دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

تيسير علم أصول الفقه للجديع

اسمِ شيءٍ آخر محرَّمٍ معلومِ الحُرمة، كوصفِ الفعلِ بأنَّه زِنا أو سرِقة أو شركٌ، أو غير ذلك، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ الله كتب على ابنِ آدمَ حظَّهُ من الزِّنا، أدركَ ذلكَ لا محالَةَ، فزِنا العينِ النَّظرُ، وزِنَا اللِّسانِ المنطقُ)) الحديث [ متفقٌ عليه عن أبي هريرةَ]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((أسوَأُ النَّاسِ سرِقةً الَّذي يسرقُ صلاتَهُ)) قالُوا: يا رسول الله، وكيف يسرقُ صلاتَهُ؟ قالَ: ((لا يُتمُّ رُكُوعهَا ولا سُجُودَهَا)) [حديث صحيحٌ، رواه الدَّارمِيُّ وأحمدُ وغيرهما]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((منْ حلفَ بغيرِالله فقَدْ أشركَ)) [حديثٌ صحيحٌ رواه أبوداود والتِّرمذِيُّ وغيرُهما].
'أقسامه:
التَّحريمُ لم يأتِ في شريعةِ الإسلامِ إلاَّ لشيءٍ كانتْ مفسدَتُهُ خالصَةً أو غالبةً، وجميعُ المحرَّماتِ لا تخلو من أن تكونَ على واحدٍ من الوَصْفينِ، وهذه قاعدَةٌ عظيمةٌ في الفقهِ لإدراكِ ما يمكنُ أن يلحقَ بالحرَامِ بحسبِ رُجْحانِ جانبِ المفسدةِ، أو فُقدانِ المصلحَةِ.
والمفسدَةُ في المحرَّمِ تكونُ في ذاتِ الشَّيءِ المحرَّمِ، أو يكونُ المحرَّمُ سببًا فيها، وعليه فالمحرَّماتُ قسمانِ:
1ـ محرَّمٌ لذاتِهِ:
مثلُ : الشِّركِ، والزِّنا، والسَّرقَةِ، وأكلِ الخِنزيرِ، فهذه حُرِّمت لِذواتِها، ومفاسدُها خالصَةٌ أو راجحَةٌ، ويترتَّبُ على فعلِهَا: الإثمُ والعِقابُ، وبُطلانُ كونِهَا أسبابًا شرعيَّةً لثبوتِ شيءٍ من الأحكامِ، فالزِّنَا مثلاً لا يثبتُ بهِ النَّسبُ ولا يأخذُ أحكامَ الزَّواجِ الصَّحيحِ، والسَّرقةُ لا تثبتُ المكليَّة للمالِ المسروقِ، وهكذا.
2ـ محرَّمٌ لغيرهِ:
هو مباحٌ في الأصلِ أو مشروعٌ لخُلوِّهِ من المفسدَةِ أو رُجحانِ مصلحتهِ، لكنَّه في ظرفِ معيَّنٍ كان سببًا لمفسدةٍ راجحَةٍ، فتعتريهِ الحُرمَةُ في تلكَ الحالِ.
مثلُ: البيعِ والشِّراءِ، فإنَّهُ مباحٌ مشروعٌ، إلاَّ أنهُ يحرُمُ عند سماعِ النِّداءِ الأوَّلِ للجُمُعةِ، لما يقعُ بمزوالتِهِ حينئذٍ من تفويتِ الجُمُعةِ، والرَّجلُ يخطبُ امرأةً أجنبيَّةً ليتزوَّجها حلالٌ مباحٌ، لكنَّهُ يحرُم إذا علمَ أنَّ مسلمًا غيره قد تقدَّمَ لِخِطبتها حتَّى ينصرِفَ عنها أو تنصرِف عنه، وإنَّما كانتْ الحرمَةُ العارضَة لما يُسبِّبُ ذلك من العدَاوةِ بين المسلمينَ بسببِ ما يقعُ من الإيذاءِ، ومثلهُ أن يبيع على بيعِ أخيهِ، والصَّلاةُ مشروعةٌ في كلِّ وقتٍ إلاَّ في ساعاتٍ منعت الشَّريعَةُ من الصَّلاةِ فيها دفعًا لمشابهةِ الكُفَّار حيثُ يسجدونَ للشَّمسِ عندَ طُلوعهَا وغُروبهَا.
ولوْ أوقعَ المسلمُ الفعلَ من هذه الأفعالِ في وقتِ تحريمِهَا، فهلْ يصحُّ منه الفعلُ مع الإثمِ، أو يفسدُ الفعلُ مع الإثمِ؟ بينَ الفُقهاءِ خلافٌ، وسيأتي في (مبحث النَّهي).
'تنبيه:
فرَّق الحنفيَّةُ في المطلوبِ الكفُّ عنه على وجه الإلزامِ بين ما ثبتَ بدليلٍ قطعيِّ الورود كالقرلآن والسُّنةِ المتواترَةِ، فسمَّوا ما ثبت به (الحرام)، وما ثبتَ بدليلٍ ظنِّيِّ الورودِ كحديثِ الآحادِ الصَّحيحِ، فسمَّوه: (المكروهُ تحريمًا)، وهذا شبيهُ ما تقدَّم لهُم في التَّفريقِ بينَ (الفرضِ) و (الواجبِ)، وجمهُورُ العلماءِ على عدمِ التَّفريقِ، وهو الصَّوابُ.
4ـ المكروه
'تعريفه:
لُغةً: مادَّتُهُ (كره) وهو أصلٌ يدلُّ على خلافِ الرِّضا والمحبَّةِ، فـ(المكروهُ) ضدُّ المحبوبِ.
واصطلاحًا: ما طلبَ الشَّارعُ من المكلَّفِ تركَهُ لا على وجهِ الحتْمِ والإلزامِ، ويثابُ تاركُه امتثالاً، ولا يعاقبُ فاعلُهُ.
وقد استُعملَ لفظُ (المكروهُ) في لسانِ الشَّرعِ بِهذا المعنى، وكذلك بمعناهُ اللُّغويِّ الَّذي هو ضدُّ المحبوبِ، فربَّما وُصفَ بهِ (الحرامُ)، كما في قوله تعالى بعد ذكرِ بعضِ المناهي في سورةِ الإسراءِ: { كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا } [الإسراء: 38]، وجميعها محرَّمٌ، والمعنى فيه أنَّ تلكَ المحرَّماتِ غيرُ محبوبةٍ ولا مرضيَّةٍ، بلْ مُبغضةٌ مكروهَةٌ، لكن هذا الاستعمالُ لا يُشكلُ على المعنى الاصطلاحيِّ لـ(المكروه) على أنَّه نوعٌ من الأحكامِ التَّكليفيَّةِ غيرُ (الحرام).
'صيغته:
تُعرفُ الكراهةُ في الأحكامِ الشَّرعيَّة باستعمالاتٍ تدلُّ عليها، ترجعُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ:
1ـ لفظِ (الكراهةِ) كما في حديث المغيرةِ بن شُعبةَ رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ الله حرَّم عليكُم عقوقَ الأمَّهاتِ، وأودَ البناتِ، ومنعَ وهاتِ، وكرِه لكُم قيلَ وقالَ، وكثرةَ السُّؤالِ، وإضاعَةَ المالِ)) [متفقٌ عليه]، وفيه تفريقٌ بيِّنٌ بينَ (الحرامِ) و(المكروه).
ومنها: حديثُ المهاجرِ بنِ قُنفُذٍ رضي الله عنه: أنَّهُ أتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يبُولُ، فسلَّمَ عليه فلم يرُدَّ عليهِ حتَّى توضَّأ، ثمَّ اعتذَرَ إليه فقال: ((إنِّي كرهتُ أن أذْكُرالله عزَّوجلَّ إلاَّ طُهرٍ (أو قال: على طهارةٍ) )) [حديثٌ صحيحٌ رواه أبوداودَ وغيرُهُ]، مع ما ثبتَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كانَ يذْكُرُ الله على كلِّ أحيانِهِ [رواه مسلمٌ عن عائشة].
2ـ صيغةِ النَّهيِ الَّتي قام بُرهانٌ على صرفهَا عن التَّحريمِ، كحديث عبدالله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الشِّفاءُ في ثلاثةٍ: في شرْطةِ مِحجَمٍ، أو شربَةِ عسلٍ، أو كيَّةٍ بنارٍ، وأنا أنهى عن الكيِّ)) [رواه البخاريُّ]، فهذا النَّهيُ للكراهَةِ لا للتَّحريمِ، وممَّا دلَّ عليه: حديثُ جابرِ بن عبدالله رضي الله عنهما قال: سمعتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: (( إنْ كانَ في شيءٍ من أدويتِكُم خيرٌ ففي شربةِ عسلٍ، أو شرطَةِ مِحجمٍ، أ ولَذْعَةٍ من نارٍ، وما أحِبُّ أن أكتوِي)) [متفقٌ عليه]، فهذا إذنٌ لهُم في التَّداوي بالثَّلاثِ المذكُورَاتِ، معَ كراهَةِ الكيِّ.
ومن ذلكَ حديثُ عبدالله بن عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى يومَ خيبرَ عن أكلِ الثُّومِ [رواه البخاريب]، وهذا النَّهيُ ليسَ للتَّحريمِ بأدلَّةٍ عديدةٍ منها:
حديثُ أبي أيُّوبَ الأنصارِيِّ رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أُتي بِطعامٍ أكل منهُ وبعثَ بفضْلِه إليَّ، وإنَّه بعثَ إليَّ يومًا بفضْلةٍ لم يأكلُ منها؛ لأنَّ فيها ثومًا، فسألتُه: أحرَامٌ هُوَ؟ قال: (( لاَ، ولكنِّي أكرَهُهُ من أجلِ ريحِهِ)) قال فإنِّي أكرهُ ما كرِهتَ، وفي روايةٍ: وكانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُؤتَى [رواه مسلم]، والمقصودُ أنَّه كان يأتيهِ الملكُ.
3ـ التُّروكِ النَّبويَّة الَّتي قُصدَ بها التَّشريعُ لا الَّتي جرتْ بمقتضى الطَّبع البشرِيِّ، وهذا يُقابلُ ما يفيدُه الفعلُ النَّبويُّ من الاستحبابِ، فكذلك يُفيدُ التَّركُ الكراهةَ.
ومن أمثلة ما كانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - تركَهُ عمدًا بقصدِ التَّشريعِ لا بمقتضى طبعهِ: تركُهُ مُصافحة النِّساءِ في البيعةِ، قالتْ عائشةُ رضي الله عنها: ما مسَّت يدُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدَ امرَأةٍ قطُّ، غيرَ أنَّه بايعهُنَّ بالكلامِ [متفقٌ عليه]، وقال: - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ أُميمةَ بنتِ رُقيقَةَ: ((إنِّي لا أُصافحُ النِّساءَ، إنما قولي لمئةِ امرأةٍ كقولي لامرأةٍ واحدَةٍ)) [حديثٌ صحيحٌ ، رواه مالكٌ



عدد الصفحات: 67
<< بداية الكتاب 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب