المكتبة الرئيسية مكتبة الشيخ محمد بن عبدالوهاب المجلد 4: الفقة 3
مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
الشيخ محمد بن عبدالوهاب
1115 هـ - 1206 هـ
وأجابته همدان فدفع إليهم يعوق. فكان بقرية لها خيوان. تعبده همدان ومن والاها من اليمن.
وأجابته حمير, فدفع إليهم نسراً. فكان بموضع بسبأ, تعبده حمير ومن والاها. فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم فكسرها.
وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبة في النار. فكان أول من سيب السوائب )) وفي لفظ: (( وغير دين إبراهيم)) وفي لفظ عن ابن إسحاق (( فكان أول من غير دين إبراهيم, ونصب الأوثان)).
وكان أهل الجاهلية على ذلك, فيهم بقايا من دين إبراهيم, مثل تعظيم البيت, والطواف به, والحج والعمرة, والوقوف بعرفة ومزدلفة, وإهداء البدن, وكانت نزال تقول في إهلالها (( لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك, إلا شريكاً هو لك , تملكه وما ملك)) فأنزل الله: (( ضرب لكم مثلا من أنفسكم: هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم. فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؟ كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون)).
صنم مناة:
ومن أقدم أصنامهم: مناة. وكان منصوباً على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد, بين مكة والمدينة.وكانت العرب تعظمه قاطبة, ولم يكن أحد أشد تعظيماً له من الأوس والخزرج, وبسبب ذلك أنزل الله تعالى: (( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما- الآية) فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه فهدمها عام الفتح.
صنم اللات:
ثم اتخذوا في الطائف, قيل: إن أصل ذلك رجل كان يلت السويق للحاج, فمات. فعكفوا على قبره. وكانت صخرة مربعة, وكان سدنتها ثقيف, وكانوا قد بنوا عليها بيتاً. فكان جميع العرب يعظمونها, وكانت العرب تسمى زيد اللات, وتيم اللات. وهي في موضع منارة مسجد الطائف.
فلما أسلمت ثقيف. بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها, وحرقها بالنار.
صنم العزي:
ثم اتخذوا العُزيَّ. وهي أحدث من اللات. وكانت بوادي نخلة. فوق ذات عرق. وبنو عليها بيتاً. وكانوا يسمعون من الصوت. وكانت قريش تعظمها. فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة, بعث خالد بن الوليد فأتاها فعضدها, وكانت ثلاث سمرات. فلما عضد الثالثة: فإذا هو بحبشيه نافشة شعرها, واضعة يدها على عاتقها, تضرب بأنيابها. وخلفها سادنها, فقال الوليد:
يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك
ثم ضربها ففلق رأسها, فإذا هي حممة. ثم قتل السادن.
صنم هبل:
وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها. وأعظمها هبل, وكان من عقيق أحمر على صورة الإنسان. وكانوا إذا اختصموا, أو أرادوا سفراً: أتوه, فاستقسموا بالقداح عنده. وهو الذي قال فيه أبو سفيان يوم أحد (( اعْلُ هبل)) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قولوا: الله أعلي وأجل)).
وكان لهم إساف ونائلة, قيل: أصلهما أن إسافا من جرهم, ونائلة امرأة منهم, فدخلا البيت, ففجر بها فيه. فمسخهما الله فيه حجرين, فأخرجوهما فوضوعهما ليتعظ بهما الناس, فلما طال الأمد وعبدت الأصنام: عبدا.
ذو الخلصة:
وكان لخثعم وبجيلة صنم يقال له: ذو الخلصة, بين مكة والمدينة. فقال رسو الله صلى الله عليه وسلم لجرير بن عبد الله البجلي: (( ألا تريحيني من ذي الخلصة))؟ فسار إليه بأحمس. فقاتلته همدان, فظفر بهمم وهدمه.
وكان لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان صنم في مشارف الشام.
وكان لأهل كل واد بمكة صنم, إذا أراد أحدهم سفراً كان آخر ما يصنع في منزله: أن يتمسح به.
صنم عم أنس:
قال ابن إسحاق: وكان لخولان صنم يقال له: عم أنس, وفيهم أنزل الله ((وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً. فقالوا: هذا لله- بزعمهم- وهذا لشركائنا. فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله. وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم. ساء ما يحكمون)).
فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالتوحيد, قالت قريش: أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ إن هذا لشيء عجاب.
وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت. وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة.
ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم: وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنماً. فجعل يطعن في وجوهها وعيونها, ويقول جاء الحق وزهق الباطل, إن الباطل كان زهوقاً, وهي تتساقط على رؤوسها, ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت.
رجعنا إلى سيرته صلى الله عليه وسلم فنقول:
بدء الوحي:
في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( أول ما بديء برسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي: الرؤيا الصادقة. فكان لا يري رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح, ثم حببت إليه الخلاء. فكان يخلو بغار حراء, فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد. قبل أن ينزع إلى أهله. ويتزود لذلك. ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها, حتى فاجأه الحق, وهو في غار حراء, فجاءه الملك. فقال: اقرأ, فقلت ما أنا بقاريء . قال فأخذني فغطني, حتى بلغ مني الجهد . ثم أرسلني. فقال: اقرأ, فقلت : ما أنا بقاريء . فأخذني فغطني الثانية, حتى بلغ مني الجهد, ثم أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت : ما أنا بقاريء . فأخذني الثالثة فغطني الثالثة. ثم أرسلني, فقال لي في الثالثة : (( اقرأ باسم ربك الذي خلق, خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم)) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده, حتى دخل على خديجة بنت خويلد. فقال: زملوني, زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة- وأخبرها الخبر- لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله, ما يخزيك الله أبداً, إنك لتصل الرحم, وتحمل الكل, وتقري الضيف, وتكسب المعدوم, وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزي- ابن عم خديجة- وكان قد تنصر في الجاهلية. وكان يكتب الكتاب العبراني. فيكتب من الإنجيل بلعبرانية ما شاء الله أن يكتب, وكان شيخاً كبيراً قد عمى. فقالت له خديجة: يا ابن عم, اسمع مع ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي, ماذا تري؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأي . فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى, يا ليتني فيها جذعاً, ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك؟ قال: أو مخرجي هم؟ قال: نعم, لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى. وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً)).
ثم أنشد ورقة:
لججت, وكنت في الذكرى لجوجاً
لهم طالما بعث النشيجــا
ووصف من خديجة بعد وصف فقد طال انتظاري ياخديجا
ببطن المكتين على رجائي حديثك أن أرى منه خروجاً
بما خبرتنا من قول قس من الرهبان أكره أن يعوجا
بأن محمداً سيسود قوماً ويخصم من يكون له حجيجاً
ويظهر في البلاد ضياء نور يقيم به البرية: أن تموجـا
فيلقي من يحاربه خساراً ويلقي من يسالمه فلوجاً
فياليتني إذا ما كان ذاكم شهدت, وكنت أولهم ولوجاً
ولوجاً بالذي كرهت قريش ولو عجت بمكتها عجيجاً
أرجي بالذي كرهوا جميعاً
إلى ذي العرش – إن سفلوا- عروجاً
وهل أمر السفالة غير كفر بمن يختار من سمك البروجا
فإن يبقوا وأبقي تكون أمور يضج الكافرون لها ضجيجاً
وإن أهلك, فكل فتي سيلقي من الأقدار متلفة خروجاً
فلم يلبث ورقة أن توفى, وفتر الوحي. حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً. حتى كان يذهب إلى رؤوس شواهق الجبال, يريد أن يلقي بنفسه منها, كلما أوفي بذروة جبل تبدي له جبريل عليه السلام, فقال: (( يا محمد انك رسول الله حقاً)) فيسكن لذلك جأشه, وتقر نفسه, فيرجع , فإذا طال عليه فترة الوحي لمثل ذلك, فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل, فيقول له ذلك.
فبينما هو يوماً يمشي إذ سمع صوتاً من السماء.قال : (( فرفعت بصري. فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض, فرعبت منه, فرجعت إلى أهلي, فقلت: دثروني. دثروني. فأنزل الله (( يا أيها المدثر قم فأنذر)) فحمى الوحي وتتابع)).
أنواع الوحى:
وكان الوحي الذي يأتيه صلى الله عليه وسلم أنواع:
أحدهما: الرؤيا. قال عبيد بن عمر: (( رؤيا الأنبياء وحي)) قم قرأ: ( إني أرى في المنام أني أذبحك).
الثاني: ما كان الملك يلقيه في روعه- أي قلبه- من غير أن يراه, كما قال صلى الله عليه وسلم: (( إن روح القدس نفث في روعي: أنه تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها, فاتقوا الله وأجملوا في الطلب, ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله. فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته)).
الثالث: أن الملك يتمثل له رجلاً فيخاطبه. وفي هذه المرتبة: كان يراه الصحابة أحياناً.
الرابع: أنه كان يأتيه مثل صلصة الجرس, وهو أشد عليه. فيلتبس به الملك. حتى إن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد. وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض. وجاءه مرة وفخذه على فخذ زيد بن ثابت, فكادت ترض.
الخامس: أن يأتيه الملك في الصورة التي خلق عليها. فيوحي إليه ما شاء الله. وهذا وقع مرتين, كما ذكر الله سبحانه في سورة النجم.
السادس: ما أوحاه الله له فوق السموات ليلة المعراج, من فرض الصلاة وغيرها.
قال ابن القيم رحمه الله:أول ما أوحى إليه ربه: أن يقرأ باسم ربه الذي خلق. وذلك أول نبوته صلى الله عليه وسلم. فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره بالتبليغ. ثم أنزل الله عليه: ( يا أيها المدثر, قم فأنذر( فنبأه باقرأ, وأرسله: بيا أيها المدثر. ثم أمره: أن ينذر عشيرته الأقربين. ثم أنذر قومه. ثم أنذر من حولهم من العرب. ثم أنذر من حولهم من العرب. ثم أنذر العرب قاطبة. ثم أنذر العالمين.
فأقام بضعة عشر سنة ينذر بالدعوة من غير قتال ولا جزية. ويأمره الله بالكف والصبر. ثم أذن له في الهجرة, وأذن له في القتال. ثم أمره أن يقاتل من قاتله, وكيف عمن لم يقاتله. ثم أمره بقتال المشركين, حتى يكون الدين كله لله.
أول من آمن:
ولما دعا إلى الله: استجاب له عباد الله من كل قبيلة. فكان حائز السبق: صدق الأمة أبا بكر رضي الله عنه. فوازره في دين الله. ودعا معه إلى الله. فاستجاب لأبي بكر عثمان وطلحة وسعد رضي الله عنهم.
وبادر إلى استجابته أيضاً صديقة النساء خديجة رضي الله عنها. وبادر إلى الإسلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان ابن ثمان سنين, وقيل أكثر. إذ كان في كفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم, أخذه من عمه.



الفهرس
الصفحة السابقة - 9 - الصفحة التالية
1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20 - 21 - 22 - 23 - 24 - 25 - 26 - 27 - 28 - 29 - 30 - 31 - 32 - 33 - 34 - 35 - 36 - 37 - 38 - 39 - 40

بحث في محتوى هذا الكتاب
ابحث عن بطريقة

بـرنـامج المكـتـبـة
برمجة موقع روض الرياحين
http://www.rayaheen.net