دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

التعصب المذهبي في التاريخ

يُقنعه بتحويل القضاء من الحنفية إلى الشافعية ، فلما فعل ذلك احتج الحنفية و دخلوا في مصادمات مع الشافعية(1). و هذه الفتنة عثرتُ عليها عند المقريزي ، و لم يذكر تفاصيلها و لا مآلها ؛ لكن المعروف أن القضاء بقي بأيدي الحنفية ببغداد ، مما يعني أن الخليفة قد تراجع عن موقفه و أعاد القضاء للحنفية .

كما أن هذه الفتنة لها خلفيات بسبب التعصب المذهبي القائم بين الطوائف السنية ، لأنه ليس من العدل أن تحتكر طائفة منهم القضاء دون الطوائف الأخرى ؛ لأن كل طائفة تريد أن تتولى القضاء و تحتكم فيه إلى مذهبها ، و لا تحتكم إلى غير مذهبها .
''''''''''
(1) المقريزي : كتاب المواعظ و الاعتبار ، ج 2 ص: 333-334 .
و الفتنة الثانية حدثت بمدينة مرو ببلاد خُراسان بين الشافعية و الحنفية ، عندما غيّر الفقيه منصور بن محمد السمعاني المروزي(ت 489ه) مذهبه ، فقد كان حنفيا مدة ثلاثين سنة ، ثم تحوّل إلى المذهب الشافعي ، و أعلن ذلك بدار الإمارة بمدينة مرو بحضور أئمة الحنفية و الشافعية ، فاضطرب البلد لذلك ، و هاجت الفتنة بين الشافعية و الحنفية ، و دخلوا في قتال شديد ، و عمّت الفتنة المنطقة كلها ، حتى كادت تملأ ما بين خُراسان و العراق ن لكن السمعاني ظل ثابتا على موقفه و لم يتراجع عنه ، لكنه اضطر إلى الخروج من مدينة مرو ، و الانتقال إلى مدينة طوس ، ُثم إلى نيسابور ، ثم عاد إلى مرو بعد سكون الفتنة(1).
و الفتنة الثالثة حدثت بين الحنابلة و الشافعية ببغداد سنة 573 هجرية ، و ذلك أنه عندما تُوفي خطيب جامع المنصور محمد بن عبد الله الشافعي سنة 537 هجرية ، و منع الحنابلة من دفنه بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل ، لأنه شافعي و ليس حنبليا ، حدثت فتنة بين الطائفتين تدخل على إثرها الخليفة العباسي المقتفي(530-555ه) و أوقفها ، و أفشل محاولة الحنابلة منع دفن المتوفى بمقبرتهم ، و أمر بدفنه فيها ، فتمّ ذلك(2).
و واضح من هذه الفتنة أن التعصب المذهبي كان على أشده بين الحنابلة و الشافعية ، حتى أنه أوصل الحنابلة إلى رفض دفن رجل مسلم شافعي بمقبرتهم بالمعروفة باسم إمامهم ، ثم الدخول في مواجهات مع الشافعية ، و هذا غريب جدا يأباه الشرع و العقل مهما كانت المبررات .
''''''''''
(1) أبو إسحاق الشيرازي: طبقات الفقهاء ،حققه خليل الميس ، بيروت دار القلم ، دت ، ج1 ص: 240 . و السبكي: طبقات الشافعية ، ج 5 ص: 34- .
(2) سبط بن الجوزي: مرآة الزمان ، ج 1 ص: 182 .
و الفتنة الرابعة حدثت بأصفهان -ببلاد فارس- بين فقهاء أصحاب المذاهب سنة 560 هجرية ، كان في مقدمتهم عبد اللطيف الخُجنّدي الشافعي ، مع مخالفيه من المذاهب الأخرى ، فحدثت بينهم فتنة كبيرة بسبب التعصب للمذاهب ، فخرج المتعصبون إلى القتال لمدة 8 أيام ، فكثُرت بينهم الشرور و الخُطوب ، و قُتل منهم خلق كثير ، و أُحرقت و خُرّبت منازل و مرافق كثيرة ، و بعد ثلاثة أيام افترقوا على أقبح صورة(1). و لم اعثر لها على أخبار أخرى من حيث تفاصيل أسبابها و مظاهرها و آثارها . و واضح أنها كانت فتنة مأساوية مدمرة أهلكت البلاد و العباد ، و عمّقت الخلاف و التعصب المذهبيين .
و الفتنة الخامسة هي أيضا حدثت بأصفهان بين الشافعية و الحنفية في سنة 582 هجرية ، و ذلك أنه لما مات الملك العادل البهلوان محمد بن أيدلكز سنة 582 هجرية ، كثُرت الفتن بين الشافعية و الحنفية بسبب التعصب المذهبي ، فكان على رأس الحنفية قاضي البلد-لم يُذكر- ، و على رأس الشافعية ابن الخُجنّدي ، فحدث بين الطائفتين من القتل ، و النهب ، و الدمار ، ما يجل عن الوصف(2).
''''''''''
(1) ابن الأثير : الكامل ، ج 9 ص: 478 . و ابن كثير : البداية ، ج 12 ص: 249 . و الذهبي: العبر ، ج 4 ص: 169 .
(2) ابن الأثير : الكامل ، ج 10 ص: 141 . و الذهبي: تاريخ الإسلام ، حوادث: 581-590، ص: 14 .
و الفتنة السادسة هي أيضا حدثت بين الشافعية و الحنفية بمدينة مرو ، زمن الوزير الخوارزمي مسعود بن علي المُتوفى سنة 596 هجرية ، و ذلك أن هذا الوزير كان متعصبا للشافعية ، فبنى لهم جامعا بمرو مشرفا على جامع للحنفية ، فتعصبوا-أي الحنفية- و أحرقوا الجامع الجديد -الذي بناه الوزير مسعود- فاندلعت فتنة عنيفة مدمرة بين الطائفتين ، كادت (( بها الجماجم تطير عن الغلاصم )) ، فلما توقفت أغرمهم -أي الحنفية- السلطان خُوارزم شاه الحنفي (ت 596ه) أموالا مقدار ما صُرف في بناء المسجد الذي أحرقوه(1).
و قد ذكر الرحالة ياقوت الحموي (ت 626ه) أن مدينة أصفهان في زمانه عمها الخراب بسبب كثرة الفتن و التعصب بين الشافعية ة الحنفية ، فكانت الحروب بينهما متصلة ، فكلما (( ظهرت طائفة نهبت الأخرى ، و أحرقتها ، و خرّبتها ، لا يأخذها في ذلك إلا و لا ذمة ))(2).
و نفس الأمر حكاه عن مدينة الري ببلاد فارس ، فذكر-أي ياقوت الحموي- أن هذه المدينة كان أكثرها خرابا في زمانه ، بسبب التعصب للمذاهب ، فكانت الحروب بين الشافعية و الحنفية قائمة ، انتهت بانتصار الشافعية ، و لم يبق من الحنفية إلا من يُخفي مذهبه(3).
''''''''''
(1) ابن الأثير : نفس المصدر ، ج 7 ص: 250 . و ابن كثير : المصدر السابق ، ج 13 ص: 23 . و السبكي: المصدر السابق ، ج 7 ص: 296 .
(2) معجم البلدان ، ج 1 ص: 209 .
(3) نفسه المصدر ، ج 3 ص: 117 .
و أشير هنا إلى أن الفتن التي ذكرناه -بين الطوائف السنية- كان سببها في الغالب الاختلاف في المذاهب الفقهية و التعصب لها ، . و أما الفتن التي حدثت بينها بسبب الاختلاف في العقائد -أصول الدين- و التعصب لها ، فسأذكر منها بعض ما حدث بين الأشاعرة(1)من جهة ، و الحنابلة و أهل الحديث من جهة أخرى.
''''''''''
(1) هم فرق كلامية ينتسبون لأبي الحسن الأشعري البصري (ق: 4ه) ، و أتباعها من المالكية و الشافعية ، و عن فكرهم و نشاطهم و علاقتهم بأهل الحديث أنظر كتابنا: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث ، ط1 ، دار الإمام مالك ، الجزائر ، 1426/2005 .
أولها فتنة ابن القشيري ببغداد سنة 469 هجرية ، و تفصيلها هو أنه لما قدم المتكلم أبو نصر بن عبد الكريم القشيري الأشعري(ت514ه ) إلى بغداد و استقر بالمدرسة النظامية ، عقد بها مجلسا للوعظ و التدريس ، فتكلم على مذهب الأشعري و مدحه ، و حطّ على الحنابلة و نسبهم إلى اعتقاد التجسيم في صفات الله تعالى(1). فلما سمع به شيخ الحنابلة الشريف أبو جعفر (ت 470ه ) ، تألم لذلك و أنكر عليه فعلته ، ثم جنّد جماعة من أصحابه بمسجده تحسبا لأي طارئ مُحتمل ؛ و أما القشيري فقد التف حوله أصحابه و المتعاطفون معه ، و ساعده أيضا الشيخ أبو سعد الصوفي ،و شيخ الشافعية أبو إسحاق الشيرازي(ت 476ه) , و غيرهما من علماء الأشعرية ، ثم هاجمت جماعة من أصحابه مسجد الشريف أبي جعفر ، فرماهم الحنابلة بالآجر ، و اشتبك الطرفان في مصادمات دامية ، قُتل فيها نحو عشرين شخصا من الجانبين ، و جُرح آخرون ، ثم توقفت الفتنة لما مالت الكفة لصالح الحنابلة(2).
''''''''''
(1) ابن الجوزي: المنتظم ، ج 8 ص: 30 ، و ما بعدها .و السيوطي: تاريخ الخلفاء، ط1 ، مصر ، مطبعة السعادة ، 1952 ، ص: 224 . و ابن أبي يعلى : طبقاتت الحنابلة ، ج 2 ص: 239 . و ابن رجب البغدادي : الذيل على طبقات الحنابلة ، ج 1 ص: 25 . و السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ، ج 7 ص: 162 .
(2) ابن أبي يعلى : نفسه ، ج 2 ص: 239 .و ابن رجب: نفسه ، ج 1 ص: 25 . و اب



عدد الصفحات: 66
<< بداية الكتاب 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب