دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

المطابقة في النحو العربي وتطبيقاتها في القرآن الكريم

الاسمية ، والفعل والفاعل في الجملة الفعلية ، يقول سيبويه : ' ( باب المسند والمسند إليه ) ، وهما ما لا يَغنى واحد منهما عن الآخر ولا يجد المتكلمُ منه بُداً '(3)
إن من أبرز العلاقات بين المسند والمسند إليه ، المطابقةَ ، وتتمثل في الجنس من تذكير وتأنيث ، وفي العدد من إفراد وتثنية وجمع ، وفي التعريف والتنكير ، هذا في المبتدأ والخبر ، أما المطابقة بين الفعل والفاعل فتتمثل في الجنس وفي العدد فقط .
المبحث الأول
المطابقة بين المبتدأ وبين الخبر :
اشترطَ النحاةُ التطابقَ بين المبتدأ والخبر في الجنس والعدد ، ولم يشترطوا ذلك في التعريف والتنكير ، إذ قد يتفقان ، وقد يختلفان ، وهو الأصل كما سيجيء .
يقول الدماميني : ' (و) يجب (أن يكون) هو ، أي الخبر (طبق المبتدأ) في التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع مدة ( ما أمكن) ذلك '(4).
والمبتدأ في العربية على ضربين :
''''''''''
(1) ينظر اللغة ،فندريس ، 101.
(2) شرح الرضي على الكافية ،1/31، وينظر ، مفتاح العلوم ، 141.
(3) الكتاب ، 1/23 ، وينظر ، المقتضب ، 4/126.
(4) 1 المنهل الصافي في شرح الوافي ، 1/244 .
الأول منهما : مبتدأ يتبعه خبرٌ ، والثاني : مبتدأ له فاعلٌ يسد مسد الخبر ، وغالباً ما يكون هذا المبتدأ مسبوقاً بنفي أو استفهام .
يقول ابنُ الحاجب ' فالمبتدأ هو الاسمُ المجردُ عن العوامل اللفظية مسنداً إليه ، أو الصفةُ الواقعةُ بعد حرف النفي وألف الإستفهام ، رافعةً لظاهر ، مثل (زيدٌ قائمٌ) و(ما قائمٌ الزيدانِ) و (أقائمٌ الزيدان) '.(1)
وجاء في شرح شذور الذهب : ' وأقول الثالث من المرفوعات المبتدأ ، وهو نوعان : مبتدأ له خبر ، وهو الغالب ، ومبتدأ ليس له خبر ، لكن له مرفوع يغني عن الخبر ' (2).
وقد ورد المبتدأ والخبر في القرآن الكريم من النوع الأول بكثرة ، أما النوع الثاني ، فقد وردت منه آيات معدودة ، وإن النظم القرآني قد حافظ على المطابقة بين المبتدأ وخبره في أغلب الآيات القرآنية ، إلا في مواطن محددة جاء ظاهرها عدم التطابق ، ولهذا أسبابهُ وغايتهُ البيانية .
وإننا لو رجعنا إلى تأويل مثل هذه الآيات ، لوجدناها جاريةً على أُسلوب المطابقة بين المبتدأ والخبر .
أولاً : المبتدأ الذي له خبر:
والمطابقة في هذا النوع كما يأتي :
أ- المطابقة في الإفراد، تذكيراً وتأنيثاً .
ب- المطابقة في التثنية، تذكيراً وتأنيثاً .
ج- المطابقة في الجمع، تذكيراً وتأنيثاً .
د-المطابقة في التعريف والتنكير .
أ- المطابقةُ في الإفراد، تذكيراً وتأنيثاً :
1- المبتدأ مفردٌ مذكرٌ والخبرُ مفردٌ مذكرٌ :
''''''''''
(1) 2 شرح الرضي على الكافية ، 1/223 .
(2) 3 شرح شذور الذهب ، 180 .
وقد ورد بكثرةٍ في القرآن الكريم ، فمن ذلك قوله تعالى { : ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ } (البقرة:2) ، وقوله تعالى : { ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } (آل عمران:14) ، وقوله تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } (النساء:125) ، وقوله تعالى : { وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } (الأعراف:68) ، وقوله تعالى : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه } (الفتح:29) ، وغير ذلك كثير(1) ، فنحن نلاحظ أن الخبر قد جاء مطابقاً للمبتدأ إفراداً وتذكيراً .
ما ظاهرهُ عدم المطابقة :
