دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

تيسير الوصول

، فيقال: إن الأبوة مانعة من تأثير العلة في الحكم، لكنها ليست علة منقوضة، بل منع من تأثيرها مانع، فلا تبطل في غير الأب.
ومثال الثاني: ـ وهو فوات شرط العلة ـ الزنا علة للرجم إجماعاً، وشرطه: الإحصان، فإذا تخلف الحكم وهو الرجم، مع وجود العلة ـ وهي الزنا ـ، فلا يقال: إنها علة منقوضة، بل علة تخلف شرط تأثيرها.
قوله: (فلا ينقض) أي: تخلف الحكم عن العلة في هذه الأضرب الثلاثة لا ينقض العلة ولا يفسدها، لما سبق تقريره من قيام الدليل عليه.
قوله: (وما سواه فناقض) أي: ما سوى تخلف حكم العلة في الأضرب الثلاثة فهو ناقض للعلة؛ لأن الأصل يقتضي انتقاض العلة بمطلق تخلف حكمها، وإنَّما ترك ذلك في الأضرب الثلاثة؛ لقيام الدليل عليه، ففي غيرها يكون ناقضاً عملاً بالأصل؛ كما مضى.
والنقض أن يوجد الوصف في صورة من الصور ولا يوجد معه الحكم، وما أشار إليه المصنف هو الصواب في المسألة، وهو قول المحققين، وهو أن تخلف العلة عن الحكم إن كان لأجل مانع مَنَعَ من تأثير العلة، أو لفقد شرط تأثيرها فهو تخصيص للعلة، وإلا فهو نقض وإبطال لها[(956)].
ومثاله: لو قيل: الزكاة تجب في المواشي، قياساً على الأموال، بجامع دفع حاجة الفقير، فيقال: إن التعليل بدفع حاجة الفقير قد تخلف الحكم عنها في الجواهر، لصلاحيتها لدفع حاجة الفقير، ومع هذا فلا زكاة فيها، فهي علة منقوضة حيث وجد المعنى المعلل به، وهو دفع حاجة الفقير، ولم يوجد الحكم، وهو وجوب الزكاة.
و(التعدي): لأنه الغرض من المستنبطة، فأما القاصرة وهي ما لا توجد في غير محل النص، كالثمنية في النقدين فغير معتبرة، وهو قول الحنفية، خلافاً لأبي الخطاب والشافعية.
فإن لم يشهد لها إلا أصل واحد فهو (المناسب الغريب). وإن كان حكماً شرعياً فالمحققون: تجوز عليته؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: 'أَرَأَيْتَ لو كان على أَبِيْكَ دَيْنٌ' ، 'أرأيت لو تمضمضت' ، فنبه بحكم على حكم. وقيل: لا. ثم هل يشترط انعكاس العلة؟.
قوله: (والتعدي) هذا الشرط السابع من شروط الجامع، وهو أن يكون وصفاً متعدياً، والمراد بالتعدي: أن تكون العلة متعدية من محل النص إلى غيره، أي: تتعدى من الأصل إلى الفرع، كالإسكار علة متعدية لكل مسكر، فهي غير قاصرة على الأصل، والكيل والطعم كذلك عند من يعلل بهما في الربويات.
قوله: (لأنه الغرض من المستنبطة) أي: لأن التعدي هو الغرض من العلة المستنبطة، حيث إن المجتهد إنَّما يستنبط العلة من الأصل، ليعرف وجودها في الفرع، فإذا كانت العلة قاصرة على الأصل، أي: لا توجد في غيره لم يتمَّ القياس؛ لانعدام العلة في الفرع، كما تقدم.
قوله: (فأما القاصرة ـ وهي ما لا توجد في غير محل النص... فغير معتبرة) العلة القاصرة: تقابل العلة المتعدية، والعلة القاصرة هي التي لا توجد في غير الأصل، وهو محل النص، وهي: إمَّا أن تكون منصوصة أو مستنبطة، فإن كانت ثابتة بنص أو إجماع فلا خلاف في جواز التعليل بها؛ لأن النص تَعَبُّدٌ من الشارع يجب تلقيه بالقبول.
وإن كانت ثابتة باستنباط فهي التي فيها الخلاف، فالقول الأول: إنها غير معتبرة، فلا يصح التعليل بها، وهذا قول أكثر الحنفية، ورواية عن أحمد، اختارها الأكثرون.
واستدلوا بأنه لا فائدة في التعليل بها؛ لأن فائدة العلة منحصرة في إثبات الحكم بها، وهو منتفٍ؛ لعدم تعديها إلى محل آخر، ولأن العلة الشرعية أمارة فلا بد وأن تكون كاشفة عن شيء، والعلة القاصرة لا تكشف عن شيء، فلا تكون أمارة، فلا تصح علة.
قوله: (كالثمنيّة في النقدين) هذا مثال العلة القاصرة. وهو تعليل الربا في الذهب والفضة بكونهما أثمان الأشياء، وهذه علة قاصرة ليست موجودة في غير النقدين لتتعدى إليه.
لكن تمثيل المصنف كغيره من الأصوليين للعلة القاصرة بالثمنيّة في النقدين فيه نظر؛ فإن قصر الثمنيّة عليهما يرده تعامل الناس قديماً وحديثاً بأثمان ليست من النقدين، كالتعامل بالمقايضة ـ وهي مبادلة مال بمال كلاهما من غير النقود ـ؛ كأن يبيعه صاع برٍّ بصاعين من شعير، وكذا التعامل بالأوراق النقدية، وغير ذلك مما يكون ثمناً[(957)].
ومن الأمثلة: السفر والمرض علتان لإباحة الفطر للمسافر أو المريض، وهذه العلة لا توجد في غير السفر والمرض، فهي علة قاصرة عليهما لا تتعداهما إلى غيرهما، كأصحاب المهن الشاقة ـ مثلاً ـ لأنهم لا يوجد فيهم علة السفر والمرض.
قوله: (خلافاً لأبي الخطاب والشافعية) هذا القول الثاني ، وهو: أنه يجوز تعليل الحكم بالعلة القاصرة وإن كان الحكم لا يتعدى بها إلى محل آخر لعدم تحققها فيه، وهو رأي أكثر المالكية، وجمهور الشافعية، ورواية عن أحمد، وبعض الحنفية، واختارها أبو الخطاب، وصححه في 'جمع الجوامع'.
واستدلوا بأن الظن حاصل بأن الحكم لأجلها، وهذا يكفي، بدلالة صحة العلة القاصرة المنصوصة اتفاقاً، والمجمع عليها أيضاً، وإن لم يفد كل منهما إلا الظن، ولأن الوصف القاصر قد يدور مع العلة وجوداً وعدماً، والدوران دليل العِلِّيَّةِ، فيكون الوصف القاصر علة.
وقولهم: إنه لا فائدة في التعليل بها، غير مسلَّم، بل فيها فوائد منها:
1 ـ أنها تقوّي الحكم بإظهار حكمته، وذلك مما يزيد به الإيمان والعلم، ويكون أدعى إلى القبول والطمأنينة.
2 ـ أنه يعلم بسببها امتناع القياس؛ لكونها قاصرة على محلها.
3 ـ أنها تقوي النص الدال على معلولها؛ لأن التعليل كنص آخر.
والأظهر بحسب النظر جواز التعليل بالعلة القاصرة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية[(958)]، أمَّا القياس بها فلا يجوز قولاً واحداً[(959)]؛ لعدم تعديها إلى الفرع، والتعدي أساس القياس.
قوله: (فإن لم يشهد لها) أي: العلة، والكلام في الوصف، والظاهر أن هذا مقابل لقوله فيما سبق: (والاعتبار..) .
قوله: (إلا أصل واحد فهو المناسب الغريب) أي: إن المناسب الغريب هو ما أدرك المجتهد مناسبته استنباطاً، ولم يجد أن الشرع اعتبره، أو اعتبر نظيره، وهو قريب من المرسل أو قسم منه، فرتِّب الحكم على وفق الوصف فقط، دون أن يشهد له أصل آخر، بمعنى أنه لا نظير له. ومثّلوا لذلك: بتوريث المبتوتة في مرض الموت، إلحاقاً بالقاتل الممنوع من الميراث، تعليلاً بالمعارضة بنقيض القصد في كل من الزوج فترث زوجته، والقاتل فلا يرث، فهذا مناسبته ظاهرة، وفي ترتب الحكم عليه تحصيل مصلحة، وهي نهيهما عن الفعل الحرام، غير أنه لم يشهد لهذا النوع من المصلحة أصل آخر، فكان غريباً لذلك.
فهذا النوع من المناسب سمي غريباً لأنه لا نظير له في الشرع، ولا دلَّ كلام الشارع وإيماؤه عليه[(960)]. على أن من الأصوليين ـ كالغزالي'>;ـ من منع وجود المناسب الغريب، وقال: (قلَّما يتفق في المسائل أمثلته، فإن المعاني إذا ظهرت مناسبتها فلا تنفك عن التفات الشرع إلى جنسها في غالب الأمر..) وقال غيره: (لا يحسن جعل هذا قسماً برأسه، بل إن شهد له أصل بعينه دخل فيما سبق، وإلا كان مرسلاً)[(961)].
قوله: (وإن كان حكماً شرعياً) الظاهر أن هذا معطوف على قوله: (ثم الجامع إن كان وصفاً... فهو علة لا خلاف في ثبوت الحكم به..) ثم قال:
(وإن كان حكماً شرعياً فالمحققون تجوز عليته) لأنه ذكر أن الجامع يكون وصفاً وفَصَّلَ القول فيه، ثم ذكر أنه يكون حكماً، وهذا التفصيل فيه، فيجوز أن يكون الحكم الشرعي علة لحكم شرعي، وهذا قول المحققين، ونسبه ابن اللحام إلى الأكثر[(962)].
وذلك كقولنا: من صح طلاقه صح ظهاره، وتحرم الخمر فلا يصح بيعها كالميتة، فالعلة الجامع



عدد الصفحات: 111
<< بداية الكتاب 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب