- - كتاب النكاح المكتبة الرئيسية مكتبة الشيخ محمد بن عبدالوهاب المجلد 2: الفقة
كتاب النكاح
الشيخ محمد بن عبدالوهاب
1115 هـ - 1206 هـ
باب أركان النكاح وشروطه

أركانه الإيجاب والقبول . فإن فهمت إشارة الأخرس وكتابته صح ، وفي كتابة القادر على النطق وجهان . فإن تقدم الإيجاب على القبول لم يصح ، وقال مالك والشافعي : : يصح ، وإذا عقده هازلا أو تلجئه صح لحديث : " ثلاث هزلهن جدّ وجدّهن جد : الطلاق والنكاح والرجعة " نقل أبو طالب عن أحمد في رجل مشى إلى قوم فقالوا له : زوِّج فلاناً ، فقال : قد زوجته على ألف ، فرجعوا إلى الزوج فأخبروه فقال : قد قبلت ، هل يكون هذا نكاحاً ؟ قال : نعم ( ولا يثبت خيار الشرط ، ولا خيار المجلس في النكاح لا نعلم فيه خلافاً ) .
وشروطه خمسة :
( أحدها ) تعيين الزوجين ، فإن كانت حاضرة فقال : زوجتك هذه صح . وإن قال : زوجتك إبنتي ولم يكن له غيرها صح. وإن كان له اثنتان لم يصح . قال أحمد في رجل خطب جارية فزوجوه أختها ثم علم بعد : يفرق بينهما ويكون الصداق على وليها لأنه غرة ، وتجهز إليه أختها بالصداق الأول . يعني والله أعلم بعقد جديد بعد انقضاء عدة هذه . وقال في رجل تزوج امرأة فأدخلت عليه أختها : لها المهر بما أصاب منها ولأختها المهر ويرجع على وليها . هذه مثل التي بها برص وجذام ، عليّ يقول : ليس عليه غرم ، وهذا ينبغي أن يكون في امرأة جاهلة بالحال ، أما إذا علمت فهي زانية . وروي عن علي في رجلين تزوجا امرأتين فزفت كل امرأة إلى زوج الأخرى : لهما الصداق ويعتزل كل واحد منهما امرأته حتى تنقضي عدتها ، وبه قال الشافعي وإسحق .

( الثاني ) رضا الزوجين وإلا لم يصح إلا الأب له تزويج أولاده الصغار وبناته الأبكار بغير إذنهم ، أما الغلام العاقل فلا نعلم خلافاً في أن لأبيه تزويجه ، وأما الغلام المعتوه فله تزوجيه . وقال الشافعي : لا يجوز . وليس لغير الأب أو وصيه تزويج الغلام قبل بلوغه ، وقال الشافعي : يملك وليه تزويجه ، وللأب تزويج ابنته التي لم تبلغ تسع سنين بغير خلاف إذا وضعها في كفاءة مع كراهتها وامتناعها . ودل على تزويج الصغيرة قوله : " واللائي لم يحضن " ، وتزوجت عائشة وهي ابنة ست . وفي البكر البالغة العاقلة روايتان : إحداهما له إجبارها وهو مذهب مالك والشافعي ، والثانية ليس له وهو قول أصحاب الرأي وابن المنذر لقوله " ولا البكر حتى تستأذن " ووجه الأولى قوله : " الأيم أحق بنفسها من وليها ، والبكر تستأمر " فدل على أن الاستئمار غير واجب ، وعن أحمد لا يجوز تزويج ابنة تسع بغير إذنها والمشهور عنه الجواز وهو مذهب مالك والشافعي وسائر الفقهاء .

ولا يجوز للأب ولا لغيره تزويج الثيب إلا بإذنها في قول عامة أهل العلم إلا الحسن . وقال النخعي : يزوج بنته إذا كانت في عياله . قال اسماعيل ابن اسحق : لا نعلم أحداً قال في الثيب بقول الحسن وهو قول شاذ فإن الخنساء زوجها أبوها وهي ثيب فكرهت ذلك فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم نكاحه ، قال ابن عبد البر : هو حديث مجمع على صحته ولا نعلم مخالفاً إلا الحسن ، فأما الثيب الصغيرة فقيل : لا يجوز ، وهو مذهب الشافعي للعموم ، وقيل يجوز وهو قول مالك . ولا نعلم خلافاً أن السيد إذا زوج أمته بغير إذنها أنه يصح ثيباً كانت أو بكراً صغيرة أو كبيرة . وله تزويج عبده الصغير بغير إذنه في قول أكثر أهل العلم ، ولا يملك إجبار عبده الكبير إذا كان عاقلا ، وقال مالك : له ذلك لقوله تعالى : " وأنكحوا الأيامى منكم " الآية . ولنا أن الأمر بإنكاحه مختص بحال طلبه بدليل عطفه على الأيامى . ويجوز أن يتزوج لعبده بإذنه ، وأن يأذن للعبد فيتزوج لنفسه ، ويجوز أن يأذن له مطلقاً ومعيناً ، وله أن يعين له المهر ، وله أن يطلق. وليس لسائر الأولياء تزويج كبيرة إلا بإذنها إلا المجنونة إذا ظهر لهم ميلها إلى الرجل . وقال الشافعي : الجد كالأب في الإجبار . وليس له تزويج صغيرة بحال ، وعنه لهم ذلك ولها الخيار إذا بلغت لقوله تعالى : " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى " الآية ، مفهومه إنه إذا لم يخف فله تزويج اليتيمة ، وعنه لهم تزويجها إذا بلغت تسع سنين لقوله : " تستأمر اليتيمة في نفسه ، فإن سكتت فهو إذنها ، فإن أبت فلا جواز عليها " رواه أبو داود ، وقد انتفى الإذن فيمن لم تبلغ تسع سنين فوجب حمله على من بلغتها . ويستحب للأب استئذان البكر للأمر به . ويستحب استئذان المرأة في تزويج ابنتها لقوله : " آمروا النساء في بناتهن " . ولا نعلم خلافاً في أن إذن الثيب الكلام للخبر ، وأما البكر فإذنها صماتها في قول عامة أهل العلم ، وقال أصحاب الشافعي : في صماتها في حق غير للأب وجهان ، وهذا شذوذ وترك للسنة الصحيحة يصان الشافعي عن إضافته إليه . ولا فرق بين الثيوبة بوطء مباح أو محرم . وقال مالك : المصابة بالفجور كالبرك ، فأما زوال البكارة بأصبع أو وثبة فلا تغير صفة الإذن . وإذا اختلفا في الإذن قبل الدخول فالقول قولها في قول أكثر الفقهاء . والمحجور عليه للسفه لوليه تزويجه إذا علم حاجته ، فإن زوجه بغير إذنه ففي الصحة احتمالان ، فإن تزوج بغير إذن وليه فقيل : يصح . وقيل : إن أمكنه استئذان وليه لم يصح إلا بإذن . وإن طلب النكاح فأبى وليه ففيه وجهان .
( الثالث ) الولي ، فإن زوجت المرأة نفسها أو غيرها لم يصح ، روي عن عمر وعلي وغيرهما . وقال أبو حنيفة : لها أن تزوج نفسها لأن الله تعالى قال : " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " أضاف النكاح إليهن ونهى عن منعهن منه ، ولنا قوله : " لا نكاح إلا بولي " قال المروزي سألت أحمد ويحي عنه فقالا : صحيح ، وعن عائشة مرفوعاً : " أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل " الخ رواه أبو داود وغيره . فإن قيل : فالزهري راويه وقد أنكره ، قال ابن جريج سألته عنه فلم يعرفه ، قلنا لم يقله عن ابن جريج إلا ابن عليه ، كذلك قال أحمد ويحيى ، ولو ثبت لم يكن حجة لأنه نقله ثقات عنه فلو نسيه لم يضره لأن النسيان لم يعصم منه إنسان ، وأما الآية فإن عضلها الامتناع من تزويجها وهذا يدل على أن إنكاحها إلى الولي ، وعنه لها تزويج أمته ومعتقتها فيخرج منه أن لها تزويج نفسها بإذن وليها لقوله : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها " ، والمذهب الأول لقوله : " لا نكاح إلا بولي " . وأحق الناس بنكاح المرأة أبوها وبه قال الشافعي ، وقال مالك واسحاق : الابن أولى ثم أبوه وإن علا وهو قول الشافعي ، وعنه أن الإبن مقدم على الجد ، وعن أحمد أن الأخ يقدم على الجد فإن عدم الأب وأبوه فابنها ثم ابنه وان نزل ، وقال الشافعي : لا ولاية للابن إلا أن يكون ابن عم أو مولى أو حاكما . ولنا حديث أم سلمة وفيه : قم يا عمر فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم أخوها لأبويها ثم لأبيها ، وعنه أنهما سواء ، ثم بنو الإخوة وإن سفلوا ثم العم ثم ابنه ثم الأقرب فالأقرب في العصبة .

ولا ولاية لغير العصبات كالأخ من الأم والخال ونص عليه وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة ، والثانية : أن كل من يرث بفرض أو تعصيب يلي ثم المولى المنعم ثم عصباته ثم السلطان وبه قال مالك والشافعي وإسحق ، واختلف عن أحمد في والي البلد فقال في موضع يزوج لأنه ذو سلطان فيدخل في عموم الحديث . وإذا استولى أهل البغي على بلد جرى حكم سلطانهم وقاضيهم في ذلك مجرى الإمام ، واختلفت الرواية في المرأة تسلم على يد رجل هل هو ولي لها فيزوجها أم لا ولاية له ؟ فإن لم يوجد ولي ولا ذو سلطان فعن أحمد يزوجها رجل عدل ، وقال في دهقان قرية : يزوج من لا وليّ لها إذا احتاط لها في الكفء والمهر إذا لم يكن في الرستاق قاض .

ويشترط في الوي ستة شروط : العقل ، والحرية ، والإسلام إن كانت المرأة مسلمة ، والذكورة ، والبلوغ ، والعدالة . وفي كونها شرطاً روايتان . قال أحمد : أصح شيء في هذا قول ابن عباس : لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد . وعنه ليست شرطاً وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي . وإن عضل الأقرب زوَّج الأبعد ، وعنه يزوج الحاكم لقوله : " فإن اشتجروا فالسلطان ولي من ولا ولي له " سواء طلبت التزويج بمهر المثل أو دونه ، وقال أبو حنيفة : لهم منعها . وإن غاب غيبة منقطعة زوَّج الأبعد ، وهي ما لا يقطع إلا بمشقة ، وقال الشافعي : يزوجها الحاكم ، ولنا قوله : " السلطان ولي من لا ولي له " وقال الشافعي : يزوجها الحاكم وإن كان الولي قريباً ، وقال بعض أصحابنا : يزوجها في مسافة القصر . ولا يلي مسلم نكاح كافرة إلا سيد الأمة أو ولي سيدها أو السلطان لقوله تعالى : " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض " . وسيد الأمة الكافرة يلي تزويجها لكافر وكذلك ولي سيدتها ، فأما السلطان فله الولاية على من لا ولي لها من أهل الذمة . وإذا زوج الأبعد من غير عذر للأقرب لم يصح ، وقال مالك : يصح لأنه ولي ، وعنه يقف على الإجازة وهذا قول أصحاب الرأي في كل مسألة يعتبر فيها الإذن روي ذلك في النكاح بغير ولي عن علي وابن سيرين والقاسم واسحق لحديث التي خيرها لما زوجها أبوها وهي كارهة رواه أبو داود ، ووجه الأول قوله : " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل " وقال : " إذا نكح العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل " رواه أبو داود وقال هو موقوف على ابن عمر ، وكذلك الحكم إذا زوج الأجنبي أو تزوجت المرأت المعتبر إذنها ( بغير إذنها ) أو تزوج العبد بغير إذن سيده فالنكاح في هذا كله باطل في أصح الروايتين .

ويجوز التوكيل في النكاح سواء كان الولي حاضراً أو غائباً مجبراً وغير مجبر لأنه صلى الله عليه وسلم وكل أبا رافع في تزويج ميمونه وعمرو بن أمية في تزويج أم حبيبة . ويجوز مطلقاً ومقيداً . فالمقيد في تزوج الرجل نفسه والمطلق التوكيل في تزويج من يرضاه . وهل تستفاد ولاية النكاح بالوصية ؟ فيه روايتان . وإذا استووا في الدرجة قدم أفضلهم استحباباً لقوله : " كبر كبر " أي قدم الأكبر .

وإذا كان لها وليان فأذنت لكل منهما في معين أو مطلق فزوجاها لرجلين وعلم السابق منهما فالنكاح له سواء دخل بها الثاني أو لم يدخل ، وقال مالك : إن دخل بها الثاني فهي له لقول عمر : إذا نكح وليان فالأول أحق ما لم يدخل بها الثاني . ولنا ما روى سمرة وعقبة عنه صلى الله عليه وسلم قال : " أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول " وأخرج حديث سمرة أبو داود والترمذي وأخرجه النسائي عنه وعن عقبة وروى نحوه عن علي ، وحديث عمر لم يصححه أصحاب الحديث ، فإن جهل الأول منهما فسخ النكاحان ، وعنه يقرع بينهما . والولي إذا أذنت له أن يتزوجها فله ذلك . وهل له أن يلي طرفي العقد بنفسه ؟ فيه روايتان . وروى البخاري أن عبد الرحمن بن عوف فعله . ولأبي داود عن المغيرة أنه أمر رجلا أن يزوجه امرأة المغيرة أولى بها . وإذا قال السيد لأمته أعتقتك وجعلت عتقك صداقك صح روي عن علي وفعله أنس ، وقال الشافعي ومالك : لا يصح . ولنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها . ولا بأس أن يعتق الأمة ويتزوجها وكرهه أنس .

( الرابع ) الشهادة ، فلا ينعقد إلا بشاهدين عدلين بالغين ، روي عن عمر وعلي وغيرهما ، وعنه يصح بغير شهود فعله ابن عمر وابن الزبير وهو قول مالك إذا أعلنوه ، قال ابن المنذر لا يثبت في الشاهدين في النكاح خبر ، وقد أعتق صفية وتزوجها بغير شهود . وقال يزيد بن هرون : أمر الله بالإشهاد في البيع دون النكاح ، فاشترطه أصحاب الرأي للنكاح دون البيع .

( الخامس ) كون الرجل كفؤاً ، فلو رضيت المرأة والأولياء بغيره لم يصح في إحدى الروايتين ، والثانية : ليست شرطاً وهي أصح ، وهو قول أكثر أهل العلم لقوله تعالى : " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " وفي البخاري أن أبا حذيفة أنكح سالماً ابنة أخيه الوليد بن عقبة ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة ، وزوج أباه زيداً بنت عمته زينب وقال ابن مسعود لأخته : أنشدك الله ألا تنكحي إلا مسلماً وإن كان أحمر رومياً أو أسود حبشياً . فإن لم يرض بعض الأولياء فله الفسخ ، وقال أبو حنيفة : إذا رضيت المرأة وبعض الأولياء لم يكن للباقي فسخ . وقال مالك والشافعي : ليس لهم فسخ إذا زوج الأقرب لأنه لا حق للأبعد معه . والكفاءة الدين والنسب ، وقال مالك الكفاءة في الدين لا غير والعرب بعضهم لبعض أكفاء ، وعنه لا تزوج قرشيه لغير قرشي ولا هاشمية لغير هاشمي لقوله : " اصفطفى قريشاً من بني كنانة " وقال عثمان : إخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم علينا .



الفهرس
الصفحة السابقة - 2 - الصفحة التالية
1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6