| ثناء الأئمة على فقه أهل الحديث
ثناء الأئمة على فقه أهل الحديث
قال الخطيب البغدادي في كتاب شرف أصحاب الحديث ( 8 ) : وقد جعل الله تعالى أهله ( أي أهل الحديث ) أركان الشريعة ، وهدم بهم كل بدعة شنيعة ، فهم أمناء الله من خليقته ، والواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأمته ، والمجتهدون في حفظ ملته ، أنوارهم زاهرة ، وفضائلهم سائرة ، وآياتهم باهرة ، ومذاهبهم ظاهرة ، وحججهم قاهرة ، وكل فئة تتخير إلى هوى ترجع إليه ، أو تستحسن رأيا تعكف عليه ، سوى أصحاب الحديث ، فإن الكتاب عدتهم ، والسنة حجتهم ، والرسول فئتهم ، وإليه نسبتهم ، لا يعرجون على الأهواء ، ولا يلتفتون إلى الآراء يقبل منهم ما رووا عن الرسول ، وهم المأمونون عليه ، حفظة الدين وخزنته ، وأوعية العلم وحملته ، وإذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع فما حكموا به فهو المقبول المسموع ، ومنهم كل عالم فقيه ، وإمام رفيع نبيه ، وزاهد في قبيلة ، ومخصوص بفضيلة ، وقارئ متقن ، وخطيب محسن ، وهم الجمهور العظيم وسبيلهم السبيل المستقيم ، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر وهو على الإفصاح بغير مذاهبم لا يتجاسر ، من كادهم قصمه الله ، ومن عاندهم خذله الله ، لا يضرهم من خذلهم ، ولا يفلح من اعتزلهم ، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير ، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير ، وإن الله على نصرهم لقدير .
وقال أيضا ( ص ـ 10 ) : فقد جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين ، وصرف عنهم كيد المعاندين لتمسكهم بالشرع المتين ، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين ، فشأنهم حفظ الآثار ، وقطع المفاوز والقفار ، في اقتباس ما شرع المصطفى ، لا يعرجون عنه إلى رأى ولا هوى ، قبلوا شريعته قولاً وفعلاً ، وحرسوا سنته حفظاً ونقلاً ، حتى ثبَّتوا بذلك أصلها ، وكانوا أحق بها وأهلها . انتهى .
وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ( 51 ) : فأما أصحاب الحديث فإنهم التمسوا الحق من وجهته ، وتتبعوا مظانه ، وتقربوا من الله تعالى باتباعهم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبهم لآثاره وأخباره براً وبحراً ، وشرقاً وغرباً ، يرحل الواحد منهم راجلاً مقوياً في طلب الخبر الواحد أو السنة الواحدة حتى يأخذها من الناقل لها مشافهة ثم لم يزالوا في التنقير عن الأخبار والبحث لها حتى فهموا صحيحها وسقيمها ، وناسخها ومنسوخها ، وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي فنبهوا على ذلك حتى نجم بعد أن كان عافياً ، وبسق بعد أن كان دارساً ، واجتمع بعد أن كان متفرقاً ، وانقاد للسنن من كان عنها معرضا ، وتنبه عليها من كان عنها غافلا . انتهى .
وقال ابن حبان في مقدمة صحيحه ( 1/34 ) بعد الثناء على الله عز وجل قال :
ثم اختار طائفة لصفوته ، وهداهم لزوم طاعته ، من اتباع سبل الأبرار ، في لزوم السنن والآثار ، فزين قلوبهم بالإيمان ، وأنطق ألسنتهم بالبيان من كشف أعلام دينه ، واتباع سنن نبيه ، بالدؤوب في الرحل والأسفار ، وفراق الأهل والأوطار ، في جمع السنن ، ورفض الأهواء ، والتفقه فيها بترك الآراء ، فتجرد القوم للحديث وطلبوه ورحلوا فيه وكتبوه ، وسألوا عنه وأحكموه ، وذاكروا به ونشروه ، وتفقهوا فيه ، وأصلوه ، وفرعوا عليه وبذلوه ، وبينوا المرسل من المتصل ، والموقوف من المنفصل ، والناسخ من المنسوخ ، والمحكم من المفسوخ ، والمفسر من المجمل ، والمستعمل من المهمل ، والعموم من الخصوص ، والدليل من المنصوص ، والمباح من المزجور ، والغريب من المشهور ، والعرض من الإرشاد ، والحتم من الإيعاد ، والعدول عن المجروحين ، والضعفاء من المتروكين ، وكيفية المعمول ، والكشف عن المجهول .. ، حتى حفظ الله بهم الدين على المسلمين ، فصانه على ثلب القادحين ، وجعلهم عند التنازع أئمة الهدى ، وفي النوازل مصابيح الدجى ، فهم ورثة الأنبياء ، ومأنس الأصفياء ، وملجأ الأتقياء ، ومركز الأولياء . انتهى .
وقال السمعاني كما في صون المنطق ( 165 ـ 167 ) : ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم ، قديمهم وحديثهم ، مع اختلاف بلدانهم ووزانهم ، وتباعد ما بينهم في الديار ، وسكون كل واحد منهم قطراً من الأقطار وجدتهم في بيان الإعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد ، ويجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ، ولا يميلون فيها ، قولهم في ذلك واحد ، وفعلهم واحد .. إلى أن قال : وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريقة النقل فأورثهم الإتفاق والائتلاف وأهل البدعة أخذوا الدين من المعقولات والآراء ، فأورثهم الإفتراق والإختلاف . انتهى .
__________________ |