دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

خلق المسلم

http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة


الكتاب : خلق المسلم
المؤلف : محمد الغزالي
الناشر : دار نهضة مصر
الطبعة : الأولي
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
هذه نقول من الكتاب والسنة توجه المسلم إلى الفضائل التى يتم بها دينه، وتصلح بها دنياه وأخراه جميعا. مهدتُ لها وعقبتُ بتفاسير موجزة، تعالج ما انتاب المسلمين فى هذه الأعصار من انحراف وهبوط، نتيجة ما أصاب أخلاقهم من عُقد وعلل.. واكتفيت بما سُقتُ من آيات، وذكرت من أحاديث. فلم أستطرد إلى إيراد الشواهد الأخرى من أقوال الأئمة، وحِكم العلماء، وعظات العُبَّاد والمتأدبين ـ على كثرتها فى تراثنا القديم ـ لأنى قصدت أن نرجع إلى الشريعة وحدها، وأن أعرض جانب التربية منها، على أنه توجيه إلهى، يُطالب المسلم بالتزامه، ويعتبر مقصرا فى حق الله، حين يَعرض عنه.. وفرق بين المطالبة بأدب ما على أنه خلق عام، وبين التكليف به على أنه دين كسائر العبادات المفروضة فى هذا الدين. وقد درسنا، فى مراحل ثقافتنا، فلسفة الأخلاق، ومناهج الفلاسفة ومقاييسهم لضبط سلوك البشر.. وأعجبنا بما فيها من فكر عميق، وتلمُّس للحقيقة، واستشراف للمثل العليا. ولسنا نغمط فضل أحد نَشدَ الخير للناس، واجتهد فى إنارة السبل أمامهم..
ص '004
بيد أننا نلفت أنظار المنصفين إلى أساليب التربية الناجعة، والأخلاق الرائعة التى جاء بها صاحب الرسالة الخاتمة، ونقل بها العالم من الغى إلى الرشاد. وسوف يرون أن فى الإسلام كنوزا حافلة بالنفائس، دونها ما ورث الناس من فلسفة اليونان والرومان. قيل لعالم مسلم: هل قرأت أدب النفس ' لأرسطو' ؟ فقال : بل قرأت أدب النفس لمحمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.! لقد قرأنا أدب النفس لأرسطو ولأمثاله من الفلاسفة، وقرأنا أدب النفس لمحمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، فوجدنا ما تخيله الأولون واصطنعوا له بعد العناء صورا بعضها كامل وبعضها منقوص. وجدناه قد تحول إلى حقائق حية تجسد فيها الكمال وأضحى سيرة رجل، وأدب أمة، وشعائر دين ضخم. ذلكم هو أدب النفس لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم . نحمد الله إذ وفقتنا الأقدار الميمونة لدراسة بعض معالمه، وإتاحة عرضها فى إطار جديد. * * * وهذا الكتاب يعتبر حلقة ثانية بعد كتابنا 'عقيدة المسلم '. وقد بدأناه بمقدمة عن الأخلاق فى الإسلام، وصلتها بالتعاليم والعبادات الأخرى. وعن طبيعة النفس وآثار البيئة.. الخ. ثم ذكرنا ما أمر الإسلام به من فضائل، ولم نقصد إلى ترتيب معين فى تقديم فضيلة على أخرى. وآثرنا فى هذا الكتاب أن نذكر مراجع النصوص. على عكس ما ألف القارئ منا فى الكتب السابقة!. ص '005
ونحن نستشهد بالأحاديث المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا كانت من قبيل 'الصحيح ' لذاته أو لغيره، و 'الحسن ' لذاته أو لغيره، كما يقول علماء المصطلح. وتلك خطة تحريناها، سواء ذكرنا المرجع، أم لم نذكره. والسنن المنقولة هنا أثبتناها كما اقتبسناها من كتابى ' تيسير الوصول ' و'الترغيب والترهيب '، واكتفينا بذكر مصدر واحد للحديث إذا كانت مصادره كثيرة.. ولم نبذل جهدا يذكر فى هذا التأليف، أكثر من أننا استفدنا كتابة الخير ويسرناه للمطالعين. وبقى الجهد الأكبر الذى يتحمله الكاتب والقارئ على سواء، وهو حب الخير والسير على سننه القويم.
محمد الغزالى ص '007
المقدمة أركان الإسلام ومبادئ الأخلاق
لقد حدد رسول الإسلام الغاية الأولى من بعثته، والمنهاج المبين فى دعوته بقوله: 'إنما بُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق '. فكأن الرسالة التى خطت مجراها فى تاريخ الحياة، وبذل صاحبها جهدا كبيرا فى مد شعاعها وجمع الناس حولها، لا تنشد أكثر من تدعيم فضائلهم، وإنارة آفاق الكمال أمام أعينهم، حتى يسعوا إليها على بصيرة.. والعبادات التى شرعت فى الإسلام واعتبرت أركانا فى الإيمان به ليست طقوسا مبهمة من النوع الذى يربط الإنسان بالغيوب المجهولة، ويكلفه بأداء أعمال غامضة وحركات لا معنى لها، كلا فالفرائض التى ألزم الإسلام بها كل منتسب إليه، هى تمارين متكررة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة، وأن يظل مستمسكا بهذه الأخلاق، مهما تغيرت أمامه الظروف.. إنها أشبه بالتمارين الرياضية التى يُقبل الإنسان عليها بشغف، ملتمسا من المداومة عليها عافية البدن وسلامة الحياة. والقرآن الكريم والسنة المطهرة، يكشفان ـ بوضوح ـ عن هذه الحقائق. فالصلاة الواجبة عندما أمر الله بها أبان الحكمة من إقامتها، فقال: (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر). فالإبعاد عن الرذائل، والتطهير من سوء القول وسوء العمل، هو حقيقة الصلاة، وقد جاء فى حديث يرويه النبى عن ربه: (إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتى، ولم يستطل على خلقى، ولم يبت مصرا على معصيتى، وقطع النهار فى ذكرى، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب) . ص '008
والزكاة المفروضة ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب، بل هى - أولا - غرس لمشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد لعلاقات التعارف والألفة بين شتى الطبقات. وقد نص القرآن على الغاية من إخراج الزكاة بقوله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها). فتنظيف النفس من أدران النقص، والتسامى بالمجتمع إلى مستوى أنبل هو الحكمة الأولى. ومن أجل ذلك وسع النبى - صلى الله عليه وسلم - فى دلالة كلمة الصدقة التى ينبغى أن يبذلها المسلم فقال: 'تبسمك فى وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل فى أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك فى دلو أخيك لك صدقة وبصرك للرجل الردىء البصر لك صدقة' . وهذه التعاليم فى البيئة الصحراوية التى عاشت دهورا على التخاصم والنزق تشير إلى الأهداف التى رسمها الإسلام، وقاد العرب فى الجاهلية المظلمة إليها. وكذلك شرع الإسلام الصوم، فلم ينظر إليه على أنه حرمان مؤقت من بعض الأطعمة والأشربة، بل اعتبره خطوة إلى حرمان النفس دائما من شهواتها المحظورة ونزواتها المنكورة. وإقرارا لهذا المعنى قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ' من لم يدع قول الزور، والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه ' وقال: 'ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحد، أو تجهل عليك، فقل: إنى صائم ' . والقرآن الكريم يذكر ثمرة الصوم بقوله : (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) . ص '009
وقد يحسب الإنسان أن السفر إلى البقاع المقدسة ـ الذى كلف بها المستطيع واعتبر من فرائض الإسلام على بعض أتباعه يحسب الإنسان هذا السفر رحلة مجردة عن المعانى الخلقية، ومثلا لما قد تحتويه الأديان أحيانا من تعبدات غيبية. وهذا خطأ، إذ يقول الله تعالى ـ فى الحديث عن هذه الشعيرة: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق و لا جدال في الحج و ما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب). * * * * هذا العرض المجمل لبعض العبادات التى اشتهر بها الإسلام، وعرفت على أنها أركانه الأصيلة، نستبين منه متانة الأواصر التى تربط الدين بالخلق. إنها عبادات متباينة فى جوهرها ومظهرها، ولكنها تلتقى عند الغاية التى رسمها الرسول صلى الله عليه وسلم فى قوله: 'إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق '. فالصلاة والصيام والزكاة والحج، وما أشبه هذه الطا



عدد الصفحات: 50
<< بداية الكتاب 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب