دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده

عنى السلطة المطلقة الذي انحدر إلى التشريعات الغربية من القانون الروماني، كما ينأى بها عن معنى ((الأنانية الفردية)) التي لا تتفق ومبدأ ((الايثار)) و((التعاون)) و((التراحم)) و((العفو)) تلك الأنانية التي عانت منها التشريعات الوضعية قروناً تحت تأثير أفكار فلسفية كانت صدى لاستبداد الحاكمين، وكان لعجز تلك التشريعات عن مواجهة أزمة التضارب بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة أثر في حمل فقهاء القانون في الشرق والغرب على إعادة النظر في الأساس الذي يقيمون عليه تشريعاتهم الجديدة، في ضوء هذه الأزمات التي أعجزت الفرديين عن حلها، فكانت هذه المذاهب الاجتماعية التي تتعاون فيما بينها تطرفاً واعتدالاً في تقييد الحق مما لا يتسع هذا المجال لبسط القول فيه، أقول هذا المعنى للحق وهو السلطة المطلقة التي تكمن وراءها الأنانية الفردية في استعمال الحقوق لا وجود له في الشريعة الإسلامية كما بينا المعنى الاجتماعي للحق في ضوء القيم الخلقية المبثوثة في الشريعة.
ومما يؤكد المعنى الاجتماعي للحق - في ضوء القيم الخلقية المبثوثة فيها - أنها لا ترغب - في نطاق المعاملات والحقوق الفردية بوجه عام - في المعاملة بالمثل، والمعادلة في الاقتضاء به بل تجعل ذلك أمراً مباحاً لا حرج فيه ولا جناح، وبالتالي لا ثواب عليه ولا عقاب، بل رأيناها تحث على تجاوز العدل إلى الفضل والاحسان والتسامح، 'ولا تنسوا الفضل بينكم'، 'إن الله يأمر بالعدل والاحسان' فالشريعة - فيما يتعلق باستعمال الحقوق - تنهى عن التزيد في حق النفس - أي في اقتضاء الحق - وتحض على الزيادة في حق الغير - أي في قضاء الحق - كما أنها إذ تأمر الدائن بإنظار المدين المعسر، تندبه - في الوقت نفسه - إلى التصدق عليه بالدين، وإبرائه منه[11].
وفي الشئون الاجتماعية تندب إلى مقابلة الإساءة بالإحسان، أما مقابلة السيئة بالسيئة فهو حق سائغ لمن حرص عليه غير باغ ولا عاد[12].
وفي الأحداث الجنائية، 'فمن عفى له من أخيه شيء فإتباع بمعروف وأداء إليه بإحسان'.
فالمبدأ الذي يستخلص من تعاليم الشريعة فيما يتعلق بالمعاملات وإقتضاء الحقوق وقضائها، إن المعاملة الفاضلة في نظر القرآن، إنما هي المعاملة التي تقوم على العفو، والإيثار والفضل، وأن الرذيلة إنما هي في الطرف الأقصى التي تقوم على الجور والاستئثار والأنانية والبخس، أما المعاملة بالمساواة والمعادلة الدقيقة، فإنها رخصة لا يتوجه إليها أمر ولا نهي، ولا يناط بها مدح ولا ذم، وبالتالي لا يستحق صاحبها ثواباً ولا عقاباً[13].
وحصيلة هذا، أن الشريعة إذا رغبت في التسامح، وحثت على تجاوز العدل إلى الفضل والإحسان في المعاملات والتصدق بالحقوق، فلأن تجعل استعمال الحق مقيداً بما لا يضر بالغير من باب أولى، ونؤكد هنا ما قررناه آنفاً من أن الحق المطلق لا وجود له في الشريعة الإسلامية، ولا يتسق مع روحها وقواعدها ومقاصدها، ومن ثم فلا مكان فيها للأنانية الفردية التي تكمن وراء استعمال الحقوق غالباً، والتي كانت سبباً في نشوء مذاهب اجتماعية متطرفة انطرت شخصية الفرد، وألغت حقوقه متذرعة بطغيان الأنانية الفردية، فكأن التخلص من الطغيان لا يكون إلا بالوقوع في طغيان مثله!!
تقييد الحق بالمعنى الخلقي والديني من قواعد الشرع:
بينا أن المعنى الديني والخلقي في الفقه الإسلامي لا ينفصل عن ((المعاملات)) بل أن من الأصوليين من يجعل العفو عن المظالم، وإسقاط الحقوق مما يتسق مع قواعد الشريعة، ويعتبر تحريم العفو، والأخذ بالجزاء دائماً أبعد عن القواعد[14]، وواضح أن العفو - في الأصل - شيمة خلقية، وفضيلة نفسية، وهي عند علماء المسلمين أصل من أصول الشريعة يتصل بقواعدها، ولعل هذا العفو يتصل إتصالاً وثيقاً بالرحمة، والرحمة قد أنزلت الشريعة كلها من أجلها، 'وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين'، 'وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة' إلى آخر ما ورد في هذا المعنى من الآيات والأحاديث التي تفوق الحصر.
فإن قيل: إن هذا مزج للقواعد الشرعية بالقواعد الخلقية مع الفارق بينهما طبيعة وهدفا، قلنا إن هذا المزج ميزة الشريعة الإسلامية باعتبارها شريعة دينية لم تأت للتنظيم والتقنين وإقرار الجزاء الدينوي فحسب، بل جاءت للإصلاح والتكوين النفسي، وهو إصلاح جذري لا يغني عنه تنظيم العلاقات الاجتماعية، وتحديد سلوك الأفراد في صورها المادية قبل الآخرين، وهذه الظاهرة هي التي تميز الشريعة الإسلامية عن غيرها من التشريعات الوضعية، وبهذا كان للشريعة منطق يختلف عن منطق القانون في التشريع.

---
[1] الهداية ج3 ص182 - تبين الحقائق ج5 ص146 - ص147 - البدائع للكاساني ج4 ص222.
[2] القوانين الفقهية لابن جزي ص352 - بداية المجتهد لابن رشد ج2 ص155 وما بعدها.
[3] الموافقات للشاطبي ج2 ص322.
[4] وهي الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
[5] الموافقات ج2 ص322 - وراجع مجلة الحضارة العدد السابق ص48.
[6] نفرق بين القاعدة الخلقية والفقهية فالأولى لا شأن للقضاء بترتيب جزاء على الإخلال بها إذا لم يمس ذلك مصلحة مشروعة للغير، أما الثانية فهي التي يترتب على الإخلال بها جزاء قضائي في مواجهة أثر هذا الإخلال على حق الغير.
[
7] هذه القاعدة ينسحب حكمها على ((الباعث)) غير المشروع في التصرفات والمعاملات، ولا شك أن الباعث المشروع عنصر خلقي في الأصل إذ يقتضيه طهارة النية وشرف المعاملات.
[8] الموافقات ش ج2 ص322.
[9] المرجع السابق.
[10] الموافقات ج4 ص201 - جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ص18.
[11] نظرات في الإسلام - للدكتور محمد عبدالله دراز ص67.
[12] المرجع السابق.
[13] المرجع السابق.
[14] سيأتي تفصيل ذلك في العدد القادم من المجلة إن شاء الله تعالى.

الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده(5)

الكاتب ... د.فتحي الدريني
المصدر ... مجلة الحضارة الإسلامية-العدد9

الفرد في نظر الشريعة كائن حي حر مستقل مسؤول:
تأدى بنا البحث في العدد السابق إلى النتائج المنطقية التي ترتبت على اعتبار أن الشريعة هي أساس الحق وليس الحق هو أساس الشريعة[1]، وبينا أن فلسفة الفقه الإسلامي أو قل منطق التشريع الإسلامي في تنظيمه لمعالم حياة المجتمع بوجوهها المختلفة يهدف إلى تحقيق عناصر ثلاثة تعتبر جماع إنسانية الإنسان وهي: الحرية والعصمة والمالكية[2].
وأفضى بنا البحث أيضاً إلى أن الحرية في مفهومها الصحيح ليست إلا مظهراً لإنسانية الفرد وشخصيته وكيانه المستقل في الجماعة، الأمر الذي ينفي كونه آلة اجتماعية مسخرة أو اعتباره مجرد عنصر تكويني.
وأشرت كذلك إلى أن هذا ((الاستقلال)) ليس تاماً، بل الفرد مرتبط بالجماعة ارتباط تعاون في دائرة البر والخير المشترك.
كما نوهت بأن حريته - وهي شرط أساسي لتنشيط مواهبه وتنمية ملكاته - ليست مطلقة، بل هي مقيدة بما يحقق الغاية التي شرعت من أجلها.
ولعل أول ما أرسى الفقه الإسلامي على هذه الحرية من قيود هو ((المسؤولية الفردية والجماعية)).
المسؤولية الفردية تبرر الحرية وتقيدها.
أما المسؤولية[3] الفردية تبرر الحرية فذلك أوضح ((إذ لا مسؤولية حيث لا سلطة)).
وإما أنها تقيدها، فإن المسؤولية إنما تقوم أصلاً على مخالفة تعاليم الشرع، وفيما نحن بصدده أي في ممارسة الحرية، تثور المسؤولية إذا استعملت الحرية الممنوحة للفرد في غير الغاية التي شرعت من أجلها.
وهذا هو التعسف في استعمال الحريات. ولسنا الآن بصدد بيان حقيقة هذا التعسف و



عدد الصفحات: 7
<< بداية الكتاب 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب