دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

بحوث في اللغة

http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة


بحوث في اللغة
المصدر : اتحاد كتاب العرب.
التَّنْغيم ودلالته في العربيَّة - يوسف عبد الله الجوارنة
مقدّمة:
يعد علم الأصوات من بين العلوم التي اهتم بها العلماء اهتماماً واسعاً في هذا العصر، إذ انبرى في ميدانه الباحثون والمتخصصون، بله المؤسسات العلمية المتخصصة، خصوصاً في الدول التي لها باع في مجال التكنولوجيا؛ فالأجهزة الحديثة المتطورة فيها، كانت خير عون للعلماء في القيام بالأبحاث والدراسات المتصلة بعلوم اللغة المختلفة وفي مقدمتها المجالات الصوتية على مستوى الـ
(phonetics)، أو على مستوى ال(phonology)، فوصل العلماء من خلال هذه الأجهزة إلى نتائج دقيقة لا تتوافر في الأبحاث العادية المرتجلة التي يعتورها في غالب الأحيان التخمين والتقريب.
والأصوات اللغوية تدرس بشكل عام من جانبين: جانب الأصوات المجردة التي يُركّز فيها على صفات الأصوات ومخارجها، وجانب الأصوات المتَشكَّلة ويُركز فيها على المقاطع والنبر والتنغيم وغيرها.
وسوف أتناول موضوع التنغيم كونه واحداً من مجالات علم الأصوات الوظيفي المهمة: مفهومه، ودلالته، وأغراضه، مبيناً الفرق بينه وبين النبر من حيث المفهوم والدلالة وارتباط بعضهما ببعض.
وتأتي أهمية التنغيم من تعدد البيئات اللغوية أو اللهجية بتعدد النغمات فيها، فلا تكون هذه النغمات بشكل عام منساقة على وتيرة واحدة في السياقات الكلامية، فمنها ما يكون مستوياً، أو هابطاً، أو صاعداً.
وأرجو أن أكون قد وفقت في الوقوف على هذه الظاهرة الصّوتيّة، فإن كان كذلك فلله الحمد والمنّة، وإن كانت الأخرى فحسبي أنني اجتهدت.. والله ولي التوفيق.
تعريف التنغيم:
كان لتعدّد المناهج النقدية في التحليل الأدبي، أثر واضح في الاهتمام بالنصوص الأدبية وتحليلها، فقد تبنى كل عالم من العلماء منهجاً يكون مجالاً في دراسته وبحثه، بل أنشئت المدارس النقدية ذات المناهج المختلفة؛ فثمة المنهج النفسي الذي يهتم بالدراسات السيكولوجية وأثرها في بيان النص وتشريحه، والمنهج البنيوي الذي يتمثل النص الأدبي وحده بصرف النظر عن سيرة المؤلف وعصره، فهو يتعامل مع البنيّات والمفردات التي تشكّل النّص، وتقود الباحث من خلالها إلى البيئة التي قيل فيها، ومزايا العصر الذي وُجد فيه الشاعر.
وكان من بين المناهج النقدية المنهجُ اللغوي، الذي يهتم بدراسة اللغة والأدب دراسة تحليلية من جوانب اللغة المختلفة، الصوتيةِ والصرفيةِ والنحويةِ وغيرها، فهو يركز على لغة النص الأدبي وحدها، ليبرز الجوانب الجمالية فيه من غير التفات للغة النص المدروسة.
وبما أن التنغيم وثيقُ الصلة باللغة، فهو يُدرَس بمنهج التحليل اللغوي؛ إذْ يكون التنغيمُ العنصرَ البارز الذي يجلّي النص ويوضحه، (هذا إن كانت الدراسة منصبّة على النصوص وحدها، لأنّ التنغيم لا يختص بالأدب من حيثُ هو شكل وإطار، بل يشمل كل مستويات الكلام)، فالنغمةُ 'ظاهرة لغوية لا يختص بها الأدب، ولا يتميز بها على لغة الحديث اليومية، فنحن نشاهد في كلماتنا وأحاديثنا أثراً كبيراً للنغمة في إيصال المعنى.
وتغيّر التنغيم يرتبط 'ارتباطاً أساسياً بالتغيرات التي تطرأ على تردّد نغمة الأساس أثناء الكلام '. ودراسته تعدّ 'من أدقّ جوانب الدراسة اللغوية وأكثرها خطورة، بسبب تعدد النغمات في البيئة اللغوية أو اللهَجية الواحدة، وارتباط هذه النغمات بالمواقف النفسية، وارتباطها بالثقافة والتراث والمستوى الاجتماعي'. وإنّ المتبصّر في كتب اللغة والأصوات، خاصة الحديث منها، يلحظ أنه لا يخلو كتاب واحد منها دون أن يتعرض للتنغيم ولو بيسير من الكلام.
والتنغيم كما يعرفه العلماء والباحثون: 'مصطلح يدلّ على ارتفاع الصوت وانخفاضه في الكلام، ويسمّى أيضاً موسيقى الكلام، بل هو من الظواهر الصوتية التي تساعد في تحديد المعنى، لأنّ 'تغير النغمة قد يتبعه تغير في الدلالة في كثير من اللغات، وتختلف هذه الدلالة من سياق لغويّ لآخر، فوظيفته الدلالية النحوية مثلاً تقتضي منه أن يكون فيصلاً في الحكم بين كون الجملة تقريرية أو استفهامية.
الفونيم وعلاقته بالتّنغيم:
وبينما عرض العلماء لدراسة الفونيمات في المدارس اللغوية، اختلفوا في تحديد مصطلح الفونيم، ولعل هذا الاختلاف يعود إلى المنهج المتبع في كل مدرسة. وعندما قسموا الفونيمات (وهي أصغر وحدات صوتية تغييرها يغير المعنى، ولها أثر في بنية الكلمة وما يصاحب هذه البنية من معاني ودلالات)، جعلوها قسمين:
1-فونيمات رئيسية: وهي 'تلك الوحدة الصوتية التي تكون جزءاً من أبسط صيغة لغوية ذات معنى منعزلة عن السياق.
2-فونيمات ثانوية: وهي 'ظاهرة أو صفة صوتية ذات مغزى في الكلام المتصل؛ فالفونيم الثانوية لا تكون جزءاً من تركيب الكلمة، وإنّما تظهر وتلاحظ فقط حين تُضمّ كلمة إلى أخرى، أو حين تستعمل الكلمة بصورة خاصة، كأن تستعمل في جملة.
والذي يدقق النظر في مفهوم الفونيم الثانوية، يجد ارتباط التنغيم به واضحاً، فليس التنغيم جزءاً من التركيب اللغوي في الجملة، بل هو حدث طارئ على التركيب يصاحبه، ويتغير نتيجة تغيره في السياق اللغوي الجاري فيه، إذ يربط التنغيم عناصر التركيب بعضها ببعض.
النّبر وعلاقته بالتّنغيم:
النّبر هو صنو التنغيم مثالاً على الفونيم الثانوية، فلا يكون كذلك جزءاً من تركيب معين، إنما يكون بزيادة كمية من الهواء على صوت أو أكثر من أصوات الكلمة في التركيب الواحد، فيعلو هذا الصوت على بقية الأصوات الأخرى التي تشكل مقاطع الكلمة فيحدث التفاوت قوة وضعفاً بين الأصوات.
إذن، فالنبر هو 'وضوح نسبي لصوت أو لمقطع إذا قورن بغيره من الأصوات أو المقاطع المجاورة؛ فالصوت أو المقطع الذي ينطق بصورة أقوى يسمى صوتاً منبورا، أو هو 'قوة التلفظ النسبية التي تُعطى للصائت في كل مقطع من مقاطع الكلمة، وتؤثر درجة النبرة في طول الصامت وعلو الصوت.
والصوت المنبور عند النطق به 'نلحظ أن جميع أعضاء النطق تنشط غاية النشاط؛ إذْ تنشط عضلات الرئتين نشاطاً كبيراً، كما تقوى حركات الوترين الصوتيين ويقتربان أحدهما من الآخر، ليسمحا بتسرب أقل مقدار من الهواء فتعظم لذلك سعة الذبذبات.
وهكذا، فإن للنبر أثراً في تغيير بنية الكلمة من معنى صرفي إلى آخر، فأنت لو نطقت كلمة (كَتَبَ) مثلاً بفتحة على عين الفعل، لوجدت أن الأصوات فيها متساوية نبراً، لكن إذا ما نطقتها ب(كَتَّبَ) بالتضعيف، فإن عين الفعل تفاوت في النبر عن الأصوات الأخرى، مما جعله يَنقل الكلمة إلى بنية أخرى ذاتِ دلالة معينة، وهذا ما أشار إليه الدكتور كمال بشر بقوله: 'ومن البديهي أنّ تغيير الصفة الصرفية، يؤدّي إلى نوع من التغير في الوظائف النحوية والدلالية.
من هنا جاءت أهمية النبر والتنغيم في الدراسات اللغوية، فالتنغيم' صلته بالنبر وثيقة، فلا يحدث تنغيم دون نبر للمقطع الأخير من الجملة، أي في الكلمة التي تقع في آخر الجملة، وهما من الوحدات الصوتية التي 'لها وظيفة معينة في التركيب الصوتي، لأنها جزء أساسي منه، فهي ليست ظواهر تطريزية وإنما فونيمات أساسية أو أولية.
ويرى بعض الباحثين أن دراسة هذه المباحث الصوتية، فيه نوع من المجازفة والتطاول على اللغة، يقول الدكتور تمّام حسّان: ولا يفوتني هنا أن أشير إلى أن دراسة النبر ودراسة التنغيم في العربية الفصحى، يتطلب شيئاً من المجازفة؛ ذلك لأن العربية



عدد الصفحات: 80
<< بداية الكتاب 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب