دار المعرفة 1  دار المعرفة 2  دار المعرفة 3

الرئيسية         [ محرك البحث ]

المقومات الشخصية لمعلم القرآن الكريم

لم ولده : ' ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بك؛ فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت' (3) .
'''''''''
(1) انظر التقييم الذاتي لمعلّم التربية الإسلامية : 97، 98 .
(2) انظر طرق تدريس القرآن الكريم للزعبلاوي : 28 .
(3) المدارس والكتاتيب القرآنية : 17 .
2 - التدرج في التعليم :
لا ريب أن البداءة بتعليم الأصول والكليات قبل الفروع والجزئيات، يعد السلَّم السوي في مراتب التعليم، وأدعى لثبات العلم ورسوخه لدى المتعلم .
وقد قرر المنهج النبوي هذه الطريقة في التعليم، فعن جندب بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: ' كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن فتيان حَزاوِرة (1) ، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلَّم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانًا ' (2) .
ودلَّ حديث ابن عمر - وهو من صغار الصحابة - أن هذا المنهج سرى على الصحابة عمومًا، فقال - رضي الله عنه - : ' لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها ' (3) ، ثم بيَّن أن هذا المنهج طرأ عليه تغيير في جيل التابعين، فيقول عن بعض من شاهد طريقة تعلمهم القرآن :
' ولقد رأيت اليوم رجالًا، يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، وينثره نثر الدَّقَل ' (4) .
'''''''''
(1) جمع حَزْور وحَزوَّر، وهو الفتى الذي قارب البلوغ، ( النهاية لابن الأثير : 1 / 380 ) .
(2) رواه ابن ماجه في مقدمة سننه : 1 / 23 .
(3) سبق تخريجه ص : 28 .
(4) تتمة الحديث السابق، والدَّقَل : رديء التمر .
وهذا الذي يتحدث عنه - رضي الله عنه - حقيقة مرة نلحظها اليوم في بعض روَّاد حلق القرآن، فتجد الواحد منهم من أبعد الناس خلقًا وأدبًا وسلوكًا عما يدعو إليه القرآن، وما ذلك إلا لتحوُّل المنهج الصحيح في الأخذ والتلقي، فأصبح الأمر مجرد ألفاظ يرددها ويحفظها، فلا تجد لها مسلكًا إلى القلب، فلا ينتفع بهذا الكلام المبارك .
ومن هذا المبدأ يجب على كل معلم لكتاب الله أن يكون حكيمًا في تعليمه، متفهمًا لما يعطيه، فقد جاء عن الضحاك في معنى قوله تعالى { بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } (آل عمران: 79)، قال : ' حق على من تعلَّم القرآن أن يكون فقيهًا ' (1) .
وقال البخاري : ' ويقال : الرباني الذي يربّي الناس بصغار العلم قبل كباره ' (2) ، أي يبدأ بالقضايا الواضحة السهلة، قبل المسائل الدقيقة والكبيرة (3) .
لذلك على المعلم أن يراعي مدارك الطلاب، ومستوياتهم، وأعمارهم، ويعطي كلًا بما يقدر عليه .
وقد أشار الإمام النووي لهذا المسلك التربوي، فقال : ' وينبغي أن يؤدب المتعلم على التدريج بالآداب السنية، والشيم المرضية ... ' (4) .
'''''''''
(1) تفسير ابن كثير : 1 / 385 .
(2) كتاب العلم : باب العلم قبل القول والعمل ( فتح الباري : 1 / 192 ) .
(3) انظر فتح الباري : 1 / 195 .
(4) التبيان : 33 .
وفي ضوء ما سبق يتعين على معلم كتاب الله استخدام أسلوب التدرج التربوي في التعليم والتأديب، وذلك أن الوصول بالمتعلم إلى الكمال التربوي لا يتم إلا بالتدرج، وأي استعجال في التعليم، أو التربية في الحلقات القرآنية، دون مراعاة هذه القاعدة، فإنه يعني الفشل التربوي، والإخفاق في تحقيق الأهداف التربوية (1) .
'''''''''
(1) انظر مهارات التدريس في الحلقات القرآنية : 222 .
3 - مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب :
تحتاج العملية التربوية إلى اهتمام بالغ في مراعاة تمايز الطلاب في القدرة على الاستيعاب، والتلقي، والفهم، والحفظ .
وهذا الأصل التربوي له امتداده من السنة العطرة، ومن هدي معلم البشرية صلى الله عليه وسلم، فكان شديد المراعاة له بين المتعلِّمين من المخاطبين والسائلين، فكان يخاطب كل واحد بقدر فهمه، وبما يلائم منزلته، وكان صلى الله عليه وسلم يحافظ على قلوب المبتدئين، فلا يعلمهم ما يعلِّم المنتهين، ويجيب كل سائل عن سؤاله يما يهمه ويناسب حاله، ويوصي كل واحد - ممن طلبوا منه الوصية - بغير ما أوصى به الآخر ؛ لاختلاف أحوالهم، وأعطى أجوبة حول أفضل الأعمال أو أحبها إلى الله تعالى، بحسب ما رآه من السائل أنه أفضل وأهم له ؛ نظرًا لحاجاته وأحواله، ولهذا كله أمثلة عديدة وشهيرة في السنة النبوية (1) .
'''''''''
(1) انظر الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم وأساليبه في التعليم، والأمثلة المذكورة فيه : 81 - 91 .
وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه - الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم : ' إنك غليِّم معلَّم ' (1) ، والذي قال عن نفسه : (( ولقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه ))، قال شقيق : فجلست في حلق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فما سمعت أحدًا يرد ذلك عليه، ولا يعيبه (2) - يسير على هذا المبدأ، فيقول : ' ما أنت بمحدِّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة ' (3) .
والممارس لمهنة التعليم يلحظ فروقًا بارزة بين الطلاب، ومن مهام المدرس أن يستطيع معرفة نفسية واستعداد كل طالب، وما يقدر عليه، وهي خصيصة من خصائص المدرس الناجح .
وقد قرر الآجري هذه القاعدة بقوله - عن مقرئ القرآن - : ' وينبغي له أن يستعمل مع كل إنسان يلقنه القرآن ما يصلح لمثله ' (4) .
ففي جانب حفظ القرآن الكريم تجد بعض الطلاب لديه قدرة على حفظ خمس آيات في اليوم، وبعضهم لديه قدرة على حفظ صفحة، وبعضهم لديه قابلية لحفظ ثلاثين آية أو أكثر، ولنا شاهد في عز الدين بن جماعة (ت : 819 هـ)، الذي كان يحفظ كل يوم حزبين من القرآن الكريم، فحفظه في شهر واحد (5) .
'''''''''
(1) رواه أحمد : 1 / 379، والفسوي في المعرفة والتاريخ : 2 / 537 بلفظ (( إنك غلام معلَّم ))، وحسَّنه الشيخ شعيب الأرناؤوط ( سير أعلام النبلاء : 1 / 465 ) .
(2) رواه مسلم : 4 / 1912 .
(3) رواه مسلم في مقدمة صحيحة : 1 / 11 .
(4) أخلاق حملة القرآن : 47 .
(5) انظر طبقات المفسرين للداودي : 2 / 94 .
وفي جانب الفهم، تجد بعض المتعلمين يفهم بتقرير يسير من المدرس، وبعضهم يحتاج لبسط وتوضيح وإعادة، وبعضهم يحتاج لأمثلة بيانية .
وفي جانب علم التجويد تواجه بعض المتلقنين من يكتفي بما يلقى إليه من تقويم وتصحيح، وبعضهم عنده قابلية لحفظ القاعدة والأمثلة عليها، وبعضهم لديه قدرة على حفظ المتون المساعدة، كحفظ متن الجزرية، أو ((تحفة الأطفال)) للجمزوري، أو (( لآلئ البيان في تجويد القرآن )) للشيخ إبراهيم بن علي بن علي شحاتة السمنودي المعاصر، أو ما شابهها من المتون السائرة الشهيرة في هذا العلم .
فعلى المعلِّم ملاحظة هذا التباين الواضح، ومراعاة الفروق البارزة بين المتعلمين، ومن الخطأ الجلي لدى بعض معلمي القرآن، المساواة بين الطلاب، وحمل الضعيف - حملًا عنيفًا - ليبلغ إلى مستوى الطالب اليقظ النبيه، وهذا لا يعني ترك التحفيز أو رفع الهمم، أو مكافأة المحسن، وعقاب المقصر، بل المقصود أن ترك الأخذ بمبدأ مراعاة الفروق في التعليم والتوجيه، يوجد نشئًا متفسخًا، ويبرز نوعيات من الطلبة نافرة، أو يؤدي إلى ظهور طبقة تحملت فوق ما تستوعب .
4 - الرفق في التعليم :
يعد الرفق من الأصول المهمة في ال



عدد الصفحات: 14
<< بداية الكتاب 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - نهاية الكتاب >>

لتحميل الكتب