- - البلد الحرام المكتبة الرئيسية المكتبة الإسلامية مقدسات
البلد الحرام

[ALIGN=CENTER]
الفصل الأول :
فضائل البلد الحرام وبعض أحكامه[/ALIGN]
1- حرمة مكة بلد الله الحرام :
إن الله ـ عز وجل ـ اصطفى هذه البقعة وحرمها منذ خلق السماوات والأرض قال تعالى : { إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيءٍ * وأمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيءٍ * وأمرت أن أكون من المسلمين (91) } . ( النمل : 91) . ودل على ذلك أيضاً حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة : " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة .. " .

وقد أعلن خليل الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ حرمة مكة ، وبنى وطهر بيت الله الكعبة ، وأذن في الناس بالحج ، فقد روى البخاري عن عبد الله بن زيد بن عاصم ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها ، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم ـ عليه السلام لمكة" .
وهذا لا يعارض ما ذكره الله من أن مكة محرمة منذ خلق السماوات والأرض ، قال الحافظ ابن كثير بعد ذكر الأحاديث الدالة على أن إبراهيم هو الذي حرم مكة : " لا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ حرمها ، لأن إبراهيم بلغ عن الله حكمه فيها وتحريمه إياها ، إنها لم تزل بلداً حراماً قبل بناء إبراهيم عليه السلام لها ، كما أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوباً عند الله خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته ومع هذا قال إبراهيم عليه السلام : { ربنا وابعث فيهم رسولاً مهم } ( البقرة : 129) . وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره ، ولهذا جاء في الحديث إنهم قالوا : يا رسول الله ، أخبرنا عن بدء أمرك ؟ فقال : دعوة إبراهيم ـ عليه السلام ـ وبشرى عيسى بن مريم ، ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام .

وفي بناء إبراهيم البيت وابنه إسماعيل ـ عليهما السلام ـ البيت يقول تعالى : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا * إنك أنت السميع العليم (127)} ( البقرة : 127) .

وفي تطهير إبراهيم ـ عليه السلام ـ لبيت الله وأذانه للناس بالحج يقول تعالى : { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍ عميقٍ (27) } ( الحج : 26،27) .

وقد أكد على عظيم حرمة البيت والحرم وبقاء هذه الحرمة ودوامها إلى يوم القيامة رسولنا محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ بعدما أحلها الله له ساعة من نهار لتطهيرها من الأوثان والشرك وأعمال الجاهلية .
وعادت حرمتها ومكانتها كما كانت ـ فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، وإنها لن تحل لأحد كان قبلي ، وإنها أحلت لي ساعة من نهار ، وإنها لن تحل لأحد بعدي .. " . فمكة حرمها الله إلى يوم القيامة .
وإن تلك الحرمة حاصلة للمسجد الحرام وما أحاط به من جوانبه جعل الله ـ عز وجل ـ حكمها حكمه في الحرمة وتشريفاً لمكة وبيته الحرام .

2- قسم الله تعالى بها في كتابه :
لقد أقسم الله سبحانه وتعالى بالبلد الحرام في آيات عديدة من كتابه الكريم ، دلالة علىعظمة المقسم به ، وتنبيهاً إلى مكانته ورفعة منزلته عند الله سبحانه ، قال تعلى : { والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3) } ، والتعبير بهذه الصيغة يدل على عظيم شأن هذا البلد الحرام ، فقد عظمه الله حين أقسم به ، وفي ضمن القسم أشار إليه باسم الإشارة (هذا) الذي يدل على قرب مكانته عند الله ـ عز وجل ـ ثم وصفه بـ ( الأمين ) . وهو فعيل بمعنى فاعل أي آمن .
وقال تعالى : { لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حلٌ بهذا البلد (2)} ( البلد : 1:2) ، وهذا قسم آخر استخدم فيه أسلوب آخر بالقسم المؤكد مع استخدام اسم الإشارة أيضاً (بهذا) .

3- دعوة إبراهيم ـ الخليل ـ عليه السلام ـ لمكة وأهلها :
لقد ذكر لنا ربنا ـ عز وجل ـ في كتابه الكريم أن إبراهيم خليل الرحمن ـ عليه السلام ـ بعد أن أسكن ولده إسماعيل وزوجه هاجر عليهما السلام دعا لأهل هذا البلد وساكنيه . فدعا أن يجعله بلداً آمناً ، وأن يجنب بنيه عبادة الأصنام ، ودعا أن يجعل قلوب المسلمين تميل وتهفو إليهم وإلى بلدهم .
• ودعا أن يرزقهم من الثمرات .
• ودعا أن يبعث فيهم نبياً منهم .

فهذه دعوات مباركات من خليل الرحمن أبي الأنبياء ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذكرها كلها ربنا ـ عز وجل ـ في كتابه الكريم . فقال تعالى : { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35) رب إنهن أضللن كثيراً من الناس * فمن تبعني فإنه مني * ومن عصاني فإنك غفور رحيمٌ (36) ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} ( إبراهيم : 35 : 37) .

وقال عز وجل : { ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم (129) } ( البقرة : 129) .
واستجاب الله الدعاء المبارك فرزق أهل هذا الوادي غير ذي الزرع من الثمرات تجبى إليه من كل حدب وصوب ، حتى تجد فيه فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ، فسبحان الله المجيب ، والحمد لله الوهاب .

وامتنان الله ـ عز وجل ـ على أهل هذا البلد الحرام بذلك هو من باب تذكيرهم بفضل النعمة وتحذيرهم من سوء الأدب في بيته ، ويدل على ذلك قوله تعالى : { أولم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيءٍ رزقاً من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57)} ( القصص : 57) .

وأما دعوة إبراهيم الخليل بأن تميل قلوب المسلمين نحوهم وتشتاق إلى بلدهم ، فقد استجاب الله دعوته فجعل هذا البيت مثابة للناس يثوبون إليه ولا يشبعون من المجيء إليه . بل كلما صدروا أحبوا الرجوع إليه والمثابة إليه .
لما جعل الله في قلوب المؤمنين من المحبة له والشوق إلى المجيء إليه .

قال ابن عباس ومجاهد وسعدي بن جبير لو قال : أفئدة الناس لازدحم عليهم فارس والروم واليهود والنصارى والناس ، كلهم ولكن قال : " من الناس " فاختُص به المسلمون .

وأما دعوة خليل الرحمن لهذه الأمة فقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في بعث رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً في الأميين ، وكذا في سائر الإنس والجن . فعن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني عند الله لخاتم النبيين . وإن آدم ـ عليه السلام ـ لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بأول ذلك دوعة أبي إبراهيم وبشارة وعيسى بي ، ورؤيا أمي التي رأت .. " .

4- أحب البلاد إلى الله :
لقد وردت النصوص الشرعية المثبتة أن هذا البلد الحرام هو أفضل البلاد وأحبها عند الله ـ عز وجل ـ وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة " ما أطيبك من بلد ، وما أحبك إليّ ، ولولا أن قومك أخرجوني ما سكنت غيرك " .

وعن عبد الله بن عدي بن حمراء قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفاً على الحزورة فقال : " إنك لخير أرض الله ، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أُخْرِجْت منك ما خرجت ؟ .

5- لا يدخلها الدجال :
لقد كرم الله ـ عز وجل ـ بلده الأمين مكة وبلد رسوله صلى الله عليه وسلم المدينة بأن لا يدخلهما الدجال ، وهيّأ لهما من ملائكته من يحميهما منه فلا يتمكن الدجال ، من دخول مكة حرم الله وبلده الآمن ، ولا طيبة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك ما رواه البخاري عن أنس ـ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ، ليس من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها ، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كل كافر ومنافق " .

وفي خبر تميم الداري ـ رضي الله عنه ـ عند الإمام مسلم وفيه من قول المسيح الدجال : ( إني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرمتان علي كلتاهما ،كلما أردت أدخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني مَلَكٌ بيده السيف صلتاً يصدني عنها ، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها ) .
فنعوذ بالله من فتنة الدجال .

6- مآزر الإيمان :
روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما كان ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها " .
قال النووي :" أي مسجدي مكة والمدينة " .

7- مضاعفة أجر الصلاة في المسجد الحرام :
إن المسجد الحرام لما كان أول بيت وضع للناس ، أكرم الله تعالى المصلين فيه بمضاعفة الصلوات فيه إلى أضعاف كثيرة . وهذا فضل عظيم لهذا البيت الكريم من الله الرؤوف الرحيم لعباده المؤمنين المصلين .
فيا خسارة من سكن مكة أم القرى ، وجاور البيت العتيق وفتح له هذا الباب من الخير العظيم والأجر المضاعف ثم هو يعرض عن أداء فريضة الله ويهمل الصلاة . فمن أعظم من هذا خسارة وحسرة وندماً .
فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " .

وعن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه " .

وهل هذه المضاعفة والفضل للصلاة في المسجد الحرام المحيط بالكعبة فقط أم يشمل الحرم كله ؟ فيه خلاف بين أهل العلم ، فمن مخصص هذه المضاعفة بالمسجد المحيط بالكعبة فقط ، ومن معمم هذا الفضل في الحرم كله .
وقد رجح كثير من العلماء أن مضاعفة الصلاة يشمل الحرم كله ، وممن قال بهذا الإمام التابعي الجليل عطاء بن أي رباح المكي إمام أهل مكة في زمانه ، فقد سأله الربيع بن صبيح فقال له : ( يا أبا محمد هذا الفضل الذي يذكر في المسجد الحرام وحده أو في الحرم كله ؟ فقال عطاء : بل في الحرم كله ، فإن الحرم كله مسجد ) .

وممن قال به الإمام بن القيم وله فيه بحث نفيس . وهو رأي الجمهور ، ورجحه من المعاصرين الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ .
ومع هذا فال شك أن الصلاة في المسجد الحرام المحيط بالكعبة أفضل ، وتبعث في النفس الطمأنينة وانشراح الصدر وكثرة الجمع ، والقرب من الكعبة .
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى مضاعفة الحسنات عموماً في البلد الحرام . وهو قول الإمام أحمد واختيار النووي .

وقال شيخ الإسلام : ( والصلاة وغيرها من القرب بمكة أفضل ، والمجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان ، وتضاعف السيئة بمكان أو زمان فاضل ذكره القاضي وابن الجوزي ).



الفهرس
الصفحة السابقة - 2 - الصفحة التالية
1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6