قد ورد في القرآن الكريم ما ظاهره عدم المطابقة بين المبتدأ والخبر في الإفراد والتذكير ، وبالرجوع إلى تأويل مثل هذه الآيات لا نجد إشكالاً فيها من حيثُ المطابقة وذلك في قوله تعالى : { وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (الأعراف:203) وقوله تعالى : { هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } (الجاثية:20) ، فقد أخبر عن اسم الإشارة المفرد المذكر ( هَذَا ) ، بجمعٍ مؤنث ( بَصَائِر) ، وتأويل ذلك : لما كان القرآن يحوي سوراً وآياتٍ وبراهينَ كثيرة ؛ فإن معناه الجمع ؛ ولذلك جاز الإخبار عنه بالجمع .
''''''''''
(1) 1 ينظر : ( البقرة / 19 ) ، (النساء /70 ) ، ( الأنفال / 41 )
يقول أبو حيان : ' { هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ } ،أي هذا الموحى إليَّ الذي أنا أتبعه لا أبتدعه ، وهو القرآنُ ،(بصائر)، أي حججٌ وبيناتٌ يُبصر بها وتتضح الأشياءُ الخفياتُ ، وهو جمع بصيرة كقوله : { عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } أي على أمرٍ جليٍّ منكشفٍ ، وأخبر عن الجمع بمفردٍ لاشتماله على سورٍ وآياتٍ '(1)،فجعل تلك السور والآيات وما تحويه من البراهين والدلائل والأحكام ، بمنزلة البصائر في القلوب .(2)
أو يكون على حذف مضافٍ والتقدير: هذا - أي القرآن - ذو بصائر ،وبهذا تتم المطابقة (3)، وقد قرئ (هذه بصائر) (4).
وقال تعالى: { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ } (العنكبوت:49 ) ، فقد اخبر عن الضمير المفرد المذكر (هو) ،بجمع مؤنث (أيآت) ، وأُختلف في هذا الضمير ، أيرجعُ إلى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، أم إلى القرآن الكريم ؟ قولان :
الأول : ذهب ابنُ عباس وقتادةُ إلى أن الضميرَ يرجعُ إلى المصطفى- صلى الله عليه وسلم - 5 ، ويكون التقدير ' بل محمدٌ آياتٌ بيناتٌ ، أي ذو آياتٍ بيناتٍ '6 ، وبهذا تتم المطابقةُ بين المبتدأ والخبر.
''''''''''
(1) 1 البحر المحيط، 5/261،والآية من ( يوسف / 108 ) ، وينظر : أضواء البيان،7/201-202 .
(2) 2 ينظر : فتح القدير ، 5/8 .
(3) 3 ينظر : البحر المحيط ، 5/261 .
(4) 4 ينظر : الكشاف ،3/114 ، و الجامع لأحكام القرآن ،16/165 ، والبحر المحيط ،9/419.
5 ينظر : جامع البيان ، 21/5 ، و زاد المسير ، 6/278 ، والجامع لأحكام القرآن ، 13/354
6 زاد المسير ،6/278 .
أما القول الآخر ، فيرى أن الضمير يرجع إلى القرآن الكريم ، جاء في معاني القرآن : ' { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَات } ، يريد القرآن ' (1) ، وهو الراجحُ ، حيثُ يقول الفراءُ ' ثم قال : (بل هو آياتٌ بيناتٌ) ، يريد القرآن ، وفي قراءة عبد الله (بل هي آيات) '(2)، ويكون المعنى : بل آيات القرآن آيات بينات (3)، والمطابقة تتم أيضاً في هذا المعنى ،ومما يؤيد أن المراد بهذا الضمير القرآن الكريم ، ورود لفظ (الكتاب) في خمس آيات من هذه السورة ، فضلاً عن ورود لفظ (الآيات) في أربع آيات من السورة نفسها (4).
واستعمالُ ضمير المفرد المذكر (هو) ، في غير قراءة عبد الله بن مسعود ، وإن كان المشار إليه آيات القرآن ، دلالةٌ على عظم هذه الآيات ، وزيادة في علُوِّ شأنها ومكانتها .
''''''''''
(1) معاني القرآن ، الفراء ،2/317 .
(2) المصدر نفسه ،2/317 ،وينظر روح المعاني ،21/6 ،ويقصد عبد الله بن مسعود ،ينظر: فتح القدير ، 4/207 .
(3) ينظر: معاني القرآن ، الفراء ،2/317،و زاد المسير ،6/278 ،و الجامع للأحكام القرآن ،13/354 ،و فتح القدير ،4/207.
(4) ينظر :سورة العنكبوت ،الآيات (45-46-47-48-51) حيثُ ورد لفظ (الكتاب) ، أما لفظ (الآيات) فينظر الآيات (23-24-49-50) من السورة نفسها .
وقال تعالى { وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ } (ص:58) ، فقد أخبر عن المفرد المذكر (آخر) ،بجمعٍ م



عدد الصفحات: 39
<< بداية الكتاب 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب