دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

كيف نفهم القرآن الكريم

مُرْسَلَاتِ..} فَبَلَغَ {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} فَلْيَقُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ)).
4- معرفة المقاصد الأساسية، والأمور المهمة التي ركز عليها القرآن، وأكثر من بيانها.
ففي القرآن مواضيع فصل فيها، وأوضحها، وأعادها، فينبغي الاهتمام بهذه الأمور والعناية بها، وفهمها حق الفهم، والمتأمل في القرآن يجده مثلاً قد أكثر من تقرير التوحيد، ونفي الشرك، وأخبر أن جميع الرسل دعوا الناس إلى عبادة الله وحده ولا شريك، وأن الدعاء إنما يتوجه به إلى الله، وسائر الأعمال الصالحة، فيدل هذا على أهمية هذا الموضوع، وعظيم خطره، ووجوب فهمه حق الفهم.
ونجد أن الله بين في كتابه أن هذه الدنيا دار ابتلاء واختبار، وأن سعة الرزق فيها لا يدل على صلاح ومحبة من وسع له، وأنها قد زينت بأنواع الزينات، لكي يظهر الصادق في الإيمان بالله من الكاذب، ومن يشتري ما عند الله بهذه الدار الفانية.
وكذلك نجد أن الله بين في كتابه كثيرًا من أحكام الأسرة، فيما يتعلق بالعشرة، وحقوق الزوجين على بعض، وأحكام الطلاق، وما يجب للمطلقة من الحقوق، وما يجب عليها، فيدلنا ذلك على أهمية بناء المجتمع من هذه الناحية، وأن معرفة أحكام الله في ذلك سبب قوي لبناء مجتمع صالح.
ومما يعينك على هذا أن تجمع الآيات التي تحدثت عن موضوع واحد، وتنظر في دلالتها، وتقارنها بالأحكام الأخرى.
5- معرفة العلاقة بين أسماء الله الحسنى، والآيات التي وردت فيها.
كثيرًا ما يختم الله بعض الآيات باسم من أسمائه، وعند التأمل تجد علاقة واضحة بين المعنى الوارد في الآية، ومعنى الاسم الذي وردت فيه، فآية الرحمة مختومة بأسماء الرحمة، وآيات العقوبة والعذاب مختومة بأسماء العزة والقدرة والحكمة والعلم والقهر، ويحكى أن أعرابيًا كان يستمع لقارئ، فقرأ قوله تعالى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)} [سورة المائدة 5/38]، فأخطأ القارئ فقال: والله غفور رحيم، فاستنكر الأعرابي ذلك، ولم يقتنع بأن الله أنزل هذا، فاستدرك القارئ فوجد أنه قد أخطأ، فأعادها على الصواب، فقال الأعرابي: الآن نعم، عز فحكم فقطع.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} [سورة البقرة 2/32]، فلما اعترف الملائكة بعجزهم، وقصور علمهم أمام علمه وحكمته ختم الآية بما يناسب ذلك.
وقوله: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم}، وقوله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم}.
وقوله: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17)} [سورة النساء 4/17]، فختم جل وعلا هذه الآية بهذين الاسمين ليبين أنه يعلم الصادق في توبته، والذي يكون في قلبه خوف ورغبة ورهبة، ولكن الشيطان أغواه، والنفس الأمارة بالسوء زينة له، فوقع فيما يغضب الله، ممن كان كاذبًا، فليس في قلبه شيء من ذلك، وأنه حكيم في توفيقه للتوبة من يستحقها، ويبادر إليها إذا تهيأت له أسبابها، وحرمانه من لا يستحقها؛ لأنه وإن سنحت له فرصة التوبة لم يبادر لها، كما قال تعالى: {ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون}
6- التفكر في لوازم المعنى الذي فهمته.
إذا فهمت معنى الآية فهمًا صحيحًا فتفكر في الأمور التي يتوقف عليها هذا المعنى، ولا يحصل بدونها، وما يشترط لها، وكذلك تفكر فيما يترتب على هذا المعنى، وما يمكن أن يتفرع منه، وينبني عليه.
ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق...} فإيجاب الوضوء يستلزم طلب الماء، والسعي في حصوله، من شراء وغيره، وهذه أفعال معتادة للإنسان قد يفعلها وهو لا يشعر بثوابها، ولكن إذا تأمل أنها وسيلة للوضوء ونوى الثواب فيها من الله فإن الله يثيبه، فيثيبه على الشراء، وعلى سعيه في الحصول على الماء.
وقوله تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} فهذه الآية تأمرنا أن نحكم بين الناس بالعدل، ويدخل في هذا صغير الأمور وكبيرها، فكل شيء أردنا أن نحكم فيه بين اثنين أن نعدل، والعدل مبني على العلم، فلا يمكن أن تحكم بالعدل وأنت جاهل، فالآية تأمر إذًا بالعلم في كل أمر أردت أن تحكم فيه، فإن كان الحاكم عامًا فلا بد أن يكون عنده من العلم ما يؤهله للحكم، وإن كان الحاكم خاصًا في بعض الأمور كالشقاق بين الزوجين مثلاً، فينبغي أن يكون عارفًا بما يصلح أن يحكم فيه بينهما، ويكون عنده من المعرفة بمشاكل الأزواج، ونفسياتهم، وطرق حل المشاكل الزوجية ما يعينه على ذلك.
وقوله تعالى: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34)} [سورة النمل 27/34]، فالله صدق بلقيس وهي كافرة لما قالت كلمة حق وصدق، حيث قالت: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} قال الله تعالى مصدقًا لها في قولها: {وكذلك يفعلون}، فنفهم من هذا أن من جاء بالحق قبلنا منه ذلك، ولو كان فاجرًا، أو كافرًا.
قال الشاعر:
لا تحقرن الرأي وهو موافق ... ... حكم الصواب إذا أتى من ناقص
فالدُّرُّ، وهو أعز شيء يُقتنى ... ... ما حَطَّ قيمتَه هوانُ الغائص(1)
''''''''''
(1) انظر: أضواء البيان (1/4).
ومن الأمثلة: ما رواه أبو معشر نجيح قال: سمعت سعيد المقبُري يذاكر محمد بن كعب القُرَظي، فقال سعيد: 'إن في بعض كتب الله: إن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبِر، لبسوا لباس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، قال الله: على تجترؤون، وبي تغترون؟! وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران'، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، فقال سعيد: وأين هو في كتاب الله؟ قال: قول الله تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد}، قال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت؟ فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد(1).
7- الحذف يفيد تعميم المعنى المناسب(2).
في بعض الآيات يذكر الله تعالى فعلاً من الأفعال، أو ما في معنى الفعل، ثم يحذف متعلقه، فيفيد ذلك تعميم المعنى المناسب للمقام.
ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: {ألهاكم التكاثر} فحذف المتكاثر به؛ ليعم جميع ما يقصد الناس فيه المكاثرة، من الرياسات والأموال والجاه والضيعات والدور والقصور، والأولاد، والعلم الذي يراد به الترفع على الناس لا العمل به.
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (201)} [سورة الأعراف 7/201]، فهم مبصرون ماذا؟ سكت عن ذلك وحذفه؛ ليفيد أنهم أبصروا من أين جاءهم مس الشيطان، والأمر الذي يكون به التخلص من الذنب، وحقيقة الشيطان وحرصه على إغوائهم، وأنه لا يصلهم منه إلا الشر.
''''''''''
(1) انظر: تفسير ابن جرير



عدد الصفحات: 6
<< بداية الكتاب 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب