دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

فقه اللغة

هي اللغة الإنسانية الأولى التي يفترض أن تكون بسيطة؛ فهذه الأصول مرحلة لغوية متقدمة.
2' أن الغريزة الكلامية لم يعرف كيف استُخدمت أول مرة للتعبير عن حاجة الإنسان، وهذا هو الموضوع الذي تدور حوله المشكلة كلها.
هذه هي أشهر النظريات حول نشأة اللغة، وهناك نظريات أخرى حاولت حل هذه المشكلة ولكنها لم تصل بالموضوع إلى نهاية يوقف عندها.
هل يمكن التوفيق بين النظريات السابقة؟:
بعد عرض النظريات الأربع يتبين أن الباحثين فيها قد استتنفذوا طرق البحث الممكنة؛ من اعتماد على الأدلة النقلية والعقلية، والبحث في الواقع اللغوي بمختلف إمكاناته.
ومع ذلك لم يُتَوَصَّل إلى رأي قاطع في تلك المسألة.
وأكبر ما يؤخذ على من بحث تلك القضية هو التعصب لرأي أو نظرية دون غيرها.
ومن عيوب البحث فيها أن النقد قد يصل إلى درجة التهكم.
ولو حاول العلماء والباحثون في هذه المسألة أن يأخذوا من كل نظرية بجانب لربما كان للمشكلة صورةٌ أوضحُ وأقربُ للواقع.
ولنتأمل ذلك النقل الذي أورده السيوطي في المزهر حيث يقول: =وزعم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني أن القَدْر الذي يدعو به الإنسان غيره إلى التواضع يَثْبُتُ توقيفاً، وما عدا ذلك يجوز أن يثبت بكل واحدٍ من الطريقين.
وقال القاضي أبو بكر: يجوز أن يثبت توقيفاً، ويجوز أن يثبت اصطلاحاً، ويجوز أن يثبت بعضه توقيفاً، وبعضه اصطلاحاً والكل ممكن+(1).
ففي هذا الرأي محاولة للتوفيق بين قولين هما أشهر الأقوال في المسألة وهما القول بالتوقيف والإلهام، والقول بالاصطلاح والمواضعة.
وههنا محاولة للتوفيق بينهما؛ إذ كل منهما يحتمل شيئاً من الصواب، ويَتَوَجَّهُ إليه اعتراض؛ فلو جمعنا النظريات، وأخذنا الجانب الإيجابي من كل منهما دون إغفال لنظرية أخرى لربما أمكن الوصول إلى تصور أفضل.
''''''''''
(1) ' المزهر 1/20.
فمما لاشك فيه أن الله ' تعالى ' علم آدم ' عليه السلام ' الأسماء، ولو تركنا البحث والخلاف في معنى الأسماء، وتصورنا قدراً من اللغة تعلمه آدم وأولاده من بعده ثم ذريتهم، وأضفنا إلى ذلك أن الله ' عز وجل ' قد وهب الإنسان قدرة على التعبير عما في نفسه؛ فذلك الجهاز المسمى بجهاز النطق، وذلك العقل المدبر المحرك للإنسان قادران على التعبير عما يستجد من أمور إما عن طريق التقليد والمحاكاة ' كما نرى في محاولات الأطفال ' وإما عن طريق الاصطلاح كما يحدث كلما جدَّ جديد في الحياة وُضع له الاصطلاح المناسب.
وبهذا يمكن الجمع بين النظريات جميعاً في تصور نشأة اللغة الإنسانية.
...
فصائل اللغات (1)
كان لاكتشاف اللغة السنسكريتية الهندية القديمة في أواخر القرن الثامن عشر أثر كبير في تطور الدراسات اللغوية في أوربا؛ ذلك أن البحث اللغوي الهندي كان يتميز بالدقة والاهتمام بالدراسات الوصفية، ويبتعد عن الجدل والفلسفة.
وقد تبين للغويين وجود أوجه شبه كبيرة بين السنسكريتية واللغات الأوربية، فدفعهم هذا إلى الاهتمام بالدراسة الوصفية والتاريخية والمقارنة للغات.
وقد كان علماء تلك الفترة في أوربا مهتمين بالبحث التاريخي، ويحاولون وضع دراسة تاريخية تطورية لكل علم متأثرين بنظرية دارون التطورية، كما كانوا يسعون إلى وضع قوانين لعلومهم، فسار علماء اللغة على هذا النهج؛ لأجل تحديد أوجه الشبه والاتفاق بين اللغات، والبحث عن الأصول المشتركة لهذه اللغات؛ رغبة في الوصول إلى ما يسمى باللغة الأولى أو الأم، ودراسة تطور اللغات، وكتابة تاريخها اللغوي، ووضع قوانين عامة للغات.
''''''''''
(1) -انظر مولد اللغة ص58 ' 67، وعلم اللغة د. علي وافي ص195 ' 228، وفقه اللغة د. عبده الراجحي ص13 ' 17، والوجيز في فقه اللغة العربية لعبدالقادر محمد مايو 74 ' 78 وأكثر هذا المبحث مستفاد من محاضرات أ. د. علي البواب على طلاب كلية اللغة العربية.
ودفع تحديد ملامح المجموعات اللغوية في أوربا ومعرفة العلاقات بينها ' إلى البحث في لغات العالم الأخرى، حتى توصل العلماء إلى بعض التقسيمات للغات، وهو ما يسمى بالفصائل أو الأسر اللغوية.
والغرض الذي يُسعى إليه من دراسة الفصائل اللغوية هو معرفة التقسيمات العامة للغات العالم، والمجموعة التي تنتمي إليها لغتنا، وخصائص المجموعة، وتاريخها، ثم نعرج على لغتنا؛ فندرسها بالتفصيل.
ولقد توصل العلماء إلى عدة نظريات في تقسيم اللغات في العالم ولكن أشهر تلك النظريات نظريتان:
النظرية الأولى: وهي التي تعتمد على الدراسة الوصفية والتشكيلية للغات، ولا تنظر إلى ما بينها من قرابات وصلات تاريخية.
وصاحب هذه النظرية هو العالم الألماني (شليجل) وقد قسم اللغات إلى ثلاثة أقسام:
1' اللغات المتصرفة أو التحليلية: وتمتاز هذه اللغات من الناحية التصريفية بتغير المعاني مع تصرف الكلمات، وأن الألفاظ فيها يشتق بعضها من بعض، ومن الناحية النحوية وتراكيب الجمل تَسْتَخدِم روابطَ وأدواتٍ تدل على مختلف العلاقات.
ومن هذا النوع اللغات الأوربية، واللغات السامية، ومنها العربية التي بلغت من ذلك مبلغاً فاقت به سائر اللغات؛ ففي العربية ' على سبيل المثال ' تقول من مادة (شُرْب): شَرِبَ، يشرب، شارب، شَرَاب، شُرْب، شروب، شَريب، تَشراب. . . وكل منها يدل على معنى.
وتقول: ركب محمد وعلي القطار من مكة إلى المدينة فتدل الضمة في (محمد) على الفاعلية، والفتحة في (القطار) على المفعولية، والواو على الرابط بين (علي) و (محمد) و (من) على الابتداء و (إلى) على الانتهاء. . . وهكذا.
2' اللغات الوصلية أو اللاصقة: وهذه اللغات تتغير المعاني فيها عن طريق إضافة لواصق أو سوابق إلى الكلمات؛ لتحمل معاني جديدة.
ومن أشهر لغات هذه الفصيلة: اليابانية، وبعض اللغات البدائية.
3' اللغات العازلة: وهي لغات لا تتصرف الكلمات فيها، ولا تلحقها الإضافات، بل تحمل كل كلمة بصورتها معنى لا يتغير.
ولا تعرف هذه اللغاتُ الأدواتِ النحويةَ، ولعل هذا هو السبب في تسميتها بـ: العازلة؛ لأن لكل كلمة دلالة خاصة، لا تقبل التغير.
ومن هذه اللغات الصينية، وكثير من لغات الأمم البدائية.
وزعم القائلون بهذه النظرية أنها تدل على تطور اللغات؛ فاللغة في نظرهم تبدأ من مرحلة (العزل)، ثم ترتقي إلى المرحلة التي تستخدم فيها السوابق واللواحق، ثم إلى أرقى مراحلها وهي أن تكون تصريفية.
كما يرى القائلون بها أن بعض اللغات قد تتوقف عند مرحلة معينة فلا تتجاوزها، وقد استدلوا على نظريتهم هذه بلغات الأطفال، ولغات الأمم البدائية.
ولم تلقَ هذه النظرية قبولاً عند العلماء، ووجهوا إليها اعتراضات أهمها:
أن كثيراً من اللغات تعرف أكثر من قسم من الأقسام الثلاثة؛ فالعربية التي هي لغة تصريفية تعتمد اعتماداً كبيراً على الوصل، والإلصاق كحروف المضارعة، وعلامات التثنية والجمع، وغيرها.
وكذلك نجد فيها بعض الصيغ العازلة كالمثال الذي يسوقه النحويون: ضرب موسى عيسى، من وجوب تقديم الفاعل؛ لوجود اللبس، لعدم وجود قرينة تدل عليه، ولو قدمت (عيسى) على (موسى) أو على (ضرب) وأنت تريد أن (عيسى) هو الفاعل لتغير المعنى.
النظرية الثانية: وهي التي تعتمد على الصلات وروابط القربى، والعلاقات التاريخية والجغرافية بين الشعوب، فتحاول أن تجعل من كل مجموعة متقاربة من اللغات فصيلة مستقلة.
وهذه النظرية أكثر النظريات قبولاً، ورواجاً بين العلماء.
وأشهر تقسيم للغات سار في هذا الاتجاه هو ما قال به العالم الألماني (ماكس مولر) ت1900م، فقد لاحظ أن أ



عدد الصفحات: 141
<< بداية الكتاب 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب