دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

، هل يجوز إفطار ذلك اليوم الذي سافر فيه أم لا؟ إلى قولين:
القول الأول: أن له أن يفطر،وبهذا قال الحنابلة على الصحيح من المذهب(8) وهو قول المزني من الشافعية(9).
''''''''''
(1) المغني (4/345).
(2) هو: عبيدة بن عمرو السلماني الكوفي، أسلم عام فتح مكة بأرض اليمن، ولا صحبة له، وأخذ عن كثير من الصحابة برع في الفقه، وكان ثبتا في الحديث في سنة وفاته أقوال، أصحها أنه توفي سنة 72 هـ انظر: سير أعلام النبلاء (4/40).
(3) هو: سويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر الجعفي الكوفي قيل: له صحبة ولم يصح، بل أسلم في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يلقاه، شهد اليرموك، وحدث عن الخلفاء الأربعة وغيرهم، توفي بالكوفي سنة 81 هـ وقيل: 82 هـ انظر سير أعلام النبلاء (4/69) وأسد الغابة (2/340) ت رقم (2356).
(4) المغني (4/345).
(5) المغني (4/345).
(6) المغني (4/345) وشرح السنة للبغوي (6/312) ودلائل الأحكام لابن شداد (1/167).
(7) شرح سنن أبي داود لابن القيم بهامش عون المعبود (7/39).
(8) المسائل الفقهية (1/264) والإنصاف (3/289) والمغني لابن قدامة (4/346) وزاد المعاد لابن القيم (2/57).
(9) الحاوي الكبير (3/448) وهو قول إسحاق كذلك من الشافعية.
واستدلوا بمايلي:
1- ما روي عن عبيد بن جبر(1) قال: (ركبت مع أبي بصرة الغفاري(2) في سفينة من الفسطاط(3) في شهر رمضان فدفع ثم قرب غداءه فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة ثم قال: اقترب قلت: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكل)(4).
2- ولأن السفر معنى، لو وجد ليلا واستمر في النهار لأباح الفطر، فإذا وجد في أثناء النهار أباح الفطر كالمرض(5).
القول الثاني: أنه لا يباح له الفطر في ذلك اليوم الذي سافر فيه، وهذا القول رواية عن أحمد وهو قول الجمهور(6).
وعللوا لقولهم بما يلي:
''''''''''
(1) هو: عبيد بن جبر الغفاري، أبو جعفر المصري مولى أبي بصرة، روى عنه الفطر في السفر، وهو يرى البيوت، قال ابن خزيمة لا أعرفه توفي بالإسكندرية سنة 74 هـ انظر تهذيب التهذيب (7/56) وميزان الاعتدال (3/19) ت رقم (5417).
(2) هو: أبو بصرة بن بصرة بن أبي بصرة وقاص بن حبيب بن غفار، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - روى عنه أبو هريرة وأبو تميم الحبشاني وغيرهم، مات بمصر ودفن بها./ انظر الإصابة (7/37). ت رقم (9631) وطبقات ابن سعد (7/500).
(3) اسم المدينة التي بناها عمرو بن العاص في مصر، وكل مدينة تسمى فسطاطا انظر معجم البلدان (4/297) ت رقم (9187).
(4) أخرجه أبو داود في سننه مع عون المعبود كتاب الصيام باب متى يفطر المسافر إذا خرج ح رقم (2409) والإمام أحمد في المسند ج (18/ 478) ح رقم (27109) وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه كتاب الصوم، باب إباحة الفطر في اليوم الذي يخرج فيه المرء، ح رقم (2040).
(5) المغني (4/346).
(6) المغني (4/345) والمدونة (1/202) والبحر الرائق (2/506) والاختيار للموصلي (1/134). والمجموع (6/266) والوسيط (2/539) وشرح السنة للبغوي (6/312).
1- أنه حين أصبح مقيما وجب عليه أداء الصوم في هذا اليوم حقا لله تعالى، وإنما أنشأ السفر باختياره فلا يسقط ما تقرر وجوبه عليه(1).
ويمكن مناقشة هذا: بأن المجاهد في سبيل الله قد ينشئ السفر لا باختياره وإنما يستنفره الإمام لجهاد العدو، فيلزمه الخروج.
2- ولأن الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة(2).
ونوقش هذا: بأن الصوم يفارق الصلاة، فإن الصلاة يلزم إتمامها بنيته، بخلاف الصوم(3).
ويظهر مما تقدم رجحان القول الأول بأنه يباح له الفطر إذا سافر في أثناء يوم الصيام، وذلك للأخبار الصحيحة في ذلك، ولعموم أدلة جواز الفطر في رمضان للمسافر دون تمييز بين من سافر ليلا أو نهارا، والله أعلم.
إذا تقرر أن للمجاهد المسافر الفطر في رمضان سواء دخل عليه شهر الصوم وهو مسافر أو سافر في ليل من رمضان أو أنشأ السفر أثناء النهار، فإن الأفضل للمجاهد في السفر للجهاد في سبيل الله أن يفطر. جاء في القوانين الفقهية: إن كان السفر لغزو وقرب من العدو، فالفطر في السفر أفضل للقوة(4) وجاء في كافية الأخيار: ولو لم يتضرر في الحال لكنه يخاف الضعف لو صام وكان في سفر غزو فالفطر أولى(5).
ويدل على ذلك ما جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا...)(6).
الفرع الثاني
''''''''''
(1) المبسوط (3/68).
(2) المغيى (4/347).
(3) نفس المرجع في الهامش السابق.
(4) القوانين الفقهية ص 106.
(5) كفاية الأخيار ص 206.
(6) صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الصيام باب أجر المفطر في السفر ح رقم (1120).
إفطار المجاهد المقيم(1).
هناك روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله في إفطار المجاهد المقيم في نهار رمضان.
الرواية الأولى: يجوز للمجاهد المقيم الفطر في نهار رمضان، اختار هذه الرواية ابن تيمية وأفتى بها العساكر الإسلامية، وابن قيم الجوزية(2) وبهذا قال الحنفية، إذا علم المجاهد يقينا أنه يقاتل العدو ويخاف أن يضعفه الصوم سواء كان مسافرا أو مقيما(3).
ولم أجد للمالكية، والشافعية قولا في ذلك -حسب ما اطلعت عليه- من كتبهم إلا أنه يمكن تخريج قولهم على القول بجواز الفطر للحامل والمرضع ومن خشي على نفسه التلف بعطش ونحوه(4) فالمجاهد أولى من هؤلاء بجواز الفطر وهو مقيم لأن الإفطار قوة للمجاهد وللمسلمين فالمصلحة أعظم.
وقد استدل ابن قيم الجوزية رحمه الله لهذه الرواية بما ملخصه(5).
1- أن فطر المجاهد المقيم أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر للمسافر تنبيه على إباحته في هذه الحالة فإنها أحق بجوازه، لأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة بفطر المسافر.
''''''''''
(1) وصورة ذلك: أن يحاصر العدو بلد المسلمين، أو يخرج المجاهدون لملاقاة العدو لمسافة قريبة والصوم يضعفهم انظر: الإنصاف (3/286).
(2) الإنصاف (3/286) وزاد المعاد (2/53) وحاشية الروض المربع (3/380).
(3) فتح القدير (2/272) وحاشية ابن عابدين (3/402).
(4) الكافي في فقه أهل المدينة (1/340) والمعونة (1/475، 479) ومواهب الجليل (3/301) والحاوي الكبير (3/346) والمجموع (6/262).
(5) زاد المعاد (2/53، 54).
2-أن الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } [الأنفال: 60] والفطر عند لقاء العدو من أسباب القوة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - فسر القوة في الآية بالرمي(1) وهو لا يتم ولا يحصل به مقصوده إلا بما يقوي ويعين عليه من الفطر والغذاء.
الرواية الثانية: لا يجوز للمجاهد المقيم الفطر في نهار رمضان(2).
ويمكن أن يستدل لهم: بأن المجاهد في هذه الحالة ليس مسافرا ولا مريضا، والله سبحانه يقول: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } [البقرة: 185] فلا يجوز له الفطر في نهار رمضان، إلا إذا كان مسافرا أو مريضا.
ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: بأن إباحة الفطر ليست خاصة بالمسافر والمريض فقط، بل هناك



عدد الصفحات: 145
<< بداية الكتاب 54 - 55 - 56 - 57 - 58 - 59 - 60 - 61 - 62 - 63 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب