحضانة . وقد استندت المحكمة في حكمها إلى أن الثابت فقها أن الام أحق بالحضانة قبل الفرقة وبعدها . وأن نشوز الزوجة لا يسقط حقها في الحضانة ، وعلى الاب إذا أراد ضم الصغير إليه أن يطلب دخول أمه في طاعته مادامت الزوجية قائمة ، فإن لم يفعل وطلب ضم الصغير وحده كان ظالما ولا يجاب إلى طلبه ، لان ذلك يفوت على الام حضانته وحق رويته . وهكذا قرر هذا الحكم هذه القاعدة : " إذا انتقلت أم الصغير بولدها ولو إلى مكان بعيد فليس للاب حق نزعه منها مادامت الزوجية قائمة . لان له عليها سلطان الزوجية وإدخالها في طاعته ، فيضمه بضمها إليه . وكذلك المعتدة لوجوب إسكانها بمسكن العدة " . الحكم الثاني : وقد صدر من محكمة ببا الجزئية في 25 مايو سنة 1931 وتأيد استئنافيا من محكمة بني سويف الكلية في 20 يوليو سنة 1931 وقد قرر هذه القاعدة : " يرفض طلب الاب ضم ابنه الصغير إليه ، لعدم تمكنه من الحضور من بلده إلى بلد أمه وحاضنته لرؤيته والعودة قبل الليل ، مادامت الام مقيمة في بلد هو وطنها ، ولم يكن بينه وبين بلد الاب التي ابتعد هو عنها تفاوت كبير يمنعه من الذهاب لرؤية ولده والعودة إلى بلده قبل الليل ، سواء أكان ابتعاده عن ذلك البلد بإرداته أم بغير إرادته " . لانه لا ذنب للحاضنة في هذا على كل حال . ويؤخذ من وقائع هذه الدعوى . أن المدعي كان قد تزوج المدعي عليها في بلدها بني مزار ، ثم رزقت منه حال قيام الزوجية ببنت وطلقت منه في البلد المذكور وانتهت عدتها بوضع الحمل ، ثم أقامت المدعي عليها دعوى بمدينة نبا وأخذت عليه حكما من محكمتها بحضانة الصغيرة بتاريخ 29 أكتوبر سنة 1930 حين كان المدعي مقيما ببني مزار ، وانتهى الامر باقامته بأسيوط بحكم / صفحة 354 / وظيفته حيث رفع هذه الدعوى طالبا ضم ابنته إليه وهي لا تزيد سنها عن سنتين وثمانية أشهر ( 1 ) . الحكم الثالث : وقد صدر من محكمة دمنهور في 25 اكتوبر سنة 1927 ولم يستأنف وهو يقرر في حيثياته أن المنصوص عليه شرعا أن غير الام من الحاضنات ليس لها نقل الصغير من بلد أبيه إلا بإذنه . ولكن بعض الفقهاء حمل المنع على المكانين المتفاوتين ، بحيث لو خرج الاب لرؤية ولده لا يمكنه الرجوع إلى منزله قبل الليل لا المتقاربين ، حيث لم يفرق بين الام وغيرها في ذلك ( 2 ) . وهكذا نرى أنه من الضروري الوقوف على أحكام القضاء التي تعتبر تطبيقا عمليا للنصوص الفقهية ، ففيها تعالج مشاكل الحياة العملية وينظر القاضي لهذه النصوص على ضوء الواقع في الحياة نفسها .



الفهرس
الصفحة السابقة - 10 - الصفحة التالية
1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20