دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

منهج ابن حزم في دراسة الفرق والعقائد الإسلامية

وهو قوله تعالى: ? اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ? [السجدة: من الآية4]. وبهذا يثبت ابن حزم كون الأشياء مخلوقة بنص القرآن(5).
''''''''''
(1) الحديث رواه البخاري، الصحيح، (9/117)، مسلم الصحيح، (2/975)، ابن ماجه، السنن، (1/5)، النسائي، السنن (5/ 110- 111).
(2) الفصل، (3/44).
(3) هو محمد بن عبد الله الإسكافي (ت24هـ) من أئمة المعتزلة ومتكلميهم وأصله من سمرقند، سكن بغداد، وكان المعتصم معجباً به إعجاباً شديداً، اشتهرت عنه هذه المقولة التي ذكرها ابن حزم، ترجمته عند ابن النديم، الفهرست (ص231)، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، (5/416)، الشهرستاني، المِلَل والنحل، (1/94).
(4) الفصل، (3/188).
(5) الفصل، (3/86).
وربما لجأ ابن حزم في نهاية كلامه على بعض المسائل إلى تلخيص رأيه على شكل خلاصة مركزة وتقديمها للقارئ، فهو في بحثه لمسألة تكوين الكفر يستغرق صفحات فيها(1). ويختمها بقوله: 'فإذا جاءت النصوص كما ذكرنا متظاهرة لا تحتمل تأويلاً(2) بأن الله عز وجل أراد ضلال من ضل وشاء، وكفر من كفر، فقد علمنا أن كلام الله تعالى لا يتعارض، فما أخبر عز وجل أنه لا يرضى لعباده الكفر، فبالضرورة علمنا أن الذي نفى عز وجل هو غير الذي أثبت، فإذن لاشك في ذلك، فالذي نفى تعالى هو الرضا بالكفر، والذي أثبت هو الإدارة لكونه والمشيئة لوجوده، وهما معنيان متغايران بنص القرآن وحكم اللغة'(3).
''''''''''
(1) الفصل، (3/179- 188).
(2) ينظر معنى هذه الكلمة عند ابن حزم في ملحق (3) من هذا البحث.
(3) الفصل، (3/118).
على أنه يستخدم الحدة التي عابها عليه الكثيرون، وهذا واضح في كتابه الذي جر إليه كثيراً من النقد، والأمثلة على ذلك كثيرة، نأخذ مثلاً قوله: ' .... وتباً لكل قول أدى إلى هذا الهوس البارد' (1)، عند كلامه على الفرق بين الاسم والمسمى أو قوله لأحد خصومه بعد أن رد مقالته: 'ولقد كان ينبغي لمن هذا مقداره من الجهل أن يتعلم قبل أن يتكلم!' (2)، حتى أنك لتجد في بعض الأحيان عبارات فيها نوع من التجاوز ففي رده على بعض المسائل التي طرحها الأشاعرة يستطرد بهذا الكلام: 'ولا ضلال ولا حياء أعدم ولا مجاهرة أطم، ولا تكذيب لله تعالى أعظم...(3) وربما يعود سبب هذه الحدة في أسلوبه إلى ما ذكرناه سابقاً في تحليل شخصيته حتى وسمه البعض بكونه ذا مزاج ناري، وعبارات صافية(4)، ولعل سبب هذه الحدة، هو حرصه على الحق، مع مقدار من الاعتزاز بالنفس، مما ولد فيه مثل هذه الصفة حتى أصبحت من أكبر المآخذ على كتابه الفصل، وفي هذا الخصوص يقول السبكي: 'وفيه من الحط على أئمة السنة'(5)، وفي كلام السبكي وجه حق، خصوصاً موقف ابن حزم من أئمة الأشاعرة، وربما تكون للنقاشات التي دارت بين ابن حزم وكبير الأشاعرة بالأندلس أبي الوليد الباجي أثر في هذا، وكذلك إلى مذهبه الظاهري الذي يجعل النص حداً لكل حكم، وبعد هذا فلا تستغرب عندما تقرأ في كتابه الفصل، وهو يوسم بعض رؤساء المعتزلة بـ(الخلعاء العارين)(6).
''''''''''
(1) الفصل، (5/137).
(2) الفصل، (2/331).
(3) الفصل، (3/12).
(4) جورج شحاته قنواتي، مادة الفسلفة وعلم الكلام والتصوف، تراث الإسلام، تحرير شاخت وبوزورت، ترجمة حسين مؤنس، إحسان صدقي العمد (الكويت 1978) (ق2) (ص218).
(5) طبقات الشافعية الكبرى، (6/129).
(6) الفصل، (3/70).
ولم تقف هذه الحدة عند هذا الحد، بل إننا نجدها تنعكس على جوانب أخرى من أسلوبه، خاصة في صياغة الأحكام واستخلاص النتائج، مثل استخدامه 'وثبت يقيناً'(1)، أو قوله ناكراً إدعاء البعض: 'وهذا محال(2)، وقوله أيضاً: 'فبطل قولهم وعادت الحجة عليهم(3)، ولم يكن ابن حزم يفرق في جدله بين عالم مشهور من أئمة المسلمين وبين رجل تطرف باعتزاله، بل عباراته الشديدة القاسية لم تكن في بعض الأحيان في موضعها وربما تجاوزت الحدود المعقولة في النقد (4).
ويمتاز ابن حزم في أسلوبه باستخدامه لفظ: 'قال: أبو محمد' كثيراً لتنبيه القارئ إلى أمور من ضمن ذلك:
تكون بداية فقرة جديدة يعلم القارئ بها(5).
قد يستخدمها لإيراد المصدر الذي يأخذ معلوماته منه(6).
في بعض الأحيان ينقل آراء العلماء من خلالها(7).
لنقل أدلة الخصوم وحججهم(8).
إبطال أدلة الخصوم عن طريق إيراده لحججه(9).
يورد بعدها آراء الناس في مسألة معينة(10).
وسيلة لإيراد بعض المناظرات التي تحصل بينه وبين بعض المناظرين(11).
يستخدمها في الربط بين موضوعين، مثل ربطه الكلام على الهدى والتوفيق بالاستطاعة بهذه اللفظة(12).
ينبه القارئ أن ما سيورده بعدها هو رأيه وقوله(13).
''''''''''
(1) الفصل، (1/103) (3/254) (4/134).
(2) الفصل، (3/233).
(3) الفصل، (5/138).
(4) أبو زهرة، ابن حزم، (ص201).
(5) ينظر على سبيل المثال، الفصل، (3/63).
(6) ينظر على سبيل المثال، الفصل، (4/157).
(7) ينظر على سبيل المثال، الفصل (4/209).
(8) ينظر على سبيل المثال، الفصل، (4/127).
(9) ينظر على سبيل المثال، الفصل، (4/128).
(10) ينظر على سبيل المثال، الفصل، (4/101، 121).
(11) ينظر على سبيل المثال، الفصل، (4/196).
(12) ينظر على سبيل المثال، الفصل، (3/63).
(13) ينظر على سبيل المثال، الفصل، (2/339).
ومن خلال ما مر نستطيع أن نقول أن ابن حزم قد أوجد لنفسه أسلوباً مميزاً، استطاع من خلاله أن يبين الحقائق بوضوح رغم كون الإسهاب والإطناب في بعض المواضيع من مميزات كتابه إلا أنه حافظ على نفسٍ طويل في إدارة دفة النقاش بالرغم من اتسامه بالحدة التي ربما تجعلنا نقلل من موضوعيته الأسلوبية لا من موضوعيته العلمية، وأوجد لنفسه نظاماً عن طريق استخدام كنيته، حيث جعلها على ما يبدو، في كثير من الأماكن وكأنها علامات التنقيط المتداولة بين الباحثين في عصرنا الحالي.
الاستشهاد:
امتاز منهج ابن حزم بالاستشهاد، بأنواع كثيرة من الأدلة الشرعية أو التاريخية أو الأدبية أو الجغرافية وغيرها، والقارئ لكتاب الفصل تلفت نظره تلك النصوص الكثيرة التي ساقها، إما لكي يستشهد بها، أو يستبدل بها على ناحية معينة، ويمكن أن نتعرض لأهم أنواع هذه الاستشهادات:
1- القرآن الكريم: وهو المصدر الأول عنده، وترد منه أكثر الاستشهادات مقارنة بالأنواع الأخرى. فمثلاً عند مناقشة محور الإيمان يبدأ بإيراد الأمثلة على ذلك من كتاب الله كقوله تعالى: ? هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ ? [الفتح:4] (1)، وقوله تعالى: ? الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ? [آل عمران: 173]، وقوله تعالى: ? وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ? [البقرة: 143]، يقول ابن حزم: 'فصح يقيناً أن الإيمان الذي زادتهم الآيات إنما هو العمل بها الذي لم يكونوا عملوه ولا عرفوه ولا صدقوا به قسط، ولا كان جائزاً لهم أ، يعتقدوه ويعملوا به بل كان فرضاً عليهم تركه والتكذيب بوجوبه والزيادة لا تكون إلا في كمية عدد لا فيما سواه ...' (2) وأنت ترى في هذا الاستشهاد القرآني، كيف استطاع أ، يبرهن بالاعتماد على هذه الآيات بأن الإيمان يزيد وينقص، وليس هو اعتقاداً فقط، والأمثلة على الاستشهاد القرآني كثيرة وعديدة(3).
''''''''''
(1) الفصل، (3/232).
(2) الفصل، (3/233).
(3) ينظر على سبيل المثال استفادة ابن حزم من الاستشهاد القرآني



عدد الصفحات: 13
<< بداية الكتاب 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب