دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

نظرات في التمثيل البلاغي

http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة


الكتاب : نظرات في التمثيل البلاغي
لفضيلة الدكتور: محمود السيد شيخون
الأستاذ المشارك بالجامعة الإسلامية.
نظرات في التمثيل البلاغي.
لفضيلة الدكتور/ محمود السيد شيخون
الأستاذ المشارك بالجامعة الإسلامية.
تقديم
الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين... وبعد
فهذه نظرات في التمثيل البلاغي قصدت من ورائها أن أكشف النقاب عن حقيقة هذا اللون البياني الجميل، وأن أميط اللثام عما ينطوي عليه من اللطائف والأسرار، وأن أتعرف على الشخصيات التي كان لها أثر في نموه وازدهاره، وتجلية محاسنه وأسراره.
والله الكريم أسأل أن يجعل هذا الجهد المتواضع خالصا لوجهه الكريم، وأن يوفقنا دائما لخدمة لغة القرآن العظيم إنه سميع مجيب. وهو حسبي ونعم الوكيل.
التمثيل في اللغة:
المثل بالكسر والتحريك وكأمير الشبه وجمعه أمثال، وتمثل بالشيء ضربه مثلا، والأمثل الأفضل، والطريقة المثلى الأشبه بالحق وأمثلهم طريقة أعدلهم وأشبههم بأهل الحق وأعلمهم عند نفسه بما يقول، ومثله له تمثلا صوره له حتى كأنه ينظر إليه، وامتثله هو تصوره، وامتثل طريقته تبعها فلم يعدها(1).
التمثيل في التقديم:
لقد كان مفهوم التمثيل عاماً عند القدماء من علماء البلاغة فقد أطلقوه على كثير من الصور البيانية كالاستعارة والمجاز والكناية والتشبيه الاصطلاحي فقدامة بن جعفر المتوفى سنة
337 هـ جعله فرعاً من ائتلاف اللفظ مع المعنى ومثل له بأمثلة تشمل كثيراً من الألوان البلاغية(2) وأبو هلال العسكري المتوفى سنة 395 هـ تحدث عنه تحت اسم المماثلة وأورد له كثيراً من الشواهد الأدبية التي تشمل كثيرا من الصور البيانية كالتشبيه الاصطلاحي والكناية والمجاز والاستعارة(3) وابن رشيق القيرواني المتوفى سنة 463 هـ جعله ضربا من الاستعارة ومثل له بأمثلة أكثرها من قبيل الكناية والتشبيه الاصطلاحي(4).
''''''''''
(1) انظر القاموس المحيط مادة (مثل) جـ 4 ص 48،49 .
(2) انظر نقد الشعر ص 85.
(3) انظر الصناعتين ص 353-356.
(4) انظر العمدة جـ ا ص 187-189.
الفرق بين التمثيل والتشبيه الاصطلاحي:
وظل مفهوم التمثيل عاما حتى جاء الإمام عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة 471 هـ فحدد مفهومه.. وفرق بينه وبين التشبيه الاصطلاحي وكشف النقاب عن بلاغته ثم تلاه السكاكي المتوفى سنة 626 هـ والخطيب القزويني المتوفى سنة 739 هـ، وهؤلاء الفرسان الثلاثة كانت لهم أياد بيضاء على هذا الفن البياني الجميل فقد عنوا بدراسته وإظهار محاسنه والكشف عن لطائفه وأسراره ووضع الحواجز الحصينة بينه وبين التشبيه الاصطلاحي، وإليك أيها القارئ الكريم آراء هؤلاء الفرسان في الفرق بين التمثيل والتشبيه الاصطلاحي.
رأي الشيخ عبد القاهر الجرجاني..
قسم الشيخ عبد القاهر التشبيه من حيث وجه الشبه إلى قسمين:-
أحدهما: تشبيه غير تمثيل..
وثانيهما: تشبيه تمثيل..
ثم أقام بينهما الحواجز الحصينة حتى لا يلتبس أحدهما بالآخر وهاك موجزاً معبراً عن رأيه(1).
التشبيه غير التمثيلي:-
هو ما كان وجه الشبه فيه أمرا بيناً بنفسه لا يحتاج فيه إلى تأول وصرف عن الظاهر لأن المشبه مشرك للمشبه به في نفس وجه الشبه وحقيقة جنسه لا في مقتضاه ولازمه.
وذلك يتحقق في أمرين اثنين:
الأول: أن يكون وجه الشبه حسيا أي مدركا بإحدى الحواس الخمس الظاهرة فيكون من المبصرات أو المسموعات أو المشمومات أو المذوقات أو الملموسات سواء أكان الوجه مفرداً أم مركبا.
''''''''''
(1) راجع كتاب أسرار البلاغة ص 68 وما بعدها، الطبعة السادسة بمطبعة محمد على صبيح في سنة 1379 هـ ، 1959م.
الثاني: أن يكون وجه الشبه غرزيا طبعيا (عقليا حقيقيا) فالغرائز والطباع وإن كانت عقلية لأنها لا تدرك بإحدى الحواس الخمس الظاهرة فقد ألحقها عبد القاهر بالحسيات لأنها حقائق متقررة ثابتة تعلمها في المشبه به كما تعلمها في المشبه فالشجاعة والجبن والكرم والبخل والذكاء والغباء والقوة والضعف والصبر والجزع وما إلى ذلك من الكيفيات النفسية حينما يكون واحد منها وجه شبه فالتشبيه المعقود عليه يكون كالتشبيه الذي يكون وجه الشبه فيه حسياً سواء بسواء.
التشبيه التمثيلي:
أما التشبيه التمثيلي عند عبد القاهر فهو ما لا يكون وجه الشبه فيه أمراً بيناً بنفسه بل يحتاج في تحصيله إلى تأول وصرف عن الظاهر لأن المشبه غير مشارك للمشبه به في حقيقة وجه الشبه الظاهري وجنسه بل في مقتضاه ولازمه.
فإذا قلت (ألفاظ فلان كالعسل في الحلاوة) فإن (الحلاوة وجه شبه ظاهري فقط لأن المشبه به وهو العسل) يوصف بالحلاوة على سبيل الحقيقة بخلاف المشبه وهو (الألفاظ) فإنه لا يوصف بالحلاوة على سبيل الحقيقة ولذا يحتاج إلى التأول بإرادة ما تستلزمه الحلاوة من قبول النفس للشيء وحسن وقعه فيها، ولا كذلك الحسي، فالذي يشبه الأدهم(1) بالغراب في السواد يرى السواد في المشبه كما يراه في المشبه به دون أن يحتاج إلى تأول بصرف اللفظ عن ظاهره.
والخلاصة أن التشبيه التمثيلي عند عبد القاهر محصور في كل تشبيه كان وجه الشبه فيه عقلياً غير غرزي سواء أكان مفرد أم مركباً، وأن التشبيه غير التمثيلي محصور في كل تشبيه كان وجه الشبه فيه حسياً أو غرزياً سواء أكان مفرداً أم مركباً.
رأي السكاكي:
قسم السكاكي التشبيه من حيث وجه الشبه إلى:
تشبيه تمثيلي، وتشبيه غير تمثيلي..
فالتشبيه التمثيلي عنده:
ما كان وجه الشبه فيه مركباً عقلياً غير حقيقي(2).
والتشبيه غير التمثيلي:
''''''''''
(1) الأدهم: الفرس .
(2) أي غير غرزي بألا يكون من الغرائز والطباع .
ما كان وجه الشبه فيه على خلاف ذلك، وهذا صادق بالعقلي الحقيقي (الغرزي) والشأن فيه أن يكون مفرداً، وكذلك العقلي غير الحقيقي إذا كان مفرداً، وكذا جميع الحسيات مفردة كانت أم مركبة(1).
رأى الخطيب القزويني(2):
قسم الخطيب القزويني التشبيه من حيث وجه الشبه إلى: تشبيه تمثيلي، وتشبيه غير تمثيلي.
فالتشبيه التمثيلي عنده:
هو ما كان وجه الشبه فيه وصفا منتزعاً من متعدد أمرين أو أمور..
وهذا يتحقق في كل تشبيه يكون وجه المشبه فيه هيئة منتزعة من متعدد سواء أكان ذلك الوجه حسياً أم عقلياً.
والتشبيه غير التمثيلي عنده:
ما كان وجه الشبه فيه على خلاف ذلك.
وهذا يتحقق في كل تشبيه يكون وجه الشبه فيه مفرداً سواء أكان الوجه حسياً أم عقلياً.
أمثلة توضح آراء الفرسان الثلاثة السابقة
قال الله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأََرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأََنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(3). شبه اللّه حال الدنيا في سرعة زوالها، وانقراض نعيمها بعد إقبالها، واغترار الناس بها، وركونهم إليها بحال نبات الأرض ذهبت نضرته فجأة فجف وصار حطاماً بعدما زها، والتف وتكاثف وزين الأرض بخضرته، وعم نفعه الإنسان والحيوان، واطمأن الناس إلى دنو ثمره، وظنوا أنه قد سلم من الجوائح. ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من سرعة الزوال وانقراض النعي



عدد الصفحات: 7
<< بداية الكتاب 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب