دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

الكلمات النيرات في شرح الورقات الشيخ مشهور حسن حفظه الله

عنه ' تراخي الخطاب الثاني عن الخطاب الأول .
قيود التعريف 1- رفع الحكم المتعلق بفعل المكلف : حتى تخرج الأخبار ، الحكم المتعلق بفعل المكلف إيجادا وعدما فعلا وكفا ( الكف فعل كما قررنا ) فقد ينسخ الواجب والحرام و المباح ، أما الأحكام أو النصوص الشرعية والخطابات الشرعية المتعلقة بغير أفعال المكلف بل متعلقة بتصوراته و بأخباره فهذه كلها لا تنسخ مثل صفة الجنة والنار وأن الله حق وأن الأنبياء حق .
2- لا يوجد نسخ لشيء لم يثبت أصلا في الشرع : لأن الأصل في الأشياء البراءة أو الإباحة ولكن العلماء يفرقون بين البراءة الأصلية و الإباحة فيقولون : ما لم يرد فيه نص فهو على البراءة الأصلية وما ورد فيه نص بالحل وجواز التمتع به فهو مباح ،فلما فرض الله علينا الصلاة (وكانت من قبل غير مفروضة علينا ) لا نقول أن الخطاب الذي فرض فيه الصلاة نسخ عدم فرض الصلاة لأن عدم فرض الصلاة لم يثبت بدليل شرعي فهي على البراءة فلا يسمى نسخا ، ولكن ممكن أن يأمر الله بأمر ولم يقع بعد فيلحقه نسخ فمثلا لما أمر الله عز وجل في المعراج أمة محمد بخمسين صلاة ثم حطها إلى خمس صلوات فالخمس نسخت الخمسين مع عدم الفعل .
3- لا يوجد نسخ لحكم ثبت شرعا ولكن رفع بعارض من العوارض مثل الجنون ؛ فالمجنون رفع عنه التكليف ليس بالخطاب الآخر وكذلك من مات رفع عنه التكليف ولكن ليس بخطاب جديد .
4- الحكم الذي ثبت بدليل شرعي وله غاية ومدة محددة وانتهت مدته لا يسمى نسخا : مثلا في صلاة الجمعة قال الله تعالى ' يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة ... فإذا قضيت الصلاة فانتشروا .. ' الآية فمتى انتهت الصلاة يجوز للناس أن ينتشروا في الأرض وهذا لا يسمى نسخا .
5- يجب التراخي بين الناسخ و المنسوخ : فإذا كان مع الخطاب صفة أو شرط أو استثناء ليس متراخيا عنه فلا يسمى نسخا .
مما ينبغي أن يذكر أن النسخ في النصوص الشرعية أوسع منها في هذا الاصطلاح ومن أسباب ضلال كثير من الناس أن يفهموا النصوص على الاصطلاحات الحادثة عند المتأخرين فمثلا التأويل عند المتأخرين وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر بقرينة . لكن في النصوص الشرعية التأويل من معانيه التفسير فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن أي يفسره ، فالنسخ في نصوص الشرع لا يسمى رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب آخر ...الخ فالنسخ في نصوص الشرع أوسع من ذلك فالشيء القلق غير الواضح إن بينه الشرع وأزال المعاني المحتملة يسمى نسخا وكذلك تخصيص العام وتقييد المطلق يسمى نسخا ، وممن نبه على معنى النسخ عند السلف بكلام جيد جمع من الأقدمين منهم : الحارث المحابي في كتابه فهم القرآن ثم تبعه بعض المحققين منهم ابن تيمية وابن القيم والشاطبي .
في صحيح مسلم ج: 1 ص: 115
عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير قال فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير( قال الشيخ مشهور : العقل أمام النقل لا وجود له كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية الشرع قاض والعقل شاهد ويجوز للقاضي أن يطرد الشاهد متى شاء ) فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله عز وجل لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال نعم ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا قال نعم ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به قال نعم واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين قال نعم ' وقد نقل عن جمع كابن مسعود وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس والحسن والشعبي وابن سيرين وسعيد بن جبير وقتادة وعطاء الخرساني و السدي ومحمد بن كعب القرظي ومقاتل والكلبي وابن زيد أنهم قالوا : ليست بمنسوخة ، إذن ظاهر الأمر فيه تعارض .(وابن تيمية له كتاب في هذه المسألة اسمه التحفة العراقية في الأعمال القلبية ) فعند التحقيق لا خلاف بين السلف في الآية فالمراد
بقول أبي هريرة ' ثم نسخها الله ' ليس النسخ المعروف عند الأصوليين بحده الذي ذكرناه .
قال ابن تيمية : وفصل الخطاب أن لفظ النسخ مجمل فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة في الآية عليه إن كانت آية دلالتها على شيء مظنون فكانوا يسمونه نسخا من عموم أو إطلاق أو غير ذلك كما قال من قال إن قوله تعالى ' اتقوا الله حق تقاته ' و ' جاهدوا في الله حق جهاده ' نسخ بقوله تعالى ' فاتقوا الله ما استطعتم ' وفي الحقيقة أن هذا ليس نسخا لأنه لو أثبتنا ' اتقوا الله حق تقاته ' على أنها منسوخة والذي نسخها ' اتقوا الله ما استطعتم ' لأثبتنا التكليف بالمحال لأنه كلفنا شيئا فوق الاستطاعة وهو حق التقوى وهذا لا يقول به أحد ومن قال بجواز التكليف بالمحال أيضا اعتمد على هذا فوقع خلط في الكثير من الفروض بل في بعض المسائل الأصولية بسبب الغفلة عن تحرير وتحقيق معنى النسخ عند السلف , قال ابن تيمية :وليس بين الآيتين تناقض لكن قد يفهم بعض الناس من قوله حق تقاته وحق جهاده الأمر بما لا يستطيعه العبد فينسخ ما فهمه هذا كما ينسخ الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته وإن لم يكن نسخ ذلك بل نسخ ما أنزله الشيطان إما من الأنفس ومن الأسماع أو من اللسان وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنى وإن كانت الآية لا تدل عليه لكنه معنى محتمل معنى قد يخطر في البال ، كما خطر في بال الصحابة فمعنى النسخ أن الآية الثانية وضحت وبينت وأزالت ما قد يفهم خطأ من الآية فصار النسخ عند السلف معناه تخصيص العام وتقييد المطلق والشيء الذي قد يفهم على وجه خطأ ينسخ الله عز وجل المعنى هذا المحتمل الذي قد يلقى في النفوس فينسخه عز وجل بمعنى التبيين و التوضيح وإزالة الإجمال وتعيين المراد ولذا النسخ عند السلف أوسع من النسخ كاصطلاح أصولي .
قال : وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنى وإن كانت الآية لم تدل عليه لكنه محتمل وهذه الآية من هذا الباب ، معنى فنسخ الله ' : يعني أحكم الله تعالى ما يريد وبين ما يريد وأزال ما قد وقع في نفوس الصحابة من ظنهم أن الله تعالى قد كلفهم ما لا يقدرون أو ما لا يستطيعون فإن قوله ' وإن تبدو ما في أنفسكم ... ' الآية إنما تدل على أن الله يحاسب بما في النفوس لا على أنه يعاقب على كل ما في النفوس فالعمل القلبي قسمان ؛خواطر تهجم عليه فهذا غير مؤاخذ فيه وأشياء تحت قدرته ومكنته مكتسبة فهذا يؤاخذ عليه ويدل على ذلك حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فهما في الأجر سواء ، فهما في الوزر سواء من فعل ومن تمنى ( من فعل فعلا



عدد الصفحات: 69
<< بداية الكتاب 61 - 62 - 63 - 64 - 65 - 66 - 67 - 68 - 69 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب