دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

المعذب في الشعر العربي الحديث في سوريا ولبنان من عام 1945 إلى 1985

ماتصور ظاهرة ممتلئة بالخوف على المصير الإنساني بسبب انعدام مصادر الاطمئنان والاستقرار بما فيها المصادر الاقتصادية.
وللشاعر /خير الدين الزركلي/ قصيدة في هذا المجال يصف فيها لاجئاً:(1)

دموعُ من، تلك التي تذرف؟ ... وقلبُ من هذا، الذي يوجفُ؟
إنْ كان إنساناً فهلاّ صغى ... إليه من يرحمَ أو يرأفُ
أمْ ليس في الناس لمستنصِفٍ؟ ... من ناصرٍ يعطف أو يُنصِفُ

ثمة حالة قهرية سلبية استدعت بكاء ذلك الشخص /اللاجئ/، فهو ليس لاجئاً عادياً، بل هو إنسان اضطر مرغماً إلى القيام بفعل يوحي بالضياع وبالهرب من وضع غير آمن، وهذا بالضبط مايثير استنكار الشاعر لجملة الظروف التي أسهمت في بلورة هذه الشخصية فيدعو المجتمع ببعض فئاته إلى موقف أكثر إنسانية من المشكلة المطروحة في الأبيات التي يعاني منها امرؤ ما، لأن معاناته وتشرُّدَه لن ينتهيا إلا بموقف اجتماعي (أم ليس في الناس لمستنصف).
''''''''''
(1) الزركلي، خير الدين، 1980 الأعمال الكاملة ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص333.
إنَّ ظهور هذا /المعذب/ في النص آتٍ من أسباب اجتماعية أخلاقية، تتعلق باستعداد ذلك الشخص المسبق لدخول حالة التأزم النفسي، حيث نحن أمام امرئ تعرض لموقف عصيب لا يزول إلا بزوال المسبب، ولكنه ليس موقفاً ينطوي على الديمومة والاستمرارية مدى الحياة ناجماً عن وجود خلل نفسي متأصِّل فيه.
لقد طرحت المدرسة الإحيائية إلى جانب الفقر والتشرد جوانبَ أخرى لغربة الإنسان، تتمثَّل بالاغتراب القسري عن المكان نتيجة وجود ظروف سياسية تتعلق بالانتداب والاحتلال، وهو اغتراب عانى منه (خير الدين الزركلي) نفسه حيث يقول في قصيدة له بعنوان (قصيدة نجوى)(1):

إن الغريبَ معذبٌ أبداً ... إن حلّ لم ينعمْ وإن ظَعَنَا
لو مثّلوا لي موطني وَثَنا ... لهممْتُ أعبدُ ذلك الوُثَنَا

إن شعور الزركلي بالغربة القسرية عن الوطن آتٍ من أنه فقد في الوطن الجديد مجملَ العلاقات الاجتماعية ذات الرابط الحميمي، وقد أخذ الوطن في البيتين السابقين سمة (أعبدُ ذلك الوثنا) عند الشاعر لأنه ارتبط بكل ما هو خيرٌ ومعِطاء ( الأم، الأرض) ، الأمر التقديس الذي جعله يرى الوضع الجديد قبيحاً إلى حد سبّب له الألم والحزن.
وهكذا فإن /المعذب/ الذي طرحه البيتان يرتبط بمعنى /القلق/ و /الألم/ و /عدم الاستقرار/ في البيئة الاجتماعية الجديدة.
إن كل مايسود في الوطن من علاقات سلبية وإيجابية، هو في نظر الشاعر /جميل/، والبيتُ الثاني يرسِّخ هذه الفكرة بعمق، فيكتسب البيتان قيمة جمالية هامة.
''''''''''
(1) الزركلي، خير الدين، الديوان ص21.
أما الاغتراب الذي طرحه (محمد البزم) فيختلف عن اغتراب (الزركلي) ذي الظروف السياسية، لأن (البزم) طرح الاغتراب الاجتماعي الذي ينبثق عن العلاقات الاجتماعية الفاسدة، ثم يتَّسع ويزداد حدة وقسوة إلى حد فقدان الأمل والموت مع تراكم السنين، حيث يقول في قصيدة له بعنوان /الغريب/:(1)

بات في أرضه غريباً تبارى ... في أذاه قبل العدى أترابُهْ
كيف لايغتدي غريباً، وقد حُمَّ ... إلى فجوة الفناءِ اغترابُهْ؟ (مدور)

إن المعذب الذي صوَّره البيتان يستند إلى خلل في طبيعة صلة الأفراد بالشاعر، إذ يتّبعُ الأفراد سلوكاً اجتماعياً مخالفاً لسلوكه يعود عليه بالأذى والضرر، فكان لابد من إعلان القطيعة مع قبْح ذلك السلوك.
يتفاوت الاغتراب حدة بين البيتين الأول والثاني، فالغريبُ في البيت الأول -كما رأينا- يرتبط بالعلاقات الاجتماعية، في حين أن الاغتراب في البيت الثاني مرتبط بالموت والنهاية. ويشكّل هذا الاغتراب على الصعيد النفسي حالة أكثر رعباً من الاغتراب الاجتماعي السابق، حيث /الغربة/ الناتجة عن الشعور بالنهاية تنطوي على تأزم نفسي كبير، فكيف إذا اجتمعت هاتان الغربتان معاً، في ذات الشاعر، ويبدو من سياق البيتين أن الغربة الأولى أفضت إلى الثانية.
إن الغربة الاجتماعية بتراكمِ سلبياتها أدَّتْ إلى فقدان الأمل بالواقع وبالمستقبل فانتهى الأمر بالشاعر إلى التفكير بالعدم لفقدانه الثقة بالواقع، وفقدانه التوازن، وهذا ماتشير إليه الحياة الاجتماعية للبزم، الذي 'برمَ بالناس وكرهَ المجتمع فقد لقيَ الشقاء منذ شبَّ، واكتنفتْه الهموم منذ دخل الحياة الاجتماعية، ولقى الحَسَدَ والضغينة والخلُق الفاسد'(2).
''''''''''
(1) البزم، محمد /د،تا/ الديوان، ج2، شرح سليم الزركلي، عدنان مردم بك، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والعلوم والآداب، ص105.
(2) الدهان، سامي /د.تا/، الشعراء الأعلام في سوريا، ط2، دار الأنوار، بيروت، ص52.
وما دمنا في الحديث عن الغربة والموت، فإن المدرسة الإحيائية قد طرحت الموت طرحاً مغايراً لأشكال الموت وأنواعه في الشعر الحديث، حيث ظَهَرَ الموت في الإحيائية في قصائد الرثاء والحكمة، وفي بعض القصائد حيث ارتبط الموت /بالسراب/ الذي يُفضي إلى /الخديعة/ و /عدم الثقة/ بالآتي:
نقف في البدء عند قصيدة للشاعر بدوي الجبل بعنوان /السراب المظلم/ يقول فيها:(1)

حَنَا السرابُ على قلبي يُخادعهُ ... بالوهم من نشوةِ السقيا ويُغريهِ
فكيف رحتُ؟ ولي علمٌ بباطلهِ ... أهوى السرابَ وأرجوه وأُعليهِ
ويْح السراب على الصحراء تسْلِمُهُ ... رمالُها السمرُ من تيه إلى تيهِ

لقد اقترن العذاب في الأبيات السابقة بالخوف من المستقبل، ذلك أن كلمة سراب، وهي مفتاح الأبيات توحي بذلك المستقبل القاتم، ثم إن السراب في ذاته يفضي إلى معنى /الآتي/ ولكن بالصورة السلبية هنا، وقد انطوى هذا العذاب بالضرورة على التشاؤم والريبة.
إن الأساس الجمالي الذي ارتكزت عليه الأبيات يقوم على توصيفٍ خارجي للسراب، فالسراب من الناحية الواقعية لايختلف كثيراً في المعنى عما أتت به المقطوعة الشعرية السابقة، من أنه -عادة- موجود في الصحراء وأنه يخدع الناظر إليه فيظنه ماء.
كما أن العذاب القادم من السراب قد انطوى أيضاً على الضياع الذي أبرزه البيت الأخير (من تيه إلى تيه)، فبدا أن ثمة خللاً ما في الواقع أدّى بالشاعر إلى الضياع وإلى عدم الثقة بالعالم المحيط به.
في قصيدة أخرى لبدوي الجبل تظهر عذابات الشاعر أقوى وأعتى من الموت، ففي قصيدة بعنوان /ثكْل الأمومة/ وهي في الرثاء يقول(2):

ما للمنيةِ أدعوها وتبتعدُ ... أمرُّ من كلّ حتف بعضُ ما أجدُ
ظمآن أشهدُ وِرْدَ الموت عن كثَبٍ ... والواردون أحبائي ولا أردُ
علّلتُ بالصبر أحزاني فيا لأسى ... بالجمر من نفحات الجمر يبتردُ
''''''''''
(1) بدوي الجبل، 1978، الديوان، ط1، دار العودة، بيروت، ص402.
(2) المصدر السابق، ص297.
إن جوهرَ العذاب في الأبيات السابقة ينطلق من (الموت المعنوي) في قول الشاعر (أمرُّ من كلّ حتف بعض ما أجد)، ذلك أن هذا الموتَ أقسى من الموت الفيزيائي، حيث يتمنى الشاعر أن يموت ميتةً واحدة (الموت الفيزيائي) إلا أن هذا بعيد المنال عنه.
ولعل الحياة اليومية بمشاكلها الاجتماعية وعلاقاتها السائدة، تفرض على الشاعر عذابات متكررة وقاسية، لايبالي بعدها بذاك الموت الذي يشكِّلُ النهاية الحتمية لكل إنسان، فالصبر لم يعد يضاهي حجم العذاب، كما أن عذابات الشاعر تنطوي على الكثير من التشاؤم والحزن.
ولابد من الإشارة إلى أن الموت المعنوي المطروح في الأبيات قد اتسع مفهومه واتخذ أبعاداً كبيرة في الشعر العربي الحداثوي في سورية ولبنان، لهذا فإن للمقطوعة أهمية كبيرة جمالية تنبع من كونها حالة جنينية أساسية لتطور مفهوم



عدد الصفحات: 72
<< بداية الكتاب 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب