دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

الموازنة بين تفسير الكشاف الزمخشري وتفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي

http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة


الكتاب : الموازنة بين تفسير الكشاف الزمخشري وتفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي
المقدمة

الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . ملك يوم الدين . إياك نعبد وإياك نستعين . ونصلي ونسلم على من أرسله ربه شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، وقال له : ' وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ' سورة النحل: 44
فقام ببيان ما أنزل إليه خير بيان ، تارة بالقول وتارة أخرى بالعمل ، وفسر منه بالقدر الذي خفي على الناس في عصرهم ، ووسعهم في حياتهم ، وما أن انقضى ذلك العصر ، وانتقل الناس من حال إلى حال ، حتى جدت أحداث ، كما خفي على الناس ملابسات التنزيل ودواعيه ، مما جعل الأمة في حاجة متجددة ومتزايدة لتفسير القرآن الكريم بما يوضح تلك الملابسات ، ويزيل ذلك الخفاء عن بعض آي القرآن الكريم ، فنهض بهذا العبء علماء في مختلف الأمصار والأعصار ، عملا بقوله تعالى : ' ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ..' النساء : 82
وإذا كان المرء ابن بيئته ، فإن هؤلاء المفسرين لما اختلفت بيئاتهم وأعصارهم ، اختلفت تبعا لذلك مشاربهم ، واصطبغت بتلك الميول مصنفاتهم ، وأصبحت كتب التفسير تعكس ثقافة المفسر وتوجهه إلى جانب ثقافة عصره والتيارات السائدة فيه ، بل أصبحت بعض كتب التفسير تحتل مكانة متقدمة بين كتب التفسير الأخرى لما امتزجت به من العلوم العقلية ، ولما فيها من الرأي والاجتهاد ، وليس فقط لما فيها من تفسير وبيان للقرءان الكريم .
ونظرا لامتزاج التفسير بهذه العلوم العقلية من جهة ، وتأثره بالتيارات الفكرية والعقدية من جهة أخرى ، فإن ذلك قد أدى إلى الاختلاف الواضح والصارخ أحيانا في الحكم على هذه المصنفات من التفسير تبعا لاختلاف الموازين والمقاييس التي حكموها في تقويمها ، وبذلك نرى كتبا قد تقدمت ربما كان حقها التأخير ، وكتبا أخرى قد تأخرت وربما كان حقها التقديم .
وخير مثال على ما نقول تفسير الكشاف لمحمود بن عمر الزمخشري الذي تضاربت فيه أقوال أهل العلم قديما وحديثا ، فمنهم من رفعة وجعله على قمة هرم كتب التفسير ، ومنهم من تحامل عليه ونزل به إلى قاعدة الهرم ، بل ومنهم من نهى عنه ، وحرم النظر فيه كما صرح بذلك تاج الدين السبكي وغيره .
فمنذ أن ظهر تفسير الكشاف في القرن السادس الهجري بما يحمله من آراء واجتهادات شخصية للزمخشري ، تناولته أقلام الدارسين والباحثين مدحا وذما ، وقد تميزت هذه الدراسات بميزتين اثنتين :
1 ـ أن هذه الدراسات كانت في أغلبها تركز على جانب واحد من جوانب تفسير الكشاف ، كالجانب العقدي مثلا من حيث تتبع اعتزالاته ومسلكه في تأويل الآيات القرءانية بما يخدم مذهبه وميوله ، أو الجانب البلاغي وذلك ببيان مسلك الزمخشري في تطبيق نظرية النظم البلاغي التي بها علل سر الإعجاز في القرءان الكريم .
2 ـ أن هذه الدراسات لم تخل في أغلبها من التعصب والغلو للزمخشري أو ضده ، وقد امتد أثر هذا التعصب والغلو في الحكم على كشاف الزمخشري إلى عصرنا الحاضر .
إلا أننا إذا رجعنا إلى تفسير البحر المحيط فإننا نجده قد حاول أن يتخطى هذا وذاك ، حيث تناول تفسير الكشاف بالدراسة من مختلف جوانبه ، كما أن دراسته النقدية لهذا التفسير ، وما وقف عليه من نقائص لم تمنعه من الإشادة بمحاسنه ، وإظهار إعجابه بالجوانب التي وفق فيها ، وإبراز القيمة العلمية للجديد فيه .
وهكذا فإن تفسير البحر المحيط بما يحمله من خصائص ، وبما تضمنه من نقد موضوعي لتفسير الكشاف في مختلف جوانبه قد أحدث نظرة جديدة لهذا التفسير ، وقد تجلت هذه النظرة في أعمال المفسرين اللاحقين وغيرها من الدراسات ، كالدر اللقيط من البحر المحيط لابن مكتوم القيسي ، والدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي ، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام الأنصاري ، والمحاكمات بين أبي حيان وابن عطية والزمخشري ليحيى الشاوي ، وغيرها .
ومن هذا كله بدا لي أن رأي أبي حيان في تفسير الكشاف من خلال تفسيره البحر المحيط كان أقرب تلك الآراء إلى القصد والاعتدال ، مما ولد عندي هذه الفكرة ، ودعاني إلى اختيار هذه الموازنة بين هذين الكتابين في التفسير لتكون موضوع بحثي في هذه المرحلة ، وذلك تحت عنوان :
موازنة بين تفسير الكشاف للزمخشري والبحر المحيط لأبي حيان الأندلسي
كما أن فكرة الموازنة بين هذين المفسرين كانت تزداد نضوجا في ذهني يوما بعد يوم وأنا أدرس مادة مناهج المفسرين ، فكنت كلما رجعت إلى تفسير البحر المحيط وقرأت منه شيئا تبين لي عظمة هذا التفسير وعظمة مؤلفه ، وأعجب كيف لم يبلغ هذا الكتاب من الشهرة والانتشار ما بلغه كشاف الزمخشري ، وأتساءل قائلا : لماذا لم يلق من العناية والخدمة مثل الذي لقيه تفسير الكشاف ؟
علما بأن فكرة الموازنة بين خصائص الحركة العلمية وأعلامها في المشرق والمغرب ليست جديدة ، بل نجد لها أثرا واضحا في كتابات المتقدمين ، واستمرت عند المتأخرين ، من ذلك مثلا ما نجده عند الفاضل بن عاشور في كتابه ' التفسير ورجاله ' حيث أجرى موازنة دقيقة ومركزة بين تفسير الزمخشري وهو من المشرق ، وتفسير المحرر الوجيز لابن عطية وهو من المغرب(1). وعند عبد الوهاب فايد في كتابه منهج ابن عطية المفسر ، حيث عقد بابا هاما في بحثه للموازنة بين ابن عطية كمفسر مغربي وبين مجموعة من المفسرين من المشرق .
سبب اختيار الموضوع :
ولذا اخترت أن تكون هذه الموازنة بين تفسير الكشاف الزمخشري وتفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي لأسباب كثيرة منها :
أولا ـ ما كان لهما من مكانة مميزة بين كتب التفسير ، فكان كل واحد منهما يستقطب مرحلة تاريخية مستقلة من مراحل التفسير .
فأما الكشاف فقد كان خاتمة المرحلة الثانية في تاريخ التفسير وهي مرحلة موصوفة بأصالة التفكير النحوي ، وتنمية المرحلة الأولى والبناء عليها ، كما تمتاز في مجموع رجالها بأصالة المنهج اللغوي في التفسير والتطور به إلى مداه على يد خاتمتها الإمام الزمخشري ، وقد امتازت بكون أغلب رجالها هم أئمة النحو الذين كانت أقوالهم واجتهاداتهم في الدراسات النحوية هي معين رجال التفسير في المراحل اللاحقة ، وفي ذلك يقول الفاضل بن عاشور : ( وقد أتى في تفسيره ـ حقا ـ من مظاهر البراعة ، وآيات العلم الواسع ، والذوق الراسخ ، والقلم والمتمرس ما زاده إعجابا به ، بعد انتهائه منه ، إذ قال في وصفه بيتين بديعين :
إن التفاسير في الدنيا بلا عدد وليس فيها لعمري مثل كشافي
إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته فالجهل كالداء والكشاف كالشافي
''''''''''
(1) . التفسير ورجاله : 91 ـ 92
فأصبح كتابه عمدة الناس على اختلافهم ، بين مشايع له ومخالف ، وعلى وفرة مخالفيه ، وانقطاع مشايعيه يرجعون إليه على أنه نسيج وحده في طريقته البلاغية الإعجازية ، وفي غوصه على دقائق المعاني وحسن إبرازها على طريقة علمية سائغة ، بتحليل تراكيبه وعباراته وإبراز خصائصه ، وعلى ما يكثر صاحب الكشاف من عنف على مخالفيه ، وما يتناوله به خصوصا أهل السنة والجماعة من قدح وشتم وسب وتجهيل ، فإن ما جبل عليه أهل السنة وقامت عليه طريقتهم العلمية من الإنصاف ، قد حملهم على الإغضاء على تلك الهفوات المخجلة والعورات الفاضحة ، فأقبلوا على دراسته وشرحه ، وبنوا عليه



عدد الصفحات: 88
<< بداية الكتاب 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب