| الرحمة ذكر ابن القيم رحمه الله بعض القصص التي تدلّ على رحمة الحيوان بعضه ببعض ، وعطف بعضه على
بعض ، بل وحنوّ بعضه – أحيانا – على بعض بني البشر !
فمن ذلك قوله عن الْحَمَام :
ومن عجيب أمرها ما ذكره الجاحظ أن رجلا كان له زوج حمام مقصوص وزوج طيّار ، وللطيار فرخان
قال : ففتحت لهما في أعلى الغرفة كوة للدخول والخروج وَزَقِّ فراخهما . قال : فحبسني السلطان فجأة
فاهتممت بشأن المقصوص غاية الاهتمام ولم أشك في موتهما لأنهما لا يقدران على الخروج من الكوة وليس
عندهما ما يأكلان ويشربان . قال : فلما خلّى سبيلي لم يكن لي همّ غيرهما ، ففتحت البيت فوجدت الفراخ قد
كبرت ووجدت المقصوص على أحسن حال فعجبت ، فما لبث أن جاء الزوج الطيار فدنا الزوج المقصوص
إلى أفواههما يستطعمانهما كما يستطعم الفرخ فزقّاهم . فانظر إلى هذه الهداية فإن المقصوصين لما شاهدا
تلطف الفراخ للأبوين وكيف يستطعمانهما إذا اشتد بهما الجوع والعطش فعلا كفعل الفرخين فأدركتهما رحمة
الطيارين فزقّاهما كما يَزقّان فرخيهما .
ونظير ذلك ما ذكره الجاحظ وغيره . قال الجاحظ : وهو أمر مشهور عندنا بالبصرة أنه لما وقع الطاعون
الجارف أتى على أهل دار فلم يشك أهل تلك المحلّة أنه لم يبق منهم أحد فعمدوا إلى باب الدار فسدّوه ، وكان
قد بقي صبي صغير يرضع ولم يفطنوا له ، فلما كان بعد ذلك بمدة تحول إليها بعض ورثة القوم ففتح الباب ،
فلما أفضى إلى عرصة الدار إذا هو بصبي يلعب مع جراء كلبة قد كانت لأهل الدار فراعه ذلك ، فلم يلبث أن
أقبلت كلبة قد كانت لأهل الدار فلما رآها الصبي حَبَا إليها فأمكنته من أطْبَائها ( أثدائها ) فمصّها ، وذلك أن
الصبي لما اشتد جوعه ورأى جِراء الكلبة يرتضعون من أطْبَاء الكلبة حَبَا إليها فعطفت عليه ، فلما سقته مرة
أدامت له ذلك ، وأدام هو الطلب ، ولا يُستبعد هذا وما هو أعجب منه ، فإن الذي هَدَى المولود إلى مص
إبهامه ساعة يولد ثم هداه إلى الْتقام حلمة ثدي لم يتقدم له به عادة كأنه قد قيل له هذه خزانة طعامك وشرابك
منقول
__________________
مع الحب والتقدير لادارة موقع : www.kl28.com